فن

صفحة من تاريخ «الخلافة» يتجاهلها الإسلاميون (1-3)

تحتفي تيارات الإسلام السياسي بالخلافة الإسلامية، وبتاريخها.. يلحون في خطبهم ودروسهم وكتبهم على مآثر الخلفاء، يختصرون تاريخ هارون الرشيد في عبارة تزعم أنه “كان يحج عاما ويخرج للجهاد عاما”، ولا يروجون لشيء من تاريخ المعتصم إلا أنه سير جيشا لإنقاذ امرأة استغاثت به صارخة: “واه معتصماه”.. لكن للخلفاء تاريخ طويل مع الفن والطرب.. لا يرتاح له من يريدون الدنيا ليلا بلا أقمار.

بلغ اهتمام الخلفاء والأمراء في الدولتين الأموية والعباسية بالغناء مبلغا كبيرا، وأمست مجالس الطرب تنعقد في بلاط الخلافة، ولقي المطربون والملحنون رعاية كبرى من الحكام، تمثلت في العطايا المادية، وتقريب أصحاب المواهب، وتيسير سبل العيش الرغيد لكبار أهل الفن.

كان ارتقاء الغناء عنوانا على قوة الدولة وسطوتها وثرائها ونفوذها ومجدها وبلوغ أوجها في الرفاهية والتنعم، وهو ما يشير إليه ابن خلدون في مقدمته بقوله “وإذ قد ذكرنا معنى الغناء فاعلم أنه يحدث في العمران إذا توفر وتجاوز حد الضروري إلى الحاجي، ثم إلى الكمالي، وتفننوا فيه، فتحدث هذه الصناعة، لأنه لا يستدعيها إلا من فرغ من جميع حاجاته الضرورية والمهمة من المعاش والمنزل وغيره”.

ويروي ابن عبد ربه في العقد الفريد أنه “كان للرشيد جماعة من المغنين، ومنهم إبراهيم الموصلي، وابن جامع السهمي، ومخارق، وطبقة أخرى دونهم، منهم زلزل، وعمر الغزال، وعُلَّوية، وكان له زامر يقال له برصوما، وكان إبراهيم أشدهم تصرفا في الغناء وابن جامع أحلاهم نغمة”.

وكان الخليفة الأمين ابن الرشيد من محبي الطرب، غناه إبراهيم الموصلي يوما أبياتا للحسن بن هانئ، فاستخف الأمين الطرب حتى قام من مجلسه وأكب على إبراهيم يقبل رأسه، وأمر له بثلاثة آلاف درهم، فقال إبراهيم: “يا أمير المؤمنين قد أجزتني إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم”.. فقال الخليفة: وهل ذلك إلا خراج بعض الكور؟”.

أما الخليفة المعتصم فكان يدافع عن الغناء ضد من يفتون بمنعه، وكثيرا ما تجادل مع قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد الذي كان يمتنع عن حضور مجالس الطرب، ولا يرى فيها إلا تضييعا للوقت والمال.. “جلس المعتصم يوما يستمع إلى المطرب إبراهيم بن المهدي، ثم تذكر الخليفة شأنا عاجلا من شؤون الدولة، فأرسل يستدعي قاضي القضاة، فلما وصل واقترب من المجلس واستمع الغناء، تملكته الحيرة والاضطراب، وشغله الغناء عن كل شيء حتى سقطت عصاه من يده.. ثم دخل وجلس مستمعا، فلما انتهى المغني كان الطرب قد استبد بالقاضي، فوثب يلتمس من الخليفة أن يأمر بإعادته، فضحك المعتصم قائلا: إن تبت مما كنت تناظرنا فيه من صناعة الغناء سألت عمي أن يعيد غناءه عليه، فقال القاضي: قد تبت من ذلك، ورجعت عن رأيي في الغناء، وتركت مذهبي إلى مذهب أمير المؤمنين”.

وإبراهيم بن المهدي، أخو الخليفة هارون الرشيد، فهو ابن خليفة، وأخو خليفتين، وعم ثلاثة خلفاء.. ولم تمنعه مكانته وحسبه من أن يكون مغنيا كبيرا حاذقا، حتى قالوا عنه هو أحسن الإنس والجن والطير والوحش صوتا، وكان يحفظ الألحان ويجري عليها بعض التعديلات، وكان تصرفه في الغناء محل جدل دائم ومناظرات لا تنتهي بينه وبين زعيم الطرب إسحاق بن إبراهيم الموصلي.

يفسر المؤرخ والناقد الموسيقي كمال النجمي طبيعة الخلاف بين ابن المهدي وإسحاق الموصلي فيقول: “كان إسحاق يتشدد في ضبط الألحان كما انتقلت من القدماء جيلا بعد جيل، لا كراهية للتطريب والتصرف، بل خوفا من ضياع أصولها… فكان يعتبر ما يدخله ابن المهدي من تغيير على اللحن أمرا خطيرا”، لاسيما مع صوته الذي بلغ غاية في الجمال والأسر.. وينقل النجمي عن الأصبهاني: “كان يمضي الزمان الطويل لا تنقطع مناظرتهما ومكاتبتهما في قسمة وتجزئة صوت واحد”.

 

الوسوم

هيثم أبو زيد

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق