فن

أم كلثوم في القدس

الفن شاهد على عروبة فلسطين

في القدس.. شواهد عروبتها.. الحجر يشهد.. والشجر يشهد.. والشوارع والأروقة تشهد.. والمساجد والكنائس تشهد.. أن التاريخ عربي.. والبيوت عربية.. والزيتون عربي.. وكذلك كان الفن شاهدا.. فالديار الفلسطينية حظيت بزيارات متكررة لكبار الفنانين العرب.. وعلى رأسهم، وفي مقدمتهم، مطربة العرب الكبرى أم كلثوم.

زيارتان كلثوميتان موثقتان لفلسطين.. أولاهما عام 1931، والأخيرة عام 1935.. لكن بعض قدامى مؤرخي الفن في فلسطين يتكلمون عن زيارة أواخر عام 1928 وهو عام فارق في مسيرة أم كلثوم، إذ استوت فيه على عرش الطرب، وأنهت كل محاولات المنافسة، لاسيما بعد النجاح المدوي لمنولوج “إن كنت أسامح” من كلمات أحمد رامي وألحان محمد القصبجي.. حيث بيعت ربع مليون اسطوانة وفقا لأقل التقديرات، وهو رقم ضخم مذهل في عصر “الفونوغراف”.

إعلان بجريدة الكرمل الفلسطينية عام 1928 عن توفر اسطوانات أم كلثوم بمحلات بوتاجي

قليلة جدا المصادر التي تتناول زيارة العام 1928، وعنها يقول الباحث في التراث الفلسطيني الدكتور أحمد مروات، إن الآنسة أم كلثوم تلقت دعوة لزيارة حيفا من شباب نادي الرابطة العربي عام ١٩٢٨، ولبت أم كلثوم الدعوة بدايات العام 1929… وفى بداية الرحلة، غنت أم كلثوم على مسرح سينما عدن بشارع مأمن الله فى (القدس).

 أما الموسيقار والمؤرخ المقدسي واصف جوهرية (1897- 1973) فحضر الحفل ووصفه في مذكراته المعروفة باسم القدس الانتدابية في المذكرات الجوهرية، قائلا: «كان الإقبال عليها شديدا – والقلم يعجز عن وصفه – من جانب الأهلين، وكان الوقوف من الحضور يوازي الجالسين على المقاعد، وأصبح الجميع وكأنهم في غيبوبة من شدة الطرب، فقدروا حشمتها ورخامة صوتها كل التقدير، وكانت ليلة لأبناء مدينة القدس من ليالي العمر التي لم يسبق لها مثيل.. تجلت كروانة الشرق وأبدعت أيما ابداع لما شاهدته من اصطفاء وتقدير وحب الشعب لها، الأمر الذي أفقدها وعيها حتى مزّقت منديلها الذي كان بين يديها من شدة العواطف، وإني وغيري لن ننسى أغنيتها المحببة لها آنذاك ومطلعها: وحقك أنت المنى والطلب”.

إعلان لحفل أم كلثوم بالقدس

ودون تحديد عام معين، يقول نص إعلان حفل لأم كلثوم: “إلى أهالي القدس.. اقرأوا هذا! .. ليلتان فقط! لفاتنة الجماهير ومطربة الشرق الوحيدة الآنسة أم كلثوم تحييهما على مسرح سينما عدن بالقدس يوم الخميس ويوم الجمعة في ٨ و٩ تشرين الأول الساعة ٩ مساء، محلات خصوصية للسيدات، يتبدى الفن الغنائي في صوت أم كلثوم الملائكي، نزف هذه البشرى حتى لا تفوتهم الفرصة ويضيع عليهم الاستمتاع بما وهب الله هذه الفنانة الفتانة من نبوغ وسحر وفتنة… درجة أولى ٥٣٠ ملا (مليما)، درجة ثانية ٤٣٠ ملا، درجة ثالثة ٣٣٠ مل، للسيدات في أماكنهن الخصوصية ٤٣٠ ملا، فلا تدعوا هذه الفرصة تفوتكم، التذاكر تباع في محلات داود الدجاني، محمود عكرماوي، وعلى باب المسرح”.. ويلاحظ أسفل الصورة الإشارة إلى أن الإعلان مطبوع بمطبعة فلسطين الجديد بيافا.

أما زيارة عام 1931، فكانت ضمن جولة لأم كلثوم في بلاد الشام، وثق لها الباحث والناقد اللبناني الكبير الدكتور محمود الزيباوي، معتمدا على تغطية مجلة الصباح القاهرية، التي رافقت أم كلثوم في جولتها وغطتها تغطية شاملة، وأعلنت في 28 أغسطس عن الاتفاق الذي تمّ أخيرا بين “الوجيه السوري المعروف” أحمد أفندي الجاك، وأم كلثوم، لإحياء سلسلة من الحفلات في سوريا ولبنان وفلسطين.

 يضيف زيباوي، نقلا عن “الصباح”: أبحرت أم كلثوم على متن الباخرة الأميركية “أكس كمبيون” يوم السبت 29 أغسطس، ورافقها في رحلتها شقيقها خالد أفندي وأعضاء تختها الذي ضمّ الملحن والعواد محمد القصبجي، القانونجي محمد العقاد، والكمنجاتي كريم حلمي.. وكان في وداعها جمع كبير من رجال الأدب والفن.. تأثرت أم كلثوم عند إقلاع الباخرة، وبكت من شدة الانفعال.. استقبل العاملون في الباخرة الضيفة الكبيرة بحفاوة بالغة، ورفعوا صورها في غرف القبطان والعاملين، وساروا في جو هادئ، وبلغوا ميناء “يافا” يوم الأحد.. رحّب جمع من أعيان يافا بالنجمة القادمة من مصر، وأقاموا حفلا على شرفها، بعدها واصلت الباخرة رحلتها، وحطّت في “حيفا”.. حيث كان في انتظار أم كلثوم جمع آخر من الأعيان والوجهاء والأدباء.

واصلت أم كلثوم رحلتها، فوصلت إلى بيروت، واستقبلتها الزوارق البحرية استقبالا أسطوريا، ثم توجهت إلى عالية، ونزلت في منزل خاص بأثاث فاخر أعده أحمد الجاك خصيصا لها، ثم أحيت أول حفلاتها في بيروت، بحضور السياسي المصري مكرم عبيد، الذي صعد على المسرح ليشكر أم كلثوم ويثني عليها رفعتها لشأن الفن المصري، ثم أحيت حفلا في عالية استمر حتى الثانية والنصف صباحا.. ومن عالية إلى دمشق، حيث أحيت 3 حفلات، ثم اضرت إلى إحياء حفلتين إضافيتين تحت ضغط الجمهور.. ومن دمشق عادت إلى لبنان لإحياء حفل على مسرح زهرة الفيحاء في طرابلس.. ومن طرابلس إلى اللاذقية، ومنها إلى إلى بيروت، قبل تعود إلى سوريا لتحيي حفلا في حلب، ومنها إلى حمص.. ثم توجهت إلى (حيفا) حيث استقبلتها الكشافة الإسلامية، ورئيس بلدية حيفا حسن بك شكري، ووجهاء المدينة، وأحيت حفلتين أقبل عليها الناس اقبالا عظيما.. ثم قدّمت حفلتين على مسرح مدرسة الفرير في (يافا)، وختمت جولتها بحفلتين في (القدس)، ثم عادت مع فرقتها إلى وطنها، ووصلت إلى القاهرة مساء 12 أكتوبر.

وتصف صحيفة «الكرمل» حالة الانفعال والتجاوب في حيفا عند زيارة أم كلثوم، إذ قالت إن أحد المواطنين باع حملة من الطحين اقتناها لبيته كي يتمكن من المشاركة في الحفلة.. ويؤكد مؤرخو فلسطين أن أم كلثوم حازت على لقبها البارز (كوكب الشرق) أثناء تقديمها حفلة داخل مقهى الشرق في حيفا.. إذ إن إحدى المشاركات بالحفل سيدة من «طيرة الكرمل» تدعى «أم فؤاد» انتابتها مشاعر النشوة عندما غنت أم كلثوم «أفديه إن حفظ الهوى»، فصرخت قائلا: “أم كلثوم أنت كوكب الشرق”… تناقلت الصحافة هتاف السيدة الفلسطينية، فحملت أم كلثوم اللقب إلى الأبد.. واقعة يؤكدها عدد من الباحثين في تاريخ النشاط الفني في فلسطين، من بينهم الكاتب سليمان الناطور، والفنان المسرحي المقدسي إسماعيل الدباغ، والأديب الفلسطيني حنا أبو حنا.

سينما الحمراء بيافا عام 1938

الزيارة الثالثة لفلسطين كانت في مايو 1935، وتوثقها صورة إعلان دعائي لمحافل أم كلثوم في القدس ويافا وحيفا.. حيث أحيت ليلتين بكل مدينة، وكان محفلا القدس على مسرح سينما أديسون يومي الأربعاء والخميس1 و2 مايو، ومحفلا يافا على مسرح أوبرا مغربي يومي الأحد والاثنين 5 و6 مايو، ومحفلا حيفا بسينما عين دور يومي الثلاثاء والأربعاء 7 و8 مايو.. وحمل الإعلان عنوانا يقول: أعياد الطرب والسرور في مدن فلسطين العامرة.. بتشريف المطربة الفنانة بلبلة الشرق والأقطار العربية.

ويوثق إعلان آخر لحفل أم كلثوم على مسرح أوبرا المغربي، بمدينة يافا: “كوكب الشرق تطربكم بصوتها الشجي… احجزوا تذاكركم من محلات أحمد الجندي ورستم أبو غزالة… أسعار التذاكر: 400 مل (مليم) و300 مل، وللسيدات: 350 مل و300 مل”.

ووفقا لكل المصادر، فإن أم كلثوم خلال زياراتها لفلسطين، قد غنت في مدن ثلاث هي القدس، ويافا، وحيفا.. غنت بصوتها العربي المقرأن، في مدن عربية عريقة، لجمهور عربي الهوى والهوية.. إذ لم يكن للغاصبين المجلوبين من أرجاء الأرض وجود حتى هذا الوقت القريب.

الوسوم

هيثم أبو زيد

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق