رؤى

«أصوات» .. من أجل رفاعة

كان التعبير الأثير لدي الأستاذ محمد حسنين هيكل عندما يتحدث عن رائد  النهضة المصرية الحديثة الشيخ رفاعة الطهطاوي هو وصفه بــ”المعلم الأول” وذلك علي غرار تسمية الإغريق لفيلسوفهم العظيم أرسطو اعترافا بدوره المؤسس لواحدة من أهم الحضارات البشرية.

من أجل رفاعة وأبناء رفاعة في التاريخ المصري الحديث والمعاصر، بدأنا التفكير في تأسيس «أصوات» .. هذا المنبر التنويري المستقل.

بعد أربعة قرون من التخلف والانحطاط في زمن خضوع مصر للدولة العثمانية، تمكن تيار رفاعة ومعاصريه ومن تلاهم من رواد التنوير من شق مجرى نهر التنوير العظيم اعتمادا على الترجمة والتعليم، لكن انتكاسات تاريخنا الحديث كشفت لنا كيف تمكن تيار التعصب والتطرف من اعتراض مسيرة التنوير. فبعد محاولة رفاعة/ محمد علي النهضوية الأولى ثم محاولة رفاعة/ إسماعيل النهضوية الثانية، تمكن رشيد رضا من  تشويه فكر المجدد التنويري الكبير الإمام محمد عبده، مستعينا بأفكار قوى المحافظة والتشدد في المنطقة، وعلى رأسها الحركة الوهابية في الجزيرة العربية وحركة الإخوان المسلمين في مصر، ما أدى لإبطاء عملية التقدم والحداثة المصرية والعربية.

على أن موجة الجامعة المصرية التي تلتها ثورة ١٩١٩ الوطنية العظيمة وحركة المرأة المصرية مع هدي شعراوي ثم محاولة النهضة الثالثة التي قادها أبناء رفاعة مثل لطفي السيد وطه حسين ومصطفى وعلي عبد الرازق وغيرهم، حالت دون تحول هذا الإبطاء المحافظ إلى وقف وإجهاض كامل لمسيرة النهضة المصرية والعربية الحديثة.

من ناحية أخرى، تمكنت نهضة الفن المصري الحديث في السينما والغناء والمسرح والفنون التشكيلية، على أيدي محمد كريم وعزيز عيد وسيد درويش وأم كلثوم ومختار وغيرهم، من نشر روح الإبداع والبهجة في مواجهة مناخ التجهم والكآبة، ليس في مصر وحدها بل في معظم الأقطار العربية، ما انتهى بوضع التيار المعادي للتقدم في موقف الدفاع والكمون واضطره لاتباع منهج الانتشار التحتي الحثيث في المناطق الريفية ووسط فقراء هوامش المدن.

ومع تراجع المشروع الليبرالي الوطني في أعقاب أزمة فبراير ١٩٤٢ واخفاق حزب الوطنية المصرية (الوفد) في الاستجابة للتحديات الوطنية والطبقية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ومع استمرار تآمر القصر علي حزب الأغلبية مستخدما حركة الإخوان المسلمين، خرج تيار التشدد والتطرف من مرحلة الكمون ليبدأ مرحلة التخطيط لإغلاق الطريق علي مشروع النهضة الحديثة.

لكن هذا التخطيط قدر له أن يجهض بوسائل ترواحت بين  القوة الناعمة والقوة الخشنة مع محاولة النهضة الرابعة التي بدأها جمال عبد الناصر. ساعد على ذلك ما تبنته هذه المرحلة من أفكار المساواة في الاقتراع العام وفي الأجر بين النساء والرجال لأول مرة ورفض فرض الحجاب قسرا علي المرأة مع إطلاق أوسع عملية للتعليم والترجمة والابتعاث للخارج منذ تجربة رفاعة/ محمد علي.

وعزز ذلك ظهور جيل جديد من المبدعين من أحفاد رفاعة مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس وأحمد بهاء الدين وصلاح جاهين وكمال الطويل وبليغ حمدي وعبد الحليم حافظ وسعاد حسني، وعلماء وبناءين أفذاذ من وزن عزيز صدقي وغيره، واستقطاب أغلبية المجتمع من أبناء الفلاحين والعمال والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطي إلى عملية التحديث لأول مرة.

لكن هزيمة ١٩٦٧كانت كفيلة بإثبات أن هذا التيار المعادي للتقدم جاهز للانقضاض مع كل لحظة انطفاء لشمعة التحديث، ولم تكن مصادفة تلك الصحوة الجديدة لهذا التيار على نحو أكثر عنفا وضراوة في أعقاب الهزيمة، لكن هذه الجولة من جولات مقاومة التقدم والحداثة لم تكن كسابقاتها، إذ شهدت هذه المرة انتشارا وفر لها فرصة غير مسبوقة للوثوب علي مشروع النهضة الحديثة، بل وعلي فكرة الدولة الوطنية ذاتها، وهو ما نزال نعانيه حتى الآن.

وعندما لاحت بشائر محاولة النهضة الخامسة في تاريخنا الحديث مع 25 يناير العظيمة، ولامست أحلامنا عنان السماء بعد أسطورة التعايش والتسامح في التحرير، وتصور الجميع أن تيار الإنغلاق والتطرف تراجع عن مشروعه الطائفي المتعصب، جاءت كارثة أطفيح الدموية وما بعدها لتؤكد مجددا أن معركة التنوير والتحديث هي معركة فكرية وثقافية بالأساس، تستدعي تضافر كل الجهود لاستئناف مشروع النهضة والحداثة والتصدي لأعدائه من تيارت الجمود والتطرف والعنف الأسود، وتفكيك بنيتها الفكرية والمعرفية.

من هنا يأتي مشروع “أصوات” ليسهم في هذه المهمة الضرورية لبناء مستقبل مصر وشعبها، بل وشعوب المنطقة العربية بأسرها.

الوسوم

حسين عبد الغني

كاتب وإعلامي مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق