فن

الرواية الأمريكية للحرب على الإرهاب 12 Strong

ربما يبدو فيلم 12 Strong – الذي عرض لأول مرة في 19 يناير 2018 – من فانتازيا الحركة والإثارة، لكنه في واقع الأمر مستمد من قصة حقيقية مأخوذة من كتاب دوج ستانتون، الذي يحمل اسم Horse Soldiers: The Extraordinary Story of a Band of US Soldiers Who Rode to Victory in Afghanistan (الفرسان: القصة المثيرة لفرقة جنود أمريكيين زحفوا نحو النصر في أفغانستان) 2010. ظلت أعمال هؤلاء الجنود طي السرية، ولم تعرف طريقها إلى النور إلا بعد انقضاء سنوات على الحدث، بعد ما أميط اللثام عن المعلومات الخاصة بمهمتهم الوطنية في أفغانستان.

يجمع الفيلم بين التقنية المتقدمة والمنظور القومي المتطرف للحرب الأمريكية على الإرهاب، فأفغانستان – كما يردد الأمريكيون دائما – هي مقبرة الغزاة، وهي أيضا البلد الذي لا يرحب بمنتجي هوليوود. في هذا الفيلم، يسعى المخرج الدنماركي، نيكولاي فاجلسيج، إلى نسج قصة رائعة، وربما متفائلة، من رفاة أرض الموت، ووسط ركام حرب شعواء تبدو بلا نهاية. وإذا كان الفيلم لا يتطرق طوال مدة عرضه – التي بلغت 130 دقيقة – إلى مناقشة مخاطر هذا الهجوم الأمريكي المضاد، إلا أنه ناقش بعض المبادئ التي تمثلها معسكر الصقور الأمريكي في حربه ضد الإرهاب، مثل مبدأ القوة فوق الحق، وفلسفة العين بالعين.

 يبدأ الفيلم بعرض مجموعة من اللقطات الإخبارية التي تصور عمليات إرهابية سابقة استهدفت مواقع ومصالح أمريكية في الداخل والخارج، لينتقل بنا سريعا على إثرها إلى أحداث 11 سبتمبر. في هذه الأثناء، كان ميتش نيلسون، (الذي جسده كريس هيمسورث)، قائد إحدى فرق القوات الخاصة، يستعد لتقلد وظيفته المكتبية الجديدة، بعد تنحيه عن وظيفته القيادية الميدانية.

كان نيلسون قد انتقل لتوه إلى منزله الجديد برفقة زوجته وابنته الصغيرة، ليبدأ منه حياة هادئة بعيدا عن غمار المعارك. إلا أن أحداث هذا اليوم العصيب تنتزعه من صفائه انتزاعا – مثلما انتزعت العالم بأكمله، فيقرر على إثرها العودة مجددا إلى صفوف المقاتلين على رأس مجموعته السابقة، التي يكن أفرادها له احتراما عميقا.

في هذه المشاهد المبكرة، نشاهد ميتش ورجاله يودعون عائلاتهم في مشاهد عاطفية فياضة، لكن إيقاع الفيلم سرعان ما يشهد تحولا جذريا، فبمجرد أن يحط الجنود الأمريكيون على أرض أفغانستان يتم اختيار فرقة نيلسون للقيام بعملية كبرى تستهدف الإطاحة بنظام طالبان في مدينة مزار شريف، أحد معاقل الحركة. لا يعلم الجنود  بحقيقة المهمة إلا وهم على متن مروحية تقلهم إلى مكان ناء: “منذ خمسة أسابيع هاجم 19 رجلا بلدنا، وقد وقع الاختيار على اثنى عشر رجلا منكم ليكونوا أول من يرد العدوان”.

في هذا المكان النائي يقابل أعضاء الفرقة أحد أمراء الحرب الأفغانية، عبد الرشيد دوستم، الذي يساعدهم على الوصول إلى المدينة التي تهيمن عليها الحركة. منذ اللقاء الأول، نلحظ توتر العلاقة بين نيلسون ودوستم (الذي يجسده الممثل الإيراني الأمريكي نافيد نجابان)؛ إذ يخبر الثاني الأول بلهجة ساخرة أنه لا يمتلك ’عيون مقاتل‘، على عكس مساعده كال (الممثل الأمريكي مايكل شانون).

تبقى العلاقة المركزية في الفيلم هي تلك العلاقة التي تجمع بين ميتش ودوستم، إذ يوظفها مخرج الفيلم لإبراز الهوة الثقافية بين الجنود الأمريكيين وحلفائهم الجدد في معركة لا تعرف إلا القتل، ولا تقبل حتى بالأسرى. فكل من نيلسون ودوستم لا يثق في الآخر، وكلاهما يعمد إلى إثارة الآخر، وكيل السخرية منه. في نهاية المطاف، يبدي الطرفان احتراما عميقا متبادلا تجاه بعضهما البعض، ربما لم يكن لدى كل منهما الوقت الكافي لاستكناه شخصية الآخر وسبر أغوارها؛ إذ استنفذتهما حربهما المشتركة ضد طالبان.

وعلى النقيض من المشاهد العاطفية الهادئة التي عرضت في بداية الفيلم من الولايات المتحدة الأمريكية، نشاهد أحد قادة طالبان (سعيد التغماوي) يذبح امرأة على مرأى من بناتها لأنها تجرأت على تعليمهن القراءة والحساب، بما يخالف تعليمات طالبان التي تحظر تعلم الفتيات اللاتي تجاوزن الثامنة. رغم ما ينطوي عليه المشهد من ترويع، إلا أنه يبقى المشهد الوحيد الذي يخرج عن إطار الجنود الأمريكيين إلى مقاتلي طالبان.

وبرغم حضور كريس هيمسورث الرائع على مدى سنوات في فيلم ثور – أحد أفلام عالم مارفل السينمائي – إلا أن ظهوره في هذا الفيلم يسجل علامة خاصة، ربما تعيد إلى الأذهان أدوار إيرول فلين، أو جون واين في أفلام الحرب العالمية الثانية، فنيلسون لا يتحدث بصوت مرتفع، لكن ذكاءه وشجاعته تجعل رجاله مدفوعين دائما إلى تنفيذ أوامره، واتباعه أينما ذهب.

يحاول سيناريو الفيلم الذي كتبه كل من تيد تالي (صاحب سيناريو الفيلم الشهير Silence of the Lambs (صمت الحملان)) وبيتر كريج أن تذهب أبعد من العبارات النمطية الخاصة بأفلام الحرب، لكنها تخفق في ذلك. فجميع الشخصيات تتحدث بطريقة واحدة مقتضبة، ما يجعلك أسيرا لشعور خفي بأن الفيلم يحاول أن ينسج رواية خيالية عن انتصار غير حقيقي في حرب تبدو فيها أي انتصارات حققتها القوات الأمريكية مؤقتة وقصيرة المدى.

*هذه المادة مترجمة :

 

*يمكن مشاهدة تريلر الفيلم على موقع يوتيوب على الرابط التالي:

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق