ثقافة

قضاة مبدعون.. أسماء لامعة فى محراب العدالة والأدب

ما بين القاضى والأديب علاقة أبدية سحرية تتلخص فى فن الإحساس بمشاعر الناس.. فالقاضى بداخله أديب بارع، لو ترك القلم على سجيته لكتب عشرات القصص والروايات المحملة بالمشاعر والأحاسيس، فهو المتأمل الأكبر فى حياة الناس، والمستمع دوما إلى شكواهم ظالمين ومظلومين.. يتساوى في تأمله وغوره إلى المشاعر مع الأديب الذى يحترف الأدب والكتابة.

هناك من جمع بالفعل بين المهنتين فصار القاضي الأديب، وتاريخ الأدب يعرف كثيرا من الأعمال الخالدة أنتجها قضاة كبار، كما أن أدباء مرموقين عملوا لفترة فى السلك القضائي، كتوفيق الحكيم صاحب رواية “يوميات نائب فى الأرياف” التى استوحاها من عمله وكيلا للنيابة قبل انتقاله إلى وزارة المعارف.. أو يحيى حقي في الرواية الشهيرة “البوسطجى” التي استوحاها من فترة عمله في النيابة العامة قبل انتقاله إلى وزارة الخارجية.

هنا نلقي الضوء على نماذج من أبرز  القضاة الأدباء فى تاريخنا الأدبي المعاصر.

شيخ القضاة المبدعين

أطلقوا عليه لقب شيخ القضاة المبدعين لبراعته فى الصياغة واستخدام التراكيب اللغوية.. إنه المستشار أحمد فتحي مرسي، الذى برع في كتابة الأدب القضائي، ولد بالإسكندرية عام ١٩١٨، وعين بالنيابة العامة، وتدرج في الوظائف القضائية إلى درجة نائب رئيس محكمة النقض، ثم عين عضوا بمجلس الشورى عام ١٩٨٠ بعد بلوغه سن التقاعد، وعضوا بالمجلس الأعلى للصحافة عام ١٩٨٦، وتوفي عام ١٩٩٦.. كان واحدا من كبار رجال الفقه والقانون والقضاء والثقافة، وأصدر العديد من الكتب والقصائد المنشورة في صحف ومجلات مختلفة، منها  “لك روحي”، “زهرة القطن”، “أيها البحر”، كما ترجم عددا من القصص القصيرة لأدباء عالميين مثل دي موسيه  ولامارتين. إضافة إلى مؤلفات قانونية هي ثمرات خبرته في العمل القضائي والتشريعي أبرزها “الأدب القضائي” الذي صدر عن المركز القومي الدراسات القضائية عام ١٩٨٣.

 تميزت أعماله بمسحة رومانسية، إذ وجه قلبه وفتح عينيه على مناهج الطبيعة وحلاوة الوجود وترك عناوين قصائده على أركان عالمه الرومانسي الذي أقامه من التمني والحلم، وتدل أيضا علي طول نفسه وهيمنة عالمه الداخلي، وتبقي السلاسة والعروبة مذاقا مستمرا أينما ذهبت به التأملات كما كشف في إحدى قصائده “لك روحي”

لك روحي فأسلمي مصر وسودي

وأبلغي بالمجد هامات الوجود

من صعود السما نحو صعود

ويقين بالعلا بعد يقين

لك صدري فاتقي سهم المتون

ويميني إن ونت ومن شلت يميني

قاضى الصعيد

المستشار محمد صفاء عامر، الذي ترك منصة القضاء، ليتربع على منصة الأدب، ويكتب عن هموم الصعيد الجواني.. أشهر من كتب عن الصعيد وقدم الدراما الصعيدية.. ولد في قنا عام 1941، وتخرج من كلية الحقوق عام 1962، ثم عمل في السلك القضائي، حتى أصبح مستشارا بمحكمة الإسكندرية، قبل أن يستقيل من القضاء ويتفرغ للكتابة الأدبية والدرامية ليتربع على عرش كتابة الدراما الصعيدية.. توفي يوم 13 أغسطس عام 2013.

استلهم صفاء عامر من صعيد مصر معظم موضوعاته وأفكاره التي قدمها للسينما والتلفزيون، فقدم الثأر والعادات القبلية في الصعيد، وقدم للتلفزيون مسلسلات كبيرة وناجحة، منها: ذئاب الجبل، الضوء الشارد، الفرار من الحب، حدائق الشيطان، حق مشروع، عدى النهار، حلم الجنوبي، ومن أعماله الروائية: غريق في بئر الذهب، والحب والثمن، الميراث الملعون، وقدم للسينما أفلاما كثيرة، أهمها  صعيدي رايح جاي، كما كتب للإذاعة أكثر من عمل إذاعي.

مهران .. القاضى الشاعر

المستشار حسن مهران، نائب رئيس محكمة النقض سابقا، من أبرز القضاة الذين اهتموا بالأدب والشعر، له العديد من القصائد، ومسرحية شعرية، ومن أبرز أشعاره التي نشرت في محراب العدالة جاء فيها

اسألوا المظلوم عن منصبه

كيف رد الظلم عزا لا يضام

كيف بالعادين في غلوائهم

قدموا الهام وألقوا بالزمام

له دراسة قيمة لشعر العقاد ودفاع جميل عن هذا الشعر ردا على الأديب اللبناني مارون عبود  الذي قدم نقدا لاذعا لقصيدة العقاد “سلع الدكاكين”..  يقول  المستشار مهران في دراسته  القيمة‏، ‏إن ما قاله مارون عبود في العقاد وشعره هو محض تجن تجاوز إلى أبعد حد النقد الموضوعي البناء‏، وفي هذا الحد الفاصل بين النقد المباح والتجني الجائر.

جاءت قصيدة العقاد في صورة “التفعيلة” وليست عمودية تقليدية، وهو نهج حسبما يقول المستشار حسن مهران يبدو غريبا من العقاد،  الذي أنكر في معاركه الضارية اللاحقة شعر التفعيلة‏، وأحاله إلى لجنة النثر للاختصاص‏، فما سر هذا الموقف؟ يجيب مهران: لعل العقاد هنا رأى الشعر الحديث يشغل مركزا وسطا بين الشعر والنثر‏,‏ أو لعله محض تجديد‏,‏ وهذا أقرب الفرضين.

العشماوي .. القاضى البليغ

يستمد الكاتب فكرته من التأمل فيمن حوله، ومن القراءات الكثيرة فى التراث والتاريخ وعلم النفس، من وجوه الناس فى الشارع، من حوارات الآخرين على المقاهي، من جملة عابرة لشخص ما، من حوار بين اثنين غاضبين أو فرحين، من مواقف الحياة بصفة عامة.. هكذا يعرف الأديب والقاضى المستشار أشرف العشماوي كيفية التقاط الأفكار.

استطاع العشماوي الرئيس بمحكمة استئناف القاهرة أن يمزج بين خبرته القضائية وموهبته الأدبية، وتميزت أعماله الروائية بالوضوح, والجزالة, والرصانة، ومنها “زمن الضياع، “تويا” التي وصلت القائمة الطويلة لجائزة “البوكر” في الرواية العربية عام ٢٠١٣، كما صدر له روايات  “المرشد”،  و””البارمان” التي فازت بجائزة أفضل رواية من الهيئة العامة للكتاب عام ٢٠١٤.

 لم يكتف العشماوي بكتابة الروايات والقصص القصيرة في المجال العام والحياة الاجتماعية، كما في كتابه تذكرة وحيدة للقاهرة، وصدر له كتاب وثائقي عن سرقات الآثار المصرية وتهريبها ومحاولة استردادها، تمت ترجمته للغة الألمانية.

الأديب الرحالة

 المستشار خالد القاضي يمتلك مواهب متعددة، فهو قاض وباحث وكاتب وأديب ورحالة، القاضي الرئيس بمحكمة استئناف القاهرة ولد عام ١٩٦٧ بمحافظة قنا، وتخرج في كلية الحقوق جامعة أسيوط، وحصل على الدكتوراه في القانون الدولي، وشهادة التميز العلمي من أكاديمية لاهاي للقانون الدولي عام ٢٠١٣.

تدرج في الوظائف القضائية المختلفة وتولى مهاما متعددة، وتم ندبه حاليا مستشارا قانونيا لوزارة الثقافة المصرية.. وهو بجوب بين مختلف فروع الثقافة في جميع مؤلفاته، ويعطي درسا في كيف يمكن للقاضي أن يجمع بين خبراته بجديتها وصرامتها وبين اللطف في إبداعات أدبية، كما وصفه هيثم الحاج رئيس الهيئة العامة للكتاب. صدر  له  ٢٢ كتابا وحصد جائزة الدولة عن كتاب طابا مصرية كأفضل كتاب عام ٢٠٠٠، ومن أبرز ما صدر له “من روائع الأدب القضائي”.

الخيال الجامح

المستشار الدكتور سامي سراج الدين، القاضي بمجلس الدولة، التحق بالسلك القضائي، وصدر له العديد من الروايات والأبحاث والدراسات القانونية “موكب عزرائيل”، “ملك وكتابة” بجانب العديد من الخواطر والأشعار، وتعتبر رواية موكب عزرائيل من أبرز أعماله، وتدور أحداثها في دولة خيالية، شعبها وحكامها وواقعها وأحداثها تتشابه مع أمثالها في مصر، لكن دون تتطابق. تتجه كتابات ومؤلفات سراج الدين إلى الواقع الاجتماعي، مؤكدة على الصلة بين التعبير وشخص الكاتب والبيئة الطبيعية والاجتماعية.

دروب أصفون

 المستشار وليد مكي، قاض بمحكمة قنا الابتدائية من شباب القضاة الذين برزوا في الكتابة والأدب، تخرج من كلية الحقوق جامعة جنوب الوادي عام  ٢٠١٠ وكان الأول علي دفعته، وسطع اسمه في سماء محراب العدالة لأسلوبه المتميز وبلاغته.

 “دروب أصفون”.. أبرز ما نشر للقاضي وليد مكي.. وعنها يقول: هذا العمل صعب حصره في اتجاه معين، فهو يعرض صورة واقعية للقبائل العربية في صعيد مصر، أثناء عهد السلطان صالح بن الناصر محمد بن قلاوون، متناولا المعطيات التاريخية بعمقها في جذور الماضي منذ حكم الفاطميين، راصدا الخيانة والغدر والظلم والمتاجرة بالدين والأوطان وتلويث الحب في قضايا لا مبدأ لها، بديلا عن صورة تكونت في أذهان ووعي الناس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق