رؤى

«رسالة الكلم الثمان» للمرصفي .. وتأسيس الفكر السياسي المصري

شغلني كتاب “رسالة الكلم الثمان” للشيخ حسين المرصفي ( 1815-1890)،  منذ أن نبهني إليه بعض أساتذتي بكلية الاقتصاد. كان ذلك في سياق التعرف على تطور الفكر المصري الحديث، الكلمات الثمان التي يتعرض لها الشيخ الأزهري الكفيف في رسالته الفريدة هي: الأمة، الوطن، الحكومة، العدل، الظلم، السياسة، الحرية، التربية. وتعد تلك أول محاولة مصرية للتعريف بتلك الكلمات التي كان استخدامها قد شاع في نهاية القرن التاسع عشر، وكانت تبدو حديثة على المصطلح السياسي المصري، تحتاج لتعريف محدد يوضح معناها ويزيل الغبار عن المعاني الكامنة خلفها.

.

استبطن الشيخ حسين المرصفي في محاولته التأويلية لمعاني الكلمات الثماني قضية الصعود  والهبوط الحضاري للأمم، وكان سؤال النهضة حاضرا بقوة في محاولته التأويلية والتفسيرية للمصطلحات التي سبق وأن استخدم بعضها رفاعة الطهطاوي من قبل كما استخدم بعضها خير الدين التونسي. بيد إن الشيخ المرصفي هو من حاول أن يضع تعريفا محددا وقاموسا منظما لهذه الكلمات في رسالته التي أطلق عليه “رسالة الكلم الثمان” وطبعها في أوائل ذي الحجة 1298ه – أكتوبر 1881، بعد أربعين يوما من ثورة عرابي، كما يشير خالد زيادة في تحقيقه وتقديمه وتعليقه على الرسالة، بيد أن الرجل لم يشر من قريب أو بعيد إلى الحدث الهائل الكبير. ما يعني أن الشيخ المرصفي أراد تجنب الحديث في الشأن السياسي المباشر الجاري حتي لا يقع في حرج قد يؤذيه مع رجال الدولة في ذلك الوقت، خاصة وأنه كان مدرسا في دار العلوم التي تم افتتاحها عام 1872 لتكون تجديدا لروح الثقافة الإسلامية بعيدا عن المسار التقليدي للأزهر الذي بدا في ذلك الوقت وكأنه غير مؤهل للتجديد الديني.

اختار وزير المعارف في ذلك الوقت علي مبارك الشيخ المرصفي ليكون مدرسا في دار العلوم، واستمر في وظيفته 16 عاما بلا انقطاع وقدم لتلامذته في الدار كتابين في البيان والأدب هما “الوسيلة الأدبية للعلوم العربية” و”دليل المسترشد في فن الإنشاء”. وكان الشيخ قد أبدى تفوقا ملحوظا وميلا واضحا للأدب  والبيان ومصادرهما منذ أن كان طالبا بالأزهر ثم أستاذا فيه لمدة خمس سنوات 1840-1845م.

من هنا تُعد رسالة الكلم الثمان القصيرة التي لا تزيد عن 68 صفحة بابا جديدا ولجه الشيخ، انتقل فيه نقلة هامة وكبيرة. اعتبرت الرسالة معلما واضحا في الفكر السياسي المصري، فقد بدا الشيخ متأثرا بشكل واضح بعلم العمران والاجتماع، خاصة ما أوضحه بن خلدون في مقدمته الشهيرة والتي مثلت فتحا مهما بعد طباعتها في مصر واطلاع النهضويون المصريون عليها، خاصة رفاعة الطهطاوي وتلامذته من بعده والذين يُعد المرصفي أحدهم.

فتح المرصفي الباب واسعا لفهم مشاكل المجتمع المصري وأسباب انحطاطه، فأشار إلي غياب التشاور، والتفرق الديني، وسطوة العمد على الفلاحين وظلمهم، ولذلك يدعو إلى رفع ذلك الظلم وأن يجد الفلاحون سعة في أرزاقهم وأموالهم تكفيهم حتى لا يخرجوا عن حد الطاعة والسكوت إلي الخروج والعدوان.

وانتقد الشيخ الوعاظ والخطباء الذين يدعون الناس إلى عدم العمل في الدنيا كما انتقد المتصوفة وما أدخلوه في الإسلام، وانتقد التعليم والتدريس ونظام التربية وأن وسائلها عفى عليها الزمن ولم يعد الطلاب يتعلمون من مدرسيهم سوى السباب والمشاتمة.

وأشار إلى الجهل والظلم وتأثيرهما على تخلف الزراعة والصناعة، وانتقد ترف الأغنياء وتسلطهم على الفقراء حتى كأنهم خُلقوا من أجل خدمتهم دون أن يكون لهم حقوق، ونعى على الناس فى مصر عدم إدراك مصالحهم ومنافعهم وتقوية المنافع فيما بينهم وتركهم أمر ذلك إلى قوم لن يحققوا لهم تلك المصالح، وكأنه يشير إلى تعاظم النفوذ الأجنبي في مصر في تلك الحقبة دون أن يعبر عن ذلك صراحة. وكان مضمرا دوما حضور التحدي الغربي والأوروبي لمصر وكيف يمكن مقاومته بحيث يستطيع المصريون أن يحفظوا أوطانهم وأمتهم قوية ناهضة مستعصية على الاختراق الخارجيى.

انتقد الشيخ المرصفي الصحف الحديثة التي ظهرت في ذلك الوقت، وكيف أنها لا تطرح حلولا وإنما تتحدث فقط عن فساد الأحوال دون تخفيف جهات الفساد والتنبيه على جهات الإصلاح. وطرح المرصفي رؤيته للإصلاح في مسارين متوازيين: المسار الأول يتعلق بأخلاق الناس والثاني يتعلق بسلوك أهل الرأي والعلم، واعتبر الإصلاح مسألة أخلاقية متعلقة بتعاون الناس فيما بينهم لتحقيق مصالحهم ومنافعهم لحد أن ذلك سوف يجعل الحكومة مشرفا عاما ومتمما للنظام ومكملا للهيئة.

تعلم الشيخ المرصفي اللغة الفرنسية في القسم الخاص بالعميان في المدرسة التي أنشأها لذلك الخديوي إسماعيل كما تعلم لغة برايل، وكان تعلمه الفرنسية رغم أنه لم يسافر إلى فرنسا سبيلا إلى الاقتراب من الروح الحضارية الحديثة، فاعتبر أن الجيوش تحافظ على حدود الأوطان  وليس التوسع على حساب غيرهم من الأوطان الأخري.

ولد حسين أحمد حسين المرصفي في القليوبية في بلدة مرصفة التي أعطت اسمها للعائلة، وكان والده أستاذا في الأزهر ولأن بصره فقد وهو في الثالثة من العمر فقد ألحقه أبوه بالزاوية المخصصة للعميان في الأزهر.

 يعد المرصفي أحد أساتذة النهضة المصرية والعربية في البيان والإنشاء واللغة العربية، كما كان كتابه “رسالة الكلم الثمان” عنوانا على اعتباره أحد الذين أسسوا للفكر السياسي المصري والنهضوي في القرن التاسع عشر، ويكفي أن  نشير إلى أن من تلامذته أحمد شوقي ومحمود سامي البارودي وعبد الله فكري والشيخ محمد عبده، والشيخ حمزة فتح الله وحفني ناصف وحسين الجسر وغيرهم.

الوسوم

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: