فن

صفحة من تاريخ «الخلافة» يتجاهلها الإسلاميون (2-3)

كانت المناظرات الغنائية في بلاط الخلافاء من العمق والصعوبة والإحاطة بالتفاصيل إلى حد تضمنها بعض ما لا يدركه محترفو الغناء أنفسهم، فيعلق عليها المطرب الحاذق عمرو بن بانة بقوله: “رأيت إسحاق الموصلي يناظر إبراهيم بن المهدي في الغناء، فتكلما فيه بما فهماه ولم نفهم منه شيئا، فقلت لهما: لئن كان ما أنتما فيه من الغناء فما نحن منه في كثير ولا قليل”.

كثيرا ما جرت هذه المناظرات في بلاط الخلفاء، ودائما ما كان النصر فيها لخبير الغناء الأعظم إسحاق بن إبراهيم الموصلي، ورغم مكانة ابن المهدي باعتباره واحدا من الأسرة الحاكمة، إلا أن الموصلي تحداه بحضرة الخليفة المعتصم قائلا: إني أسألك عن ثلاثين مسألة في باب واحد من طريق الغناء لا تعرف منها مسألة واحدة.

لقد تحدث ابن خلدون عن الغناء مطولا، وخصص الفصل الثاني والثلاثين من مقدمته الشهيرة لصناعة الغناء، وكان من المؤكد أن يشير إلى تلك النهضة الموسيقية العظمى التي شهدتها الدولة العباسية، فقال: “ما زالت صناعة الغناء تتدرج إلى أن كملت أيام بني العباس عند إبراهيم بن المهدي وإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق وابنه حماد”.

إن تيارات الغلو، ومشايخ الفكر الجامد، وقادة الجماعات الحركية ربوا أتباعهم دائما على أن الغناء كان سببا لانهيار الدولة الإسلامية، لاسيما في الأندلس، وأن انشغال الخلفاء بالطرب كان العامل الأساس لزوال ملكهم وضياع حكمهم، ولهم في هذا قصص مختلقة، من أشهرها أن حكيما أو عالما أو جاسوسا، دخل بلاد الأندلس فوجد صبيا يبكي، فسأله ما يبكيك، فأجابه أن قوسه التي يرمي بها قد انكسرت، ففهم الجاسوس من هذا الموقف أن المسلمين في حالة تأهب دائم لمواجهة الأعداء.. ثم كرر الجاسوس زيارته بعد مدة، فوجد صبيا يبكي، فسأله ما يبكيك، فقال له: عودي قد انكسر، ففهم الجاسوس من ذلك أن المسلمين قد انشغلوا باللهو والغناء عن التدريب الحربي.

بمثل هذه السذاجة، يتعامل الغلاة مع النهضة الموسيقية الأولى، متغافلين عمدا أو جهلا عن كون هذه النهضة واكبت ذروة قوة الحضارة العربية، وأن الأمم التي يصفونها بالعدوة كان لها أيضا حظ معتبر من الفن الموسيقي، وهو ما يقرره ابن خلدون في المقدمة إذ يقول: “افترق المغنون من الفرس والروم فوقعوا إلى الحجاز وصاروا موالي للعرب وغنوا جميعا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير وسمع العرب تلحينهم للأصوات فلحنوا عليها أشعارهم”.

ومن ابن خلدون إلى المستشرق الإيرلندي هنري جورج فارمر ( 1882- 1965) الذي يؤكد أن الواثق كان أبرع الخلفاء في العزف والغناء.. ومنه إلى كمال النجمي إذ يقرر: كان اشتغال الخلفاء والأمراء والقادة والكبراء بفن الغناء في الدولتين الأموية والعباسية برهان حضارتهما، ولم يكن برهان فسادهما.

فمن قلب مكة المكرمة، وفي دور المدينة المنورة، بدأت النهضة الموسيقية العربية خطواتها الأولى، فكان ظهور أول مغن محترف حاذق (طُويس) في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان.. ثم علا بناء الفن الموسيقي مع تراكم الخبرة، وكثرة المتمرسين، وظهور أساطين الملحنين، وصناديد الغناء، من الرجال والنساء، برعاية كاملة من الخلفاء والأمراء والوزراء والفقهاء والقضاة وكبار الأثرياء والوجهاء.. حتى بلغ هذا الفن ذروة عالية في العقود الأخيرة للدولة الأموية، ثم حاز من العناية والرعاية العباسية ما لا تعرفه أمة في الاحتفاء بفن من الفنون.

ومن أكثر من ألف ومئتي سنة، فرغ العالم الموسيقي المولود في المدينة، يونس الكاتب، من وضع كتابيه الشهيرين “النغم” و”القيان”، وبهذا يكون قد سبق أبا الفرج الأصفهاني، صاحب الموسوعة الكبرى المشتهرة في الدنيا “الأغاني” بأكثر من مائتي عام.. وقد عرفت منطقة الحجاز عددا من المغنين والمغنيات والملحنين الحاذقين، ومنهم: بديح، وسلّامة، وابن سريج، وابن أبي عتيق، والأحوص، ومعبد، وعقيلة، وابن محرز، والغريض.

وكان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، من أشد المناصرين للغناء والمدافعين عنه ضد المتزمتين، يناظر المعترضين، ويفحم الخصوم، وكان أيضا أحد كبار الهواة الذين يحبون الغناء الجيد، وتنعقد مجالس الطرب في داره، حيث تغني القيان ويضربن بالعود، ويدفع الأثمان الباهظة لشراء الجواري المغنيات، وقد يضاعف الثمن إذا كانت الجارية تحسن مع الغناء ضرب العود.. ويصف فارمر عبدَ الله بن جعفر بأنه “نصير الفن الأول”.

وفارمر هو أحد أهم المستشرقين الذين غاصوا في تاريخ الموسيقى والغناء العربي، وبذل جهودا ضخمة تمثلت في عدد من المؤلفات الهامة منها: “الموسيقى العربية وآلاتها”، “التأثير العربي على النظرية الموسيقية”، “تاريخ الموسيقي العربية حتى القرن الثالث عشر”، و”أسماء الأصوات في كتاب الأغاني”.. وغيرها.

 

وتمتلئ كتب التراث التي تهتم بالغناء والموسيقى والأدب بأخبار عبد الله ابن جعفر الفنية، مبثوثة في صفحات كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، والعقد الفريد لابن عبد ربه، الذي يروي أن أحدهم عاتب ابن جعفر في شراء جارية بثمن باهظ، فرد عليه قائلا: نعم، اشتريت جارية باثني عشر ألف درهم مطبوعة، فكان بديح وطويس (مغنيان وملحنان حاذقان) يأتيانها فيطرحان عليها أغانيهما، فعلقت منها حتى غلبت عليهما، فوُصِفت ليزيد بن معاوية، فكتب إليّ: إما أهديتها إليّ، وإما بعتها بحكمك, فكتبت إليه: إنها لا تخرج عن ملكي ببيع ولا هبة، فبذل لي فيها ما كنت أحسب أن نفسه لا تسخو به فأبيت عليه”.

الوسوم

هيثم أبو زيد

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق