الحدث

مهاتير محمد .. الحنين إلى وهج السلطة

تقاعد عن منصبه في عام 2003، بعد 22 عاما قضاها على مقعد رئاسة وزراء ماليزيا، لكنه خرج من غياهب التقاعد ليصحح ما أسماه “أكبر خطأ ارتكبته في حياتي”، وهو وضع رئيس الوزراء الحالي نجيب رزاق على رأس السلطة.

بعد الخصومة مع نجيب، والانشقاق عن حزب المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة، قاد مهاتير محمد خصومه التاريخيين “تحالف باكاتان هارابان المعارض” لخوض غمار المعركة وتحقيق نصر تاريخي مؤزر.

قبل الانتخابات، أعلن مهاتير أنه ينتوي أن يصبح رئيسا لوزراء ماليزيا لمدة عامين فقط، يسلم بعدها السلطة إلى زعيم التحالف القابع حاليا خلف قضبان السجون أنور إبراهيم.

لم تكن الدوافع السياسية والروح القتالية التي تحلى بها مهاتير للإطاحة بالتحالف الحاكم، وهو ما ارتآه كثيرون مهمة شبه مستحيلة، مفاجأة للماليزيين.

انضم مهاتير إلى المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة عن عمر يناهز 21 عاما، ومارس الطب لمدة سبع سنوات في مسقط رأسه بولاية كيدا قبل أن يصبح عضوا في البرلمان في عام 1964.

وفي عام 1969، خسر مهاتير مقعده في البرلمان، وتم استبعاده من الحزب بعد أن قام بكتابة رسالة صريحة هاجم فيها تونكو عبد الرحمن، رئيس وزراء ماليزيا آنذاك.

بعد ذلك، قام مهاتير بتأليف كتاب مثير للجدل حمل اسم The Malay Dilemma (معضلة الملايو)، أكد فيه ما تعرض له شعب الملايو من ظلم وتهميش، لكنه انتقد الملايو بشدة، واعتبرهم مسئولين، ولو بصورة جزئية، عما آلت إليه أوضاعهم بسبب قبولهم بهذا التهميش ورضائهم بالدونية كمواطنين من الدرجة الثانية.

كان هذا الكتاب نكئا لجرح غائر لدى عدد من القيادات الشابة في حزب المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة، فبادروا بإعادته إلى الحزب، وأعيد انتخابه في البرلمان في عام 1974، حيث تولى حقيبة التعليم. وفي غضون أربع سنوات، أصبح مهاتير نائب رئيس حزب المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة، ثم رئيسا للوزراء في عام 1981.

تحولت ماليزيا في ظل حكم مهاتير إلى أحد النمور الاقتصادية الأسيوية في تسعينيات القرن الماضي، وتجلت طموحاته في عدد من المشروعات المهمة، مثل برجا بتروناس التوأم، وأكسبته سياساته البرجماتية – رغم سلطويتها – دعما شعبيا هائلا في الداخل؛ لكن هذا الدعم لم يلبث أن تراجع على إثر تراجع الملف الحقوقي في عهده، حيث زُج بالمعارضة السياسية في غياهب السجون دون محاكمات بموجب قانون الأمن الداخلي الذي أثار عاصفة من الانتقادات.

أما أسوأ الانتهاكات على الإطلاق فقد تمثلت في إقالة نائبه لرئاسة الوزراء، أنور إبراهيم، على إثر اتهامات بالفساد واللواط، وتم سجنه لاحقا على خلفية التهمة الثانية، بعد أن دعا إلى إجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية في عام 1998.

اشتهر مهاتير أيضا بانتقاداته القوية واللاذعة للسياسات الغربية. فقبيل أيام من استقالته في أكتوبر 2003، صب مهاتير جام غضبه على العديد من الحكومات الغربية والمنظمات اليهودية، وأعلن أن عصابة من اليهود “تحكم العالم”.

كما أكد أنه ترك منصبه لأنه “محبط … لأنني لم أحقق سوى القليل في مهمتي الأساسية لجعل السلالة التي أنتمي إليها سلالة ناجحة تحظى باحترام الجميع”. لكن مهاتير لم يبرح الساحة السياسية نهائيا حتى إبان تقاعده. فقد وجه العديد من الانتقادات الحادة لخليفته، عبدالله بدوي. وفي أعقاب تراجع نتائج التحالف الحاكم في انتخابات عام 2008، تقدم مهاتير باستقالته من الحزب، فيما اعتبره كثير من المراقبين محاولة للضغط على عبدالله للاستقالة من منصبه؛ ما مهد الطريق أمام نجيب رزاق لاعتلاء مقعد السلطة. لكن دعم مهاتير لرزاق لم يدم طويلا؛ حيث تحول عنه بعد أن وُجهت إليه تهم بالفساد تتعلق بصندوق استثمار حكومي مثقل بالديون يسمى “صندوق برهاد 1 الماليزي للتنمية”. لكن أنصار مهاتير داخل المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة سعوا إلى تحويل دفة القضية ضد نجيب، سواء من داخل الحزب أو في أروقة الحكومة. وبعد فشل هذه المحاولات، قام مهاتير، وعدد من أنصاره، بتقديم استقالاتهم من المنظمة، والانضمام إلى المعارضة في عام 2016.

في مطلع هذا العام، أعلن مهاتير عن نيته لخوض الانتخابات عن عمر يناهز 92 عاما، وقبل ساعات حقق مهاتير فوزا تاريخيا، أطاح على إثره بخصومه السابقين من السلطة التي اعتلوا سدتها لمدة تزيد على ستة عقود من الزمان.

وفاجأ مهاتير الكثيرين باعترافاته بارتكاب العديد من الأخطاء، واعتذاره عنها، مثل إقالة أنور إبراهيم، فيما انتقد نجيب رزاق انتماء مهاتير السياسي الجديد، وأسماه “الممثل الأول” في ماليزيا بعد تصالحه مع أنور إبراهيم، قائلا: “اضطررت أن أهز رأسي مكذبا ما أراه من تصرفات شاذة”.

وفي كتابه عن الفترة التي قضاها في السلطة، يقول عبدالله بدوي عن مهاتير أنه “محدد في أساليبه؛ ويعتقد دائما أن أسلوبه هو السبيل الوحيد”.

هذه المادة مترجمة :

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. المشكلة بعد تركه الحكم في الفساد الذي استشرى ووصل لقبول رئيس الوزراء لمبلغ ٧٥٠ مليون دولار من السعودية في فضيحة مدوية واعلنت السعودية انها هبه لكن ما الثمن ؟

إغلاق