رؤى

«العائدون» .. رحلة التيه والخراب

 شغل مصطلح «العائدون» حيزًا من النقاش في دوائر البحث والإعلام بعد بدء اندحار «داعش» في العراق وسورية وليبيا، وفقدانه معاقله الرئيسية في كل من الرقة والموصل وسرت.

تخوفت الدول الغربية من أولئك الذي يحملون جنسياتها، ثم عادوا أو يفترض أنهم سيعودون، إلى بلدانهم مرة أخرى، ما دفع بنظريات سياسية اجتماعية، تحاول التصدي لهم، أو كيفية إعادة دمجهم في مجتمعاتهم دون أن يلحق بها ثمة آثار سلبية.

تعود جذور المصطلح إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما بدأ المقاتلون في مناطق الصراع في بلدان مثل أفغانستان، والشيشان، والبوسنة والهرسك، وغيرها في العودة لبلدانهم، فرادى وتنظيمات، ونفذ عدد منهم العديد من الهجمات التي استهدفت دولهم، وتأزم الوضع عندما وجد المقاتلون أنفسهم وقد ضاقت عليهم الأرض، بعد أن وضعت الحروب أوزارها، وبدأوا في التساؤل ماذا نحن فاعلون؟.

لم يكن هؤلاء على درجة واحدة في التطرف، فمنهم من ذهب لإيمانه بقتال الاتحاد السوفيتي الموصوف لديه بالشيوعي “الكافر”، باعتباره العدو الأكبر للإسلام، إلا أنه لم يكن يسعى لقتال النظم، ومنهم من كان يذهب للقتال في أفغانستان في مواسم الصيف والإجازات السنوية، كنوع من أداء فريضة الجهاد «السياحي»، بعد أن كانت نظم دولهم تشجعهم على ذلك، وهناك من كانت له جذوره التنظيمية، التي ارتبط بها، فتعلق مشروعه فيما بعد انتهاء الحرب بمشروع تنظيمه.

عاد المقاتلون الجزائريون إلى بلدهم، فانخرطوا في تنظيم الجماعة الإسلامية المسلحة «جيا»، النواة الأولى للجماعة السلفية للدعوة والقتال، التي بايعت تنظيم القاعدة بعد ذلك لتصبح تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

وعاد الليبيون منهم ليشكلوا ما أطلقوا عليه «الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة»، وكانت امتدادًا لتنظيم علي العشبي، ومن بعده عوض الزواوي، ثم محمد المهشهش، إلى أن تبلور على يد عبدالحكيم بلحاج والعائدون معه من أفغانستان في العام 1992م.

وأرسل تنظيم الجهاد بعض المجموعات التي سرعان ما اكتشف أمرها مبكرًا، والتي سميت وقتها بطلائع الفتح، واكتشف مجموعات أخرى سميت بالعائدين من ألبانيا، والعائدين من أفغانستان.. ألخ، كما أن هناك من عاد إلى اليمن، والسعودية، وغيرهما ليشكل تنظيمات تأسست على عناصر العائدين من حقول الصراع.

أجهضت غالبية تلك المجموعات، خاصة في مصر، واكتشف أمر الجماعة الليبية المقاتلة، قبل أن تبدء في تنفيذ ما أعدت له، وقضى معمر القذافي على معقلهم الرئيسي في الجبل الأخضر وزج بغالبيتهم في السجون. ثم عادت الظاهرة ليسلط عليها الضوء من جديد، بما تحمله من تخوفات تهدد العالم، قياسًا على التجارب الأولى في حقول القتال.

مؤخرا، نشر مركز صوفان للاستشارات الأمنية، في نيويورك، تقريرا عن العائدين، مع توالي هزائم تنظيم الدولة في العراق وسوريا وخسارته لنحو 85% من الأراضي التي كان يسيطر عليها عام 2014، والتي تعادل مساحة بريطانيا، لافتا إلى أن مشكلة التنظيم ستنتقل إلى مرحلة أكثر تعقيدا عنوانها «العائدون من الخلافة».

يركز التقرير على النسب المئوية لهؤلاء فيكشف عن أنه من بين 40 ألف أجنبي انضموا لتنظيم الدولة في العراق وسوريا من 110 دول، عاد 5600 منهم إلى 33 دولة حول العالم، بينهم 30% من أصل 5000 عادوا إلى دول الاتحاد الأوروبي، و10% أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عودتهم إلى روسيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق من أصل نحو 9000 قاتلوا في صفوف التنظيم.

كما يكشف التقرير أن مواطني خمس دول هم الأكثر مساهمة في صفوف تنظيم الدولة، وهي روسيا (3417)، والسعودية (3244)، والأردن (3000)، وتونس (2926)، وفرنسا (1910). وعلى مستوى الأقاليم يعتبر مواطنو دول الاتحاد السوفياتي السابق الأكثر مساهمة في صفوف التنظيم (8717)، والشرق الأوسط (7054)، وأوروبا الغربية (5718)، ودول المغرب العربي (5319)، وجنوب شرق آسيا (1568)، والبلقان (845)، وأميركا الشمالية (439).

ويلفت التقرير إلى أن خسارة تنظيم الدولة للأرض في العراق وسوريا لن تكون بالضرورة نهاية “عهد التمكين” بالنسبة له، فالتنظيم، حسب التقرير، ما زال يحتفظ بوجود مقاتليه على الأرض في “ولاياته” بكل من ليبيا وسيناء في مصر، وخراسان بأفغانستان، عوضا عن عمله لتمكين وجوده في جنوب شرق آسيا.

السؤال الذي يثيره التقرير هو أزمة هؤلاء العائدين، والخطر الكبير الذي يمكن أن يشكلوه في عشرات الدول حول العالم، الأمر الذي سيحول الحرب على التنظيم من العراق وسوريا إلى مشكلة محلية تعاني منها دول عدة حاليا، وهي قابلة للتمدد.

ويشير إلى أن خسارة التنظيم لعاصمته في الرقة ربما تعتبر في أدبيات مناصريه «مجرد محنة في طريق النصر»، وأن الرد على الهزائم المتتالية في العراق وسوريا سيكون من خلال شن هجمات محلية نجحت فعلا في دول غربية عديدة.

أهم ما أشار إليه التقرير هو نوعية الذين التحقوا بصفوف التنظيم، والذين صنفهم إلى خمس مجموعات على الوجه كالتالي:

1- التحقوا بالتنظيم وعادوا بعد وقت قصير: وهؤلاء يشكلون فئة قليلة تركت “أرض الخلافة” قبل أن تنحسر لأنهم لم يجدوا فيها ما يبحثون عنه أو لم يوافقوا على أدبيات التنظيم وممارساته. وينبه التقرير إلى أنه يصعب التنبؤ بأفعال هؤلاء على المدى الطويل.

2) التحقوا بالتنظيم وعادوا محبطين: وهؤلاء عادوا بعدما بدأ التنظيم يفقد قدرته على تحقيق النصر في المعارك، وهؤلاء تشكلت لديهم الشكوك، لكنها ليست حول عقيدة التنظيم وإنما حول تكتيكاته وقدرة قيادته.

3) عادوا بعد أن تشبعوا بالتجربة: وهؤلاء أعجبوا بالتنظيم و”صورته البطولية”، وسبب عودتهم أنهم حققوا رغبتهم في “المغامرة” التي بحثوا عنها، بينما لم يكن الاستمرار مغريا لهم.

4) ألقي القبض عليهم من قبل دولهم: وهؤلاء إما أنهم عادوا إلى أوطانهم بعدما تلقى التنظيم خسائر أدت إلى انحسارهم، أو أنهم اعتقلوا أثناء المعارك.

5) دربهم التنظيم وأرسلهم إلى دولهم أو دول أخرى: وهؤلاء هم الفئة الأخطر، وهم مقاتلون بدأ التنظيم منذ إعلانه الخلافة عام 2014 بتدريبهم وإرسالهم إلى دولهم أو دول أخرى. ويلفت التقرير إلى أن المجندين من فرنسا وبلجيكا ربما كانوا النواة الأولى من النوع الأخير من مقاتلي التنظيم، وكانوا مسؤولين عن هجمات باريس في نوفمبر 2015، وبروكسل في مارس 2016،كما أن هذه الفئة نفذت واحدة من أخطر هجمات التنظيم عندما هاجم مسلحون من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق مطار إسطنبول في يونيو 2016، ما أسفر عن مقتل 45 شخصا.

لا تعترف التنظيمات الإسلامية الراديكالية بالجنسية، بل أن تنظيم «داعش» يتعمد محوها، فأظهر عدد من الفيديوهات لعناصره وهم يحرقون جوازات سفرهم، معلنين عن تبرؤهم من انتسابهم لبلدانهم باعتبار ذلك من قبيل «الجاهلية العفنة».

وحرص أبو بكر البغدادي، زعيم التنظيم، على أن ينفر الراغبين في الالتحاق بجماعته للولايات القريبة منه، فإذا كان هناك من يرغبون في الالتحاق من دول الشمال الإفريقي فإن الفرع المرشح للانضمام له هو الفرع في ليبيا، وإذا كان قريبا من الغرب الإفريقي فالالتحاق سيكون ببوكو حرام، وتبقى سيناء محلا للدعم من كافة الدول المحيطة.. إذن فـ “داعش” يقوم بإعادة توزيع جغرافي لمقاتليه، ليس على أساس جنسيات مقاتليه، وإنما حسب أهداف وأغراض التنظيم.

يدعم ذلك ما قاله الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، من أن عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي الذين غادروا محافظة الرقة السورية بعد تحريرها في أكتوبر الماضي في عملية مشتركة بين التحالف الدولي بقيادة أميركا وتحالف قوات سوريا الديمقراطية “قسد” أرسلوا إلى سيناء. وكانت قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي سمحا بمغادرة بعض مسلحي «داعش» وعائلاتهم من الرقة، على أن يذهبوا إلى مناطق «داعش» في محافظة دير الزور المجاورة، لكن لاحقا تبين أن مئات المسلحين وضمنهم العشرات من الأجانب تمكنوا من الفرار في قوافل المغادرين آخذين معهم أسلحتهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: