رؤى

أمريكا ولعبة الإرهابي«الزومبي»

تريد الولايات المتحدة الأمريكية منا أن نسلم بأن اجتثاث أذرع الإخطبوط الإرهابي المنسدلة على خريطتنا المليئة بالخروقات والتهتك باتت قريبة، كنتاج مباشر  لكثافة النيران التي صبتها قواتها والمتحالفين معها على مناطق سيطرة التنظيمات التكفيرية وخاصة في معاقلها الرئيسة في سوريا والعراق وأفغانستان وغيرهم.

بيد أن ظاهرة الإرهاب في منطقتنا العربية تشبه إلى حدما شخصية «الزومبي» المولع بها الغربيون في أعمال السينمائية.. فــ«الزومبي» جنس لمخلوقات كانت قد ماتت بالفعل، لكنها تعود مرة أخرى للحياة في أشكال مرعبة ومتعددة، لتهاجم المسالمين الأبرياء، وغالبا ما يتحكم فيها ساحر شرير، يمتلك شفرات التحكم في هذه المخلوقات التي كلما تباد يعيدها هو مرة أخرى في متوالية لا نهائية، وعندما تقترب من تهديد الكون لدرجة الانقراض، يستطيع البطل أن يصل إلى تلك القلعة التي يصنع فيها ذلك الساحر مخلوقاته فيدمرها فوق رأسه لينقذ البشرية جمعاء.

فيلم إسرائيلي: حزب الله يطور سلاحاً بيولوجياً قادرا على إحياء الأموات، ونسوة محجبات يأكلن من أجساد الجنود..

لن نتحدث هنا في كون القوى الغربية بميراثها الاستعماري المرير ودعمها المطلق والظالم لإسرائيل، كانت أحد الأسباب الرئيسية لذرع ونمو بذرة الإرهاب في منطقتنا وترعرع شجرته “الزقومية”، التي امتدت أفرعها لتلقي بحممها على الخارطة الكونية برمتها، لكننا لن نفعل سوى تقييم التجربة التاريخية الأمريكية القريبة في العراق وننطلق من أواخر العام 2010م.

في هذا العام وقف “أوباما” ليزف إلى البشرية إعلان القضاء على الإرهاب في العراق نهائيًا « قبله فعل سلفه بوش الابن»، وتلاشي ما كان يسمى حينها “دولة الإسلامية في العراق”، بقيادة أبو عمر البغدادي ووزير حربه المصري، أبو حمزة المهاجر، واللذين قتلا معا في صحراء منطقة “الثرثار” شمال غرب محافظة تكريت، إثر عملية عسكرية مشتركة.

وللحق فقد كان التنظيم، المبايع للقاعدة حينئذ، مني بخسائر فادحة بفعل الضربات الأمريكية – العراقية من جهة وحصار مليشيات الصحوات السنية من جهة أخرى.. فتراجع حيث صحراء الأنبار وبدا وكأن شمسه تأفل للأبد .. لقد اعترف قادة التنظيم في تلك المرحلة، بأنهم واجهوا صعوبات في دفن الجثث من كثرتها، فقد تسببت سياسة الحرب المكشوفة التي استخدمها «المهاجر» في خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، فملأت باطن الأرض بجثث التنظيم، واختنقت السجون بأجسادهم.

 لكن مع رشفة من ماء المحاياة، هبت مع رياح الثورة الشامية بعد ثورات الربيع العربي، دبت الروح مجددا في جسد التنظيم، فعاد مرة أخرى أشد عنفًا ودموية وانطبق عليه المثل القائل «الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويك».

عاد الإعلان «الأوبامي» الشهير بالقضاء على الإرهاب أدراجه وبطل مفعوله، وشق التنظيم في العراق ثغرة في صخرة الحصار المحكم الذي لم يصمد قرابة العام والنصف إذ نجح أبو بكر البغدادي، الأمير الجديد للتنظيم، في إرسال شاب لم يتجاوز حينها السابعة والعشرين من عمره، يدعى «أبي محمد الجولاني»، ومعه قليل من المقاتلين وكثير من الأموال، في اتجاه محافظة إدلب السورية.

استطاع هذا الفتى ذو الأم السورية والأصول الأردنية،استثمار التربة السورية الساخنة في تجنيد مقاتلين تحت راية العقاب السوداء، وهو المعروف في الأوساط التنظيمية بقدراته الهائلة في المسائل الأمنية، ونجح في تشكيل جبهة النصرة، التي انشطرت لنصفين شطر انحاز له في انفصاله عن التنظيم الأم، وشطر ذهب ليرتمي في أحضان الخليفة الجديد الذي أعلن تمرده عن القيادة العامة لتنظيم القاعدة بزعامة أيمن الظواهري جراء ذلك.

كان رجال«البغدادي» في سوريا، قد وقعوا على كنز ثمين من السلاح والمال والرجال، فكانت ردتهم مرة أخرى في اتجاه العراق، ليس للسيطرة والتمكين فقط، لكن لأخذ الثأر ممن كان على الأرض وقتها، فكان سقوط ثلث العراق في أيدي رجال لم يشبعهم سوى قتل الآلاف من خصومهم السابقين ذبحاً ورمياً .. لقد عادوا بأشرس مما كانوا.

لم يكن أبو محمد العدناني، المتحدث باسم “داعش”، والذي لقي حتفه مؤخراً، يهذي في خطابه، الذي تحدث فيه عن أنهم سيعودون مرة أخرى إذا ما فقدوا السيطرة على الأرض فذلك لم يكن جديدًا ، فلم يحدث هذا مرة بل حدث مرات ، فقد كانت التجربة القريبة حاضرة بقوة أمام أعينهم.. «أتحسبون أننا سنرحل، أتخالون أننا سننتهي، أتحسبون أننا سنكل أو نمل، كلا أننا باقون بإذن الله إلى قيام الساعة».

بالتوازي مع الغزو الأمريكي للعراق، حط أبو مصعب الزرقاوي، في بلاد الرافدين، وكان تلميذا نجيبًا للمنظر التكفيري الأردني، أبو محمد المقدسي، الذي كان مع تكفيريته رافضا لتكفير عوام الشيعة فضلاً عن رفضه لعمليات القتل العشوائية العمياء التي تطال المدنيين العزل من العاملين في أجهزة الدولة ومؤسساتها، إلا أن التلميذ رفض قيود أستاذه وهم تذبيحا وتقتيلا في الجميع بدءا من الطائفة الشيعية التي رأى تكفيرها بالمجمل وانتهاء بالرهائن الغربيين الذين ذبحهم ذبح الشاة أمام كاميرات تنظيمه.

دبت الخلافات بين الزرقاوي ومن معه وبين الظواهري ومن حوله، فقد ظهرت القاعدة كرافضة لنهج “الزرقاوي” العنيف، وظهر الأخير كمن يقف على يمين التنظيم المتشدد أصلا إلا أن تنظيم الزرقاوي “التوحيد والجهاد” ظل مراعياً لما يسمى الحاضنة الشعبية، حيث حاول أن يظهر كمدافع عنيف عن الطائفة السنية في العراق ومقاوما للاحتلال الأمريكي مما عزز قدراته في جذب العديد من العناصر السنية التي كان لها سابقاً خبرة في العمل العسكري وقت خدمتها في الجيش العراقي البعثي.

وبعد القضاء على “الزرقاوي” والعديد من قيادات الصف الأول تراجع التنظيم إلى أن ظهر في المشهد أبو حمزة المهاجر، وهو المصري عبدالمنعم عز الدين البدوي، بتنظيم ضم وقتها 7 آلاف مقاتل، معلناً مبايعته لأمير عراقي جديد هو أبو عمر البغدادي، لينقل التنظيم إلى طور آخر جديد أكثر عنفا ودموية.

ثم جاءت اللحظة التي بدا فيها “داعش” كتنظيم يقف على يمين التنظيمات المتطرفة، أو الأكثر مزايدة عليها، مستفيداً من الحالة الفساد والطائفية التي استشرت في أوصال الدولة العراقية والسورية.. ما يشي بأن التنظيمات التكفيرية تعود مرة أخرى للحياة بعد الموت، وكأن الأرض البور ترفض بلعها في باطنها لتقذف بها من جديد في شكل أكثر رعبا وتوحشا.

وتظل البيئة غير النقية مساعدة للغاية في خلق فيروسات وبكتيريا الإرهاب بما تحمله من طائفية مقيتة، وفراغ سياسي، وانعدام العدالة الاجتماعية، وطفح الاستبداد السياسي والديني، فضلاً عن حالة الإستضعاف التي تحياها دول المنطقة في مواجهة طغيان الهيمنة الأمريكية والغربية.

وتعد تجربة الإخوان في مصر بجناحها السري، ومواجهة الدولة المصرية لها، بداية من ثلاثينات القرن الماضي، وحتى ثورة الــ30 من يونيو، نموذجاً مهماً، في إمكانية تحور تلك التنظيمات، من مرحلة لأخرى ومن عصر لآخر، فقد استطاع ذاك التنظيم، شئنا أم أبينا، الصمود على تطرفه، ما يقرب من 85 عاما، في مواجهة الدولة المتصدية والمجتمع الرافض، وفي كل مرة تنتكس فيها الجماعة بفعل تصرفاتها ونهجها، تنهض مرة أخرى بأساليب شتى، كي تحاول الوثوب على السلطة.

وفي تجربة الجماعات التكفيرية المسلحة، ظهرت الجماعة الاسلامية والجهاد، في أواخر السبعينات من القرن الماضي، كخليط بين الأفكار القطبية للإخوان والأفكار السلفية الكلاسيكية، التي ضربت مصر قادمة من الجزيرة العربية، إلا أن التنظيمات التكفيرية الحديثة، بدت في أفكارها واعتقادتها، الأكثر تشددا، بحيث كفرت في النهاية الجماعات القديمة كفراً صريحاً انتهى بتكفير “داعش” للقاعدة وزعيمها أيمن الظواهري.

معضلة “داعش” المريرة  هذه المرة لا تتجلى في كونه تنظيم محدود الإمكانات والأعداد والطموحات، بل كونه تنظيم استطاع أن يخدع ويلهم أتباعه التنظيميين والمتعاطفين بأن هناك خلافة موعودة قد اقترب أجلها، وأن وعد الله هذا، يجتمع عليه “الكفار” على كثرة عددهم للقضاء عليه، من أجل هذا فإن حفنة المؤمنين لن تهزم على قلة عددها، وأن هزيمتهم مجرد امتحان من الله لهذه الفئة كي ينقيها لليوم الفصل.

هنا تنتهي المعركة لتبدأ من جديد في ثوب تنظيمي جديد وبقيادات جديدة تحمل الراية ليستمر مصنع المقاتلين في الإنتاج، وتستمر طائرات الغرب في الأزيز والقصف والدمار لتتحول المنطقة لرماد يظل تحت وميض نار ما يلبث ينطفأ ليشتعل مرة أخرى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: