فن

و«حقك أنت».. صوت أم كلثوم يعانق كلمات شيخ الأزهر

من أجلّ قصائد الغناء العربي.. وضع أبياتها الإمام عبد الله الشبراوي، شيخ الجامع الأزهر، المتوفي عام 1758 ميلادي، وهو الإمام السابع في سلسلة شيوخ الأزهر. كان فقيها شافعيا وأصوليا كبيرا، ترجم له الجبرتي قائلا: “الإمام، الفقيه، المحدث، الأصولي، المتكلم، الماهر، الشاعر، الأديب…”، وهو أول شافعي يلي المشيخة الأزهرية، ومن مؤلفاته في الشعر ديوان “مفاتيح الألطاف في مدائح الأشراف”، و”نزهة الأبصار في رقائق الأشعار”، و”نظم بحور الشعر وأجزائها”.

جاءت القصيدة في 16 بيتا، متسمة بقوة التعبير، وجزالة اللفظ، ورقة الشعور، وهي بلا شك من عيون الشعر الغزلي في العموم، والشعر المُغنى على وجه الخصوص.

وَحــقــك أَنت المنى وَالــطَلَب .. وَأَنتَ الــمـُراد وَأَنـــتَ الأرب

وَلي فيكَ يــــا هاجِري صَبوة .. تـحير فـي وَصفِها كـــل صَبّ

أَبيت أُســـــــامِر نجم السَــــما .. إذا لاحَ لي في الدُجى أَو غـرب

وأُعرِض عَن عاذِلي في هَواكَ .. إِذا نَمّ يـــــا مُنيَتي أَو عَـــتب

أَمـــَولايَ بـــالِلّهِ رفــــقا بـِمَن .. إلَيكَ بذلّ الــغَـرامِ اِنتَسَـــــــب

وَيـــا هاجِري بَعد ذاكَ الرِضا .. بِـحَـقِّكَ قــل لي لِهذا سَــــــبَب

فَاِنّي حســـــيبُكَ مــن ذا الجَفا .. وَيا ســــيدي أَنتَ أَهل الحسب

مَتى يـــــا جَميل الـمـحيا أَرى .. رِضاكَ وَيَذهَب هـــذا الغَضَب

فَاِنّي مُحب كَــــمــا قَد عَهِدت .. وَلــكِنّ حبك شَــــيء عَــجــَب

وَمِثلُكَ مــا يَنبَغي أن يَـــــصد .. وَيَهجر صبا لَـــــه قَـــد أَحب

أُشــــاهد فيكَ الـجَمـال البَديـع .. فَيَأخُذُني عِــنـد ذاكَ الـطَرَب

وَيُـعجِبُني منكَ حُســـن القَوامِ .. وَلين الـــكَـــلامِ وَفَـرط الأدَب

وَحَســـــبُكَ أنَّـكَ أَنــتَ المَليحُ .. الكَريمُ الجدود العَريق النَسـب

أَمــا وَالَّذي زانَ مِنكَ الــجَبين .. وَأَودَع فـي اللَحظِ بنت العنب

وَأَنبَتَ في الخدّ روَض الجمال .. وَلـــكِن سَــــــقاه بِـماء اللَهَب

لئن جدت أو جرت أنت المراد .. ومالي ســـــــواك مليح يحب

 القصيدة بصوت أبو العلا محمد

وأما النغم، فهو لشيخ ملحني عصره، أبو العلا محمد (1878– 1927)، أحد أهم رواد تلحين القصيدة العربية، كان دائما منحازا لتلك النصوص التي تتسم بالرقي والفخامة والقوة، ولحن وغنى أعمالا عديدة لابن الفارض والبهاء زهير وابن النبيه المصري.. ومن معاصريه، غنى أبو العلا لإسماعيل باشا صبري، وأحمد رامي.. ويعده كثير من الباحثين أول من فرض سطوة الملحن، بعدما كان تلحين القصائد مجرد اقتراح نغمي، ثم يترك المطرب للارتجال من أول القصيدة إلى آخرها، لاسيما وأن القصائد قبل الشيخ أبو العلا اتسمت بالإرسال (ترك الإيقاع)، فكان هو أول من فرض إيقاع (الواحدة الكبيرة)، وفرض أيضا خطا نغميا واضحا في بنائه وانتقالاته.. والرجل كان صانع نجوم، وراعي مواهب، وهو أول أستاذ لأم كلثوم بعد والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي، وقد حرص كبار المطربين والمطربات على تسجيل ألحانه بأصواتهم، ومنهم بالطبع أم كلثوم، ومطربة القطرين فتحية أحمد، وسلطانة الطرب منيرة المهدية، والشيخ سيد الصفتي، وغيرهم.

أبو العلا محمد

بدأ الشيخ أبو العلا تسجيل الاسطوانات عام 1912، وتحديدا مع شركة جرامافون، ثم توالت تسجيلاته لشركات ميشيان، وبيضافون، وبوليفون.. مما يؤكد أن أعماله حققت رواجا كبيرا.. فقد عرف الرجل بقدرة فائقة على التحكم في صوته، والانتقال بين طبقاته المختلفة بأسلوب أخاذ. كان أبو العلا هو أول من بين للشيخ إبراهيم البلتاجي والد أم كلثوم أهمية الانتقال من قرية طماي الزهايرة في الدقهلية إلى القاهرة، وكان صاحب فضل كبير في رعاية أم كلثوم وتثقيفها أدبيا وموسيقيا.. وظلت سيدة الطرب تقر بفضله وأستاذيته.. مات الشيخ أبو العلا في الخامس من يناير عام 1927، ولم يشارك في جنازته إلا عدد قليل من الفنانين.. أما تلميذته النجيبة التي انفتحت أمامها أبواب القاهرة بسبب نصحه ورعايته فقد سارت خلف النعش حافية القدمين.. إجلالا لأستاذها وحزنا لرحيله.

وهذا اللحن خير مثال للنهج الذي اختطه الشيخ أبو العلا، والمقام المختار هنا هو الهزام، لكن مع البيت الرابع نجد مراوحة بين الراست والبياتي، فلا يعود إلى الهزام إلا في البيت الأخير، إعمالا للقاعدة الراسخة عند أرباب الفن، من ضرورة إقفال اللحن من نفس المقام الذي استُهل منه.. وقد سجله عدد من كبار المطربين، وقيل إن الشيخ محمد رفعت سجله أيضا، لكن لم يصلنا أي أثر يؤكد ذلك.. لكن الرواية تبين أن اللحن كان محل تقدير فني وأدبي، حتى في أوساط القراء والعلماء.

سجلت أم كلثوم القصيدة لشركة جرامافون، عام 1925، وفيه يظهر صوت أم كلثوم في درجة عليا من الجلال والمهابة، كأنها جمعت في حُنجرتها عددا من أصوات الرجال المشايخ المجودين.. وتغني أم كلثوم وهي متمسكة بحبال الصرامة والهيبة طوال القصيدة، اتساقا مع جزالة اللفظ ومتانة اللحن، إلا أنها تطبع بعض الكلمات ببحة خارقة، كما في أدائها للفظة (الغرام) في البيت الخامس، أو لفظة (سقاه) في البيت قبل الأخير.

 القصيدة بصوت أم كلثوم

ومن المهم أن ننتبه أن كلمات القافية في هذه القصيدة لا تضم حروف مد أو لين، فكلها باء ساكنة قد انفتح ما قبلها، وهذا النوع من القوافي يُصعب مهمة الملحن، لاسيما إذا كان من طراز الشيخ أبو العلا، حيث الإصرار على فصاحة اللفظ، وترك مد ما لا مد فيه، فلا يستخدم الألفات المضافة لتليين الكلام، بأن يقول في لفظة “الطلب” الطلاااب .. وفي “الأرب” الأرااب… كما أن هذا النوع من القوافي يحتاج إلى مطرب مدرب على القفلات المحكمة، وخير تدريب على هذا الميدان تلاوة القرآن والإنشاد الديني، وهو ما أخذت منه أم كلثوم بحظ وافر.

ولفيكتور سحاب ملاحظة مهمة، إذ يرى أن اللحن يذكر حتما بقصيدة عبد الوهاب، علموه كيف يجفو فجفا، وبما أن لحن أبو العلا متقدم على لحن عبد الوهاب، فإن سحاب يجزم أن الأخير تأثر حتما تأثر واضحا وخلاقا بهذا اللحن.

قصيدة علموه كيف يجفو بلحن وصوت محمد عبد الوهاب

إن قصيدة وحقك أنت، من الأدلة الباهرة، على جهود المشايخ من علماء وقراء ومنشدين في الارتقاء بالغناء العربي، وهي بلا شك فريدة بين القصائد، إذ اجتمع لها أعلام في أركانها الثلاثة: الإمام عبد الله الشبراوي شيخ الأزهر، وشيخ ملحني عصره أبو العلا محمد، وصوت أم كلثوم في عنفوانه وجلاله.

الوسوم

هيثم أبو زيد

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: