منوعات

ملاحقة «فيسبوك» تفضح جهل السياسيين بالتكنولوجيا

بدت مؤلمة ومخيفة تلك الحقائق التي تابعها العالم كله في جلسات الاستماع إلى شهادة مارك زوكربيرج مؤسس”فيسبوك” أمام أعضاء الكونجرس ومجلس الشيوخ الأمريكي، وما تكشف عنها من حقائق عن شركة “كمبريدج أناليتكا” لجمع وتحليل البيانات، وغيرها من المخاوف التي تحوم حول قدرات “فيسبوك” اللامحدودة واختراقه لكافة جوانب خصوصيات الملايين من مستخدميه.

أسلوب زوكربيرج المنمق وطريقته المتكلفة، التي تعبر عن عدم الارتياح أثناء الإدلاء بشهادته، أكدا بما لا يدع مجالا للشك أن الشخصية المستقلة الكاريزمية التي عرض لها فيلم The Social Network كانت ترسم ملامح شخصية واقعية بدرجة أكبر مما اعتقده الكثيرون، إلا أن زوكربيرج لم يكن المسئول عن لحظات الارتباك والحيرة والخوف التي انتابتنا بعد متابعة وقائع هذه الجلسات. كان المصدر الحقيقي لهذه المشاعر – في واقع الأمر- هو المشرعين الأمريكيين الذين أبدوا جهلا مطبقا بشأن أنواع التقنيات التي تتسلل إلى كافة أوجه الحياة المعاصرة. كان الأمر مثيرا للرعب بكل معنى الكلمة.

لقد تم تكليف سبعينيين – أسهبوا في التفاخر بروابط حساباتهم على فيسبوك في بطاقات العمل الخاصة بهم كدليل على وعيهم التكنولوجي – بدراسة الممارسات المعقدة على منصات وسائل التواصل الاجتماعي التي لا يعرفون عنها شيئا.

في بعض الأوقات كانت نظرات زوكربيرج إلى السياسيين تنم عن دهشة، وربما استنكار؛ فقد كانت الأسئلة الموجهة إليه تشي بقدر كبير من بدائية التفكير وسطحية المعلومات بشأن التكنولوجيا الحديثة، خاصة فيما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي، حيث تركزت حول: “كيف تكسب شركة “فيسبوك” الأموال؟” .. و”هل موقع التغريدات المصغرة “تويتر” هو نفسه “فيسبوك؟”. كان من يوجهون هذه الأسئلة هم أنفسهم المسئولون عن حماية حقوق الخصوصية، التي تمثل حقا أصيلا من حقوق الإنسان.

في هذه الأثناء حاول أحد “عجائز” الكونجرس عقد مقارنة بين تصور وضع لوائح تنظم عمل موقع “فيسبوك”، وكيفية تعامل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية مع صناعة السيارات التي ازدهرت في خمسينيات القرن الماضي. كان الفارق الوحيد بين الحالتين بطبيعة الحال يكمن في أن المشرعين آنذاك كانوا على دراية تامة ووعي كامل بتفاصيل ومراحل تطور هذه الصناعة قبل وقت طويل من الطفرة التي حققتها.

على الجانب الآخر، لم تكن الأمور في بريطانيا أسعد حالا، حيث سعى أعضاء البرلمان إلى فرض سيطرة الدولة على وسائل التواصل الاجتماعي بالمطالبة باستخدام “فلاتر” على موقع “إنستجرام”. كيف يمكن أن نتوقع من أمثال هؤلاء أن يديروا تحقيقا مصيريا في قضايا معقدة من قبيل جمع البيانات والخصوصية، إذا كانت أفكارهم تسير على هذا النحو؟

اليوم، يضم موقع “فيسبوك” أكثر من ملياري مستخدم، ويمثل واتساب وفيسبوك وماسينجر وإنستجرام – وكلها تتبع “فيسبوك” – التطبيقات الأكثر تحميلا في العالم، ما يعني أي دعوة أو حتى فكرة من أجل صياغة لوائح تنظيمية لحماية خصوصية المشتركين تصبح من قبيل الهزل غير المقبول.

الحقيقة التي لا مراء فيها تكمن في أن الحكومات والمجالس التشريعية على جانبي الأطلسي تعج بسياسيين نمطيين يقبعون داخل شرنقة تفكيرهم الآحادي ولا يمتون بصلة إلى عصر الرقمنة، وفي الوقت الذي تنقب فيه الشعوب عن سياسيين يصلحون للقيادة، فإن استبعاد أمثال هؤلاء يمثل أولوية قصوى.

لقد باتت حزمة من التحديات الجسيمة تلوح بقوة في آفاق الفضاء الرقمي، ويتعين على القيادات السياسية مواجهة هذه التحديات عاجلا، وليس في الآجل، ويجب إلقاء مزيد من الضوء لتوضيح بعض المفاهيم التي لا تزال يكتنفها كثير من الغموض، مثل “حيادية الإنترنت” الذي يردد مروجوه أن مزودي خدمة الإنترنت يسعون إلى فرض مزيد من الرسوم على المشتركين من أجل إتاحة استخدام خدمات شبكات خاصة. كما يجب عقد مزيد من النقاشات حول قضية “التشفير” التي تحتاج إلى تحقيق التوازن بين حماية الخصوصية من جانب والمحافظة على أمن المواطنين من جانب آخر، فضلا عن تقديم إجابات شافية عن التساؤلات المثارة حول مستقبل العملات المشفرة.

هذه القضايا المعقدة التي تثير قدرا كبيرا من البلبلة لدى قطاعات عريضة من الجماهير تستحق – بلا شك – تدقيقا عميقا وبحثا واعيا يصعب على الطبقة السياسية الحالية النهوض بهما، فأكثر ما أبرزه ظهور مارك زوكربيرج أمام المشرعين الأمريكيين هو أن ما يجب أن يثير قلقنا  ليس بحال كم المعلومات الذي يمتلكه موقع فيسبوك عن حيواتنا، وإنما فقر المعلومات الذي يعاني منه السياسيون عن عالم الرقمنة.

هذه المادة مترجمة

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق