فن

أيقونات الشر السبع في مسرحيات شكسبير (1 – 2)

عرضت مسرحيات شكسبير لشخصيات شريرة أيقونية لم يغيبها تاريخ الأدب الانجليزي والعالمي على امتداده. تراوحت هذه الشخصيات بين المغتصبين القتلة، والخونة المتعطشين للسلطة، والخطاة الماكرين. ونحاول هنا أن نعرض – باختصار – لأشهر هذه الشخصيات.

تامورا، ملكة القوطيين، هي شخصية محورية وحشية وقاسية في واحدة من أعنف تراجيديات الانتقام الشكسبيرية، Titus Andronicus، وألهمت مكائدها الدموية وخططها التي لا تعرف الرحمة حلقات الدراما التليفزيونية الأمريكية الشهيرة Game OF  Thrones.

يأتي الظهور الأول لتامورا في المسرحية كملكة مهزومة تستجدي الرحمة لأبنائها الأسرى من تيتوس أندرونيكوس، قائد الجيوش الرومانية المظفر. لكن أندرونيكوس يرفض توسلاتها، ويحيل أبنائها إلى الإعدام ليطلق بذلك عنان شهوة انتقام لا تبقي ولا تذر، لتقرر تامورا أن تصب لعنة ثأرها على أندرونيكوس وعائلته.

لم تكن تامورا عجولة في طلب الانتقام، حيث سعت أولا إلى التمكين لنفسها عبر الزواج من الإمبراطور الضعيف، ساتيرنينوس، الذي تلاعبت به كقطعة شطرنج سياسية في الوقت الذي أقامت فيه علاقة غير شرعية مع هارون، عشيقها الذي يتسم بالقدر نفسه من الغل والمكيدة.

تبلغ وضاعة تامورا ذروتها عندما تصدر أوامرها إلى ولديها الباقيين على قيد الحياة باغتصاب وتشويه ابنة أندرونيكوس، لافينيا، متجاهلة بقسوة توسلاتها البريئة، وهازئة بمحنتها. وفي أحد أبشع المشاهد في أعمال شكسبير المأساوية تظهر لافينا مبتورة الذراعين ومقطوعة اللسان. وفي أثناء عرض المسرحية على “مسرح جلوب” في لندن عام 2014، يبلغ الرعب ذروته في العروض، التي بلغت 51 عرضا، ليفقد 100 من المشاهدين وعيهم (بمن فيهم المحلل الفني في صحيفة The Independent)، أو يضطرون إلى مغادرة المسرح، للنأي بأنفسهم عن متابعة هذا المشهد الدموي الصادم.

لكن تامورا تنال جزاءها العادل في واحد من أبشع المشاهد الختامية الدامية التي عرفتها تراجيديات شكسبير، حيث انطوى على الجريمة والخيانة والتوسع في التعذيب والتنكيل وأكل لحوم البشر. في هذا المشهد يقوم أندرونيكوس بذبح ولدي تامورا، ويدعوها إلى تناول لحمهما في فطيرة (على غير وعي منها). وبعد أن تنتهي تامورا من وجبتها الدامية، تتعرض للطعن حتى الموت، ويسدل ستار المشهد الختامي على بركة من الدماء.

أنجلو–Measure for Measure

منذ الوهلة الأولى يبدو أنجلو مختلفا عن سائر الأشرار في مسرحيات شكسبير؛ فهو مسيحي متدين حد التشدد (يؤكد اسمه أيضا هذا النزوع)، وخلوق محصن ضد ارتكاب الخطايا؛ حتى أن شكسبير يصفه في الفصل الأول بأنه “رجل يجري في عروقه دم مثل حساء الثلج؛ لذا فهو لا يشعر باللدغات والنواغز الحسية التي يصلي لهيبها الفجار”. لكننا سرعان ما نكتشف أن أنجلو المستقيم ليس في حقيقة الأمر كما يبدو لنا.

يمارس أنجلو في الفترة المؤقتة التي يتولى فيها حكم فيينا كل صنوف القسوة وعدم التسامح، ويجد سعادة خبيثة غامرة في البطش باسم سيف العدالة، وفي ممارسة سطوته وسلطانه تحت راية قمع الفجور الجنسي؛ فيقضي على الشاب كلوديو بالموت لأن عشيقته حملت منه. وعندما تأتيه إيزابيلا العفيفة، أخت كلوديو، التماسا للرحمة بأخيها، يراودها عن نفسها، ويهددها بأن يذيق أخاها مرارات موت بطيء ومؤلم ما لم ترضخ إليه.

كما تكشف لمحات من ماضي أنجلو عن جوانب أخرى من طبيعته الشريرة، وذلك من خلال علاقته بخطيبته التي تخلى عنها لأسباب خارجة عن إرادتها.

رغم ذلك، لا يبدو أنجلو غير قابل للتقويم في المطلق، وإنما يبدي استعدادا قويا للإقرار بما اقترف من خطايا ليتبرأ منها. ففي المشهد الأول من الفصل الختامي، يقول أنجلو: “أتوق إلى الموت أكثر من الرحمة”. إضافة إلى ذلك، فإن جميع مخططاته الخبيثة لم تسفر عن شيء في النهاية؛ فإيزابيلا لم ترضح لابتزازه، كما أن حكم الإعدام لم ينفذ بحق كلوديو. وبغض النظر عن شهواته الفاجرة، ونفاقه المقيت، يأتي أنجلو ضمن قائمة أشرار شكسبير القلائل الذين يصدر بحقهم عفوا في نهاية المسرحية، وذلك عندما يقرر دوق فيينا الصفح عنه، ويلغى عقوبة الإعدام التي صدرت بحقه، شريطة أن يتم زواجه من فتاته التي هجرها.

ريتشارد الثالث –Richard III

برغم أن أحداث المسرحية لا تمت بصلة وثيقة إلى التاريخ، إلا أن تجسيد شكسبير لشخصية ريتشارد الثالث كشرير ميكيافيلي يعاني من عاهة جسدية، وتحركه شهوته نحو ابنة أخيه تمنح المسرحية قوة البقاء والخلود.

يبرز ريتشارد – كما أبدعه شكسبير، وليس كما يحكي التاريخ – كشخصية مِلؤها الحقد والخيانة، ومتجرأة على اغتصاب عرش انجلترا عبر وسائل وضيعة، وتزهو بما لديها من شرور وخداع؛ إذ يعلن ريتشارد في خطبة بعنوان “الآن يحل شتاء السخط: “لدي عزيمة وإصرار على أن أثبت قدراتي الشريرة”. رغم ذلك، يبدو ريتشارد أيضا شخصية ساحرة ومعقدة وقادرةعلى التلاعب بالكلمات إلى حد الإقناع بمنطقها غير الأخلاقي.

لكن خطايا ريتشارد تطارده دائما. فشكسبير يقدم لنا قائمة كاملة بالضحايا الذين قتلهم ريتشارد من خلال الأشباح التي تزوره في الليلة الأخيرة قبيل موته لتواجهه بجرائره، وتضم هذه القائمة إدوارد ويستمينستر، وهنري السادس، وتوماس فوجهان، ولورد هاستنجس، ودوق باكنجهام، والملكة آن نيفيل، وغيرهم ممن يزعمون أنهم قتلوا بواسطة الملك ريتشارد (هناك شكوك تاريخية عميقة حول كثير من هذه الجرائم).

وفي أعقاب زيارة أرواح القتلى، يشعر ريتشارد بالعار إزاء جرائمه، ويزول عنه زهوه بقدرته على حصد الأرواح، إذ يعلن: “يا للأسف، إني أكره نفسي بسبب ما اقترفت يداي، يا لي من وغد شرير”.

هذه المادة مترجمة

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى
إغلاق