رؤى

في مدح وذم الجينز.. بين أمبرتو إيكو ونبيه الوحش

أن يتسلل اسم نبيه الوحش ليقف بجانب اسم الفيلسوف والروائي الإيطالي الراحل أمبرتو إيكو في عنوان لمقال فهذا أمر يدعو للاستنكار والاستهجان، لكن هل الملوم الكاتب الذي زاملهما معا في مقاله، أم من أفسح المجال للرجل ليكون له هذا الحضور في الإعلام فيتجرأ على مختلف القضايا الاجتماعية والثقافية والدينية، كأنه مثقف برتبة إيكو؟.

في مقال له بعنوان “في مدح الجينز” يذكر أمبرتو إيكو أن الجينز لم يكن واسع الانتشار في الفترة التي قرر فيها ارتداءه، وأن تغييرا مهما حدث في حياته منذ أن ارتدى الجينز أول مرة، أدرك، كما يحكي بمقاله، أن مشيته وجلوسه ووتيرة تسارع خطاه اختلفت، وأنه أصبح يحيا وقتها مدركا كونه يرتدي الجينز، بينما لم يكن مألوفا أن يعيش أحد وهو مدرك كونه يلبس مثلا ملابس داخلية أو سراويل، وكيف أنه مذاك أضحى يعيش لجينزه، ويتخذ سلوكا خارجيا يتماهى مع من يلبس الجينز عادة.

لاحظ إيكو كيف أن الجينز غير من عاداته، حيث اعتاد الفيلسوف والروائي الإيطالي أن يكون صاخبا مطلقا العنان لنفسه، لكن جينزه ضبط تصرفاته وجعله أكثر تهذيبا ونضوجا، ثم ينطلق إيكو في رصد تأثير اللباس على الناس تاريخيا، وكيف أنه كان يملي عليهم سلوكياتهم، ففي رأيه كان البرجوازي الفيكتوري (في إشارة لفترة حكم الملكة فيكتوريا 1837 ـ 1901) صارما وقاسيا بسبب ياقة لباسه القاسية، وكان الرجل النبيل في القرن التاسع عشر مقيدا في أفكاره بسبب سترة الردينجوت (سترة طويلة تصل إلى ما فوق الركبة) والحذاء العالي والقبعة العالية، وكيف أن الرهبان اعتادوا على لباس فضفاض متناسق له طيات منسدلة في شموخ، تترك الجسد داخله غير واع بوجوده، بعكس المحاربين الذين عاشوا حياة خارجية بفعل الدروع الصدرية والزرديات، وهي نفس الحياة التي ـ في رأي إيكو ـ فُرضت على المرأة، إذ فَرض عليها المجتمع الغربي دروعا أجبرتها على تجاهل ممارسة التفكير، واستعبدتها ليس فقط عبر الموضة التي تلزمها أن تكون جذابة وفاتنة ومثيرة، لتعاملها كغرض جنسي، بل لكون الأزياء التي تُقدم لها تجعلها نفسيا تعيش للخارج، وفي تصور أمبرتو فإن الجينز الذي طُرح في عصره كرمز للتحرر والمساواة مع الرجل ليس إلا حيلة أخرى؛ لأنه لا يحرر جسد المرأة، بل يفرض عليه درعا جديدا لكن هذه المرة الدرع لا يبدو أنثويا في الظاهر.

الرؤية التي يقدمها إيكو، وإن كانت عن ذات الموضوع، لا تشتبك قطعا مع رأي نبيه الوحش عن كون اغتصاب الفتاة التي ترتدي جينز ممزق واجب وطني، ليصدر مؤخرا ضده حكما بالسجن 3 سنوات.

المشترك الوحيد بين الرأيين هو المساحة التي أعطت لكليهما ليعبرا عن رأيه، وإذا كان من الطبيعي أن تفرد مساحة لإيكو المفكر وعالم اللسانيات والروائي لكي يعبر عن كل ما كان يريد التعبير عنه، فمن غير الطبيعي ولا المنطقي ولا المقبول أن تعطى مساحة على امتداد ما يقرب من عقدين للوحش لأن يطل على الناس من برامج الفضائيات، مدليا بدلوه في كافة القضايا، ليصبح أحد نجوم “مجتمع الفرجة”، والتعبير للمفكر الفرنسي جي دوبور، وهو المجتمع الذي يُستبدل فيه العالم المحسوس بمجموعة من الصور توجد “فوقه” وتقدم نفسها على أنها هي المحسوس.

أمبرتو تؤهله مكانته العلمية لأن يكون حاضرا، والوحش لا يكرس لحضوره بهذه الكثافة إلا قنوات بعينها، فالشاشة ملأى بالوحوش، يفترسون آذان الناس بفحش كلامهم وبذاءة تعبيراتهم وبلاهة أحاديثهم أي تبلدها وفراغها من أي مضمون، هي سياسة يفرضها “أسياد التاريخ المباشر” بحسب ريجيس دوبريه، وهم أولئك المتحكمون فيما يُقدم إلينا عبر الشاشة.

عندما تفكر البلاهة فهي مأساة كما ينبئنا الكاتب المسرحي الفرنسي جان كوكتو، وعندما يفسح لها المجال لأن تعبر عن نفسها عبر الوسائط الإعلامية، فتحتل أماكن النخب فهي مأساة المآسي، وقد تتفوق في خاتمتها على خواتيم مآسي كاتب مسرحي فرنسي آخر هو جان راسين.. فلننتظر ونترقب.

الوسوم

محمد السيد الطناوي

كاتب و باحث مصري Mohamed.altanawy1@Gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق