فن

«نهاية الرحلة».. يبعث الروح مجددا في وقائع الحرب العالمية الأولى

تحولت مسرحية الكاتب الإنجليزي، روبرت سيدريك شيريف، Journey’s End (نهاية الرحلة) لأول مرة إلى عمل سينمائي على يد المخرج البريطاني جيمس ويل في عام 1930؛ ما مهد الطريق أمامه للانتقال إلى هوليوود في العام التالي، وإخراج فيلمه Frankenstein.

والآن، وبعد مرور قرن من الزمان على انتهاء الحرب العالمية الأولى، التي تتمحور حولها أحداث المسرحية، يستلهم المخرج الإنجليزي، شاول ديب، مجددا هذا العمل لينسج خيوط فيلمه الجديد الذي يحمل الاسم نفسه.

عرض هذا الفيلم بشكل خاص ضمن فعاليات مهرجان لندن السينمائي في 6 أكتوبر 2017، لكن العرض الأول له في إنجلترا كان في 2 فبراير 2018، وفي الولايات المتحدة الأمريكية في 16 مارس 2018.

تدور أحداث الفيلم أثناء الحرب العالمية الأولى، حيث يقود ستانفون، الضابط الشاب الذي يعاني من اضطرابات نفسية، مجموعة من الجنود الإنجليز المحبطين الذين ينتظرون الموت أكثر مما يتطلعون إلى الحياة.

في هذا السياق يبرز سؤال مهم حول إمكانية طرح رؤى جديدة بشأن الحرب العالمية الأولى، في ضوء هذا الركام الثقافي الهائل من الأعمال الفنية، والكتابات التاريخية وأعمال السير الذاتية، التي قتلت هذا الموضوع بحثا على مدى قرن كامل من الزمان.

فمن قصائد الشاعر الإنجليزي، ويلفريد أوين، الذي خاض غمار الحرب إلى فيلم Paths of Glory (1957)، ومن كتاب بول فوسيل The Great War and Modern Memory (1975) إلى روايتي روبرت جريفز التاريخيتين Goodbye to all That، التي تحولت إلى فيلم في عام 2014، وOh, What a Lovely War، التي تحولت أيضا إلى مسرحية في عام 1963، ثم إلى فيلم في عام 1969، تجلى عالم الحرب بكل تفصيلاته، وسلطت الأضواء بقوة على حياة الجنود في مخابئهم تحت الأرض، وما تمخض عن هذه الفترة من خلل أطاح تحت وطأة المرض النفسي والعقلي بحياة من نجوا من الموت بالرصاص.

ويقود هذا السؤال إلى سؤال آخر حول ما يمكن أن يفعله كاتب سيناريو فذ، مثل سيمون ريد، ليبعث في مسرحية شيريف روح العصر. الإجابة بكل بساطة: “ليس الكثير”. رغم ذلك، ينجح الفيلم في نقل عالم ما بعد الحرب مجددا بصورة مؤثرة عبر تجارب إنسانية مريرة أصقلها أداء رائع في عدد من المشاهد لممثلين بريطانيين بداعليهم فعليا آثار الصدمة من دوي القنابل.

يمكن بسهولة ملاحظة التزام الجنود بالآداب السلوكية الرفيعة وقواعد ’الإتيكيت‘ حتى عندما يستخدمون الجثث لتعزيز تحصينات الخنادق، ويخوضون في الوحل. ويبذل ماسون (توني جونز)، طباخ السرية، قصارى جهده للحفاظ على الروح المعنوية للجنود؛ إذ يعد لهم شرائح لحم مبهمة المصدر، ومشمش معلب، فضلا عن التحلية؛ إلا أن هذه الجهود لا تفلح في إعادة الاستقرار والثقة إلى النفوس المنهكة.

بطل الفيلم هو الممثل، آسا باترفيلد، الذي جسد دور راليف، العائد لتوه من الحرب إلى شمال فرنسا في عام 1918. يقدم راليف الشخصية الوحيدة في الفيلم التي لا تعاني من اضطرابات ما بعد الصدمة.

يعرض الفيلم لعلاقة وحيدة خارج إطار ساحة المعركة، هي العلاقة العائلية بين (الجندي) راليف وقائد السرية، كابتن ستانهوب (سام كلافلين). ويشرح راليف طبيعة هذه العلاقة للملازم أوسبورن (بول بيتاني): “كان يتردد على منزلي لأكثر من ثلاث سنوات، فقد اعتاد زيارتنا والإقامة معي ومع أختي، مارجريت، في الأجازات”؛ لكن أوسبورن يحذره من أنه سيجد ستانهوب شخصا آخر غير الذي كان يعرفه.

يمنحنا الفيلم إحساسا بأننا نشاهد عملا مسرحيا؛ إذ نستمع إلى دردشة الجنود وأحاديثهم البسيطة في المخابيء، أو أثناء اجتماعهم حول موائد الطعام في مطعم الجنود، أو عندما يقفون إلى جوارأكياس الرمال. وتمثل سذاجة راليف مصدرا ثريا لتسلية الآخرين، وقلقهم. فهم يدركون تماما ما ستجره عليهم هذه ’البراءة‘ من مآزق وأزمات.

يقدم كلافلين أداءا رائعا من خلال شخصية ستانهوب التي تعاني من اضطرابات نفسية حادة؛ فهو القائد الأفضل على الإطلاق الذي ينعت نفسه بالغباء، ويشعر بالعار إلى درجة جعلته لم يعد “ذلك الفتى الرائع” الذي سحر لب أخت راليف، فتاقت إلى الزواج منه.

في بعض الأحيان، نشعر أن الفيلم يشبه مسلسل Blackadder، الذي عرض في ثمانينيات القرن الماضي. فالجنود يودعون بعضهم البعض بلا مبالاة، ورربما بابتهاج، بينما يمضون في طريقهم نحو الموت. وفي مشهد عجيب، يتلقى ستانفون تعليمات من قائده المتغطرس: “ابق في مكانك لأطول فترة ممكنة”.

فخطة الحرب في المعسكر الإنجليزي تقوم على انتظار رصاصة الرحمة من الجنود الألمان لتنهي دراما حياة ستانفون ورفاقه. وفي مشهد آخر، يتم تعديل هذا ’التكتيك‘، حيث يعرض قادة السرايا خطة لشن غارة متهورة في وضح النهار، دون أن ينتظروا ظلام الليل ليحتموا به.

نجح صانعو الفيلم في استيعاب المعاناة التي خلفتها الحرب، وعبثيتها، بصورة عميقة؛ ومن ثم تحول النهج التقليدي إلى نقطة قوة بدلا من أن يكون نقطة ضعف. كما وثقوا بدرجة كبيرة في المادة الأساسية العتيقة التي استلهموا منها عملهم الجديد. ربما لا تقدم هذه النسخة من Journey’s End طرحا جديدا في مادتها، لكنها نفذت بالتزام ومثابرة جعلتها لا تبدو على الإطلاق مادة عفا عليها الزمن.

*هذه المادة مترجمة 

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق