منوعات

إذلال اللاحق بالسابق .. اغتيال الموهبة

ظهر فنانون كثيرون عظماء بعد الأجيال الرائدة العظيمة، ورسخ شعراء كثيرون بعد الشعراء الأوائل الراسخين، لكن دائما ظلم الناس الجديد إذ قارنوه بالقديم منتصرين للأخير بسبب وبغير سبب. طغت على الجميع فكرة الأسبقية وغلبهم شعور المهابة الأبوية؛ فقيل، بيقين مُستغرَب: ليس الحفيد كالجد بل أدنى بالبداهة. ولو فُرِض وتفوق هذا الخلف على سلفه بصورة قطعية لا تحتمل وهم اختلاف؛ قالوا، جهلاء أو معاندين: تُذكِّرنا تجليات الفرع المدهش بمسارات الأصل الفذ.

في مصر، مثلا، لدينا تاريخ حافل في فن التمثيل يتضمن أسماء لا عد لها ولا حصر، من بينها لاحقون تفوقوا علىى سابقيهم، لكن بقيت أسماء بعينها من الأجيال الأقدم بالذات، صحيح خلَّدها أداؤها المتقن البديع، لكن أيضا لعبت تاريخيتها دورا في هذا الخلود، بجانب عوامل أخرى، غير عظمة الموهبة، قد تدني ممثلا من البقاء الطويل وتبعد آخر.

 

في عام 2016 سألت صديقا مهتما بالشعر: ما الأسماء التي بقيت في ذاكرتك من شعراء العامية المصرية؟ فقال لي: أربعة أسماء: فؤاد حداد، وصلاح جاهين، وسيد حجاب، وأحمد فؤاد نجم.

طبعا آلمتني إجابته مقدار ما أسعد القلب حُسْن اختياره؛ آلمتني لأنه ليس معقولا، بعد كل الأسماء التي أشرقت مواهبها الفذة حول تلك الأسماء الكبيرة، في أثنائها ومن بعدها خصوصا، بقيت وحدها عنده؛  كأن شمسا أخرى لم تسطع مع تلك الشموس أو من بعدها. صحيح كل ذائقة حرة فيما تختار، لكن هناك تشويش للذاكرة الجمعية، وهناك مسكوت عنه بشأن الموضوع، وهناك ثقافة ناقصة تتعلق بقضية الاختيار نفسها من حيث المعنى والكيفية، وأخيرا هناك افتقار

شبه كامل للموضوعية في جملة الآراء له أسبابه المعروفة والمجهولة.

لو صعد شاعر صعيدي شاب متحقق، يعتز بلهجته، على منبر تلاوة الشعر، وأعجبت قصائده الجموع؛ قيل له، بأعقاب النشيد، ذكرتنا بخالك الهمام الأبنودي.. لا يدري الذين يقولون له مثل هذا القول أنهم محوا جهده الكبير بأستيكة، وثبَّتوا الراحل العظيم في مشهدٍ هو منه بموضع الثبات أصلا؛ فلا يحتاج إلى شهادة تفوق، وإنما ذو الحاجة إليها بالضرورة الشاب الذي يريد أن يجد لشعره نفاذا في وجدان الحاضرين، ولطريقة إلقائه أثر حلاوة في أحاسيسهم، ولاسمه ثباتا في الفضاء الشعري الرحب، وهي بعض المكافآت التي نالها الأبنودي وجيله وشبعوا منها حتى التخمة.

ولو حضر ناقد عرضا مسرحيا لمجموعة مسرحيين جدد، وأعجبته الكتابة والإخراج مثلا، لقال، في الأغلب، مع نهاية العرض: ذكرني المخرج بالأستاذ فلان (أحد السابقين المعتبرين) وأعاد الكاتب أمجاد الماضي الذي كان المسرحيون فيه يعتنون بالنص أكبر ما يعتنون.

وهكذا.. دائرة مفرغة في الحقيقة؛ فلا جديد إلا يذكر بقديم، ولا مديح إلا للقديم ولا بقاء إلا له، ولله يا زمر الكبار اللاحقين بعد أن أخذ السابقون بلح الشام وعنب اليمن.

القضية ليست صغيرة؛ فكم تنسحب على قيمٍ عديدةٍ خلاف الفن والأدب، منها القيمة الاجتماعية، وكم تضغط الناس وتوترهم وتفقدهم هدوءهم ورزانتهم في بعض الأحايين، وكثيرا نجد الفتى حزينا لأن المجتمع لا يرى فيه غير صورة من أبيه مهما كانت له طباع تغاير طباع الأب وصفات تناقض صفاته.

هذا المجتمع المتناقض المستفز ينسى أنه كثيرا ما يستشهد بقول الشاعر: ليس الفتى من قال كان أبي/ إن الفتى من قال هأنذا..

لكنه، فيما يبدو، يستشهد إعجابا وفخرا بترديد البيت المحفوظ، لا بإدراك فحواه.

في السياسة أيضا، يبقى رفض كثيرين للقيادات الممتازة الشابة أو حتى متوسطة الأعمار محل دهشة الواعين وعجبهم، لا سيما عندما يضع الرافضون قاعدة لرفضهم المريب: الذي نعرفه أحسن من الذي لا نعرفه، ومن جربناه خير ممن لم نجربه.

الطاقات الحقيقية تموت من شدة الإنكار، تموت بكل معنى الكلمة، والمجتمع المصِرُّ على تبجيل القديم وحده (الاعتراض طبعا على إفراده للتبجيل لا التبجيل بذاته) هو نفسه الذي يدَّعي الالتزام بالدين، والدين لا يحبذ الذين قالوا “هذا ما وجدنا عليه آباءنا” بنص القرآن، بل في كل دين، كان الرسل إلى الله رجالا مباركين ظهروا فجأة ليجادلوا يقين سابقيهم ويربكوا ثوابت ما مر من الزمان قبلهم، وتبعهم مظلومون ومقهورون، أكثرهم من الأجيال اللاحقة، ليناصروا الفكرة المضيئة المذهلة الآتية من الغيب..  وبالمناسبة لا يفوتني هنا الاندهاش من كون كثيرين مازلوا متمسكين بذات تفسيرات هؤلاء الدعاة الأولين وحكمهم وأقوالهم وأفعالهم وجملة أحوالهم، تمسكا تقليديا بائسا لا يرضى به المنطق السليم النيِّر؛ فما كان أولئك الأولون أنفسهم إلا تقاطعا حادا مع السياق السابق على سياقهم الجديد في حينه.

أضاف اللاحقون على السابقين، كما أخذوا عنهم واستفادوا منهم، ومن غمط الحقوق وإهدار الجهود أن تبقى أسماء وتمَّحى أخرى، وأن تظل أسماؤنا التي قرأت واحتكَّت وسافرت وقاست وأفلست وحاولت ووصلت (أو حيل بينها وبين الوصول لأسباب بعيدة عن ذكائها وإرادتها)، تماما كما فعلت أسماء سابقيها وربما أكثر (لاختلاف الظروف وتعقيدات الأمور بمرور الوقت)؛ أقول: حرام أن تظل كأنها تقتات على العمر الذي فات، كالصعاليك.

بعض الراحلين النبلاء كان يرى أجيالنا أنبه وأجمل، وكان يقول: هم كأمثالنا وأفضل منا، ولو كانوا فقدوا فيما يبدعون، بعض الرصانة، وهم حريصون عليها فلا يتعمدون إزاحتها، فقد فقدنا

نصف الحداثة أو الحداثة كلها، وهذا مما يشين ولا يزين (يرحمهم الله جميعا).

غاية ما أرجوه أن يكون طرحي المختصر بشأن ما قصدته وافيا ومقدَّرا؛ فما قصدت الهدم لكن الإنصاف، وما كنت نويت الاعتداء على التراث، لكن أن أمحو الخطأ بالصواب، معتزا بالجديد المتميز كما القديم بلا انحياز ظالم ولا غفلة قاتلة.

الوسوم

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق