منوعات

عندما يصبح الفكر هو القدرة على الخطأ

اعتقد إنريكو فيرمي وهو يجري تجاربه على اليورانيوم (1934) أنه استحدث عنصرا آخر أكثر ثقلا، لكنه سرعان ما تنبه إلى كون ما وصل إليه أبعد في الأهمية، إذ كان أساس عملية الانشطار النووي التي أنتجت القنبلة النووية، وأنشأ نيلز بور نموذجا للذرة (1913) خاطئا من جميع جوانبه، غير أنه ألهم ثورة في الفيزياء عرفت بميكانيكا الكم، واكتشف ويليام بيركنز (1856) الصبغة العلاجية بالخطأ أثناء محاولته إيجاد علاج للملاريا.

(1)

إذا كان علم المعرفة التقليدي اعتبر “الخطأ والجهل نقصا وعيبا ولا وجودا” فإن العقلانية المعاصرة تفطنت لدوره الإيجابي في المعرفة العلمية، وفي ضوء أخطاء من قبيل ما ارتكبه كل من فيرمي وبور وبيركنز، اعتبرت العقلانية المعاصرة أن “صورة الفكر العلمي ذاته ليست إلا حقيقة منسوجة على أرضية من الخطأ… بهذا المعنى ليس الجهل فراغا معرفيا، الجهل كثافة وامتلاء..”.

 هذه الرؤية قدمها الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار ضمن إجابته عن سؤال كيف انتقلت البشرية من “ما قبل العلمية” إلى “الروح العلمية” خلال الفترة الواقعة بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

(2)

الفيلسوف الفرنسي رصد أن الفلسفات التقليدية تجاهلت الثورات العلمية الحديثة ومدى تأثيرها في القيم المعرفية، وفي سبيل معالجته لهذا الخلل سعى إلى تأسيس أبستمولوجيا قادرة على مواكبة مستجدات التطور العلمي، وكان من أهم ملامحها ربط التجربة بالفكر، حيث يتصل العقلاني بالتجريبي في حركة تثري الطرفين، وهي رؤية مضادة للأبستمولوجيا الديكارتية المتعالية على التجربة.

الملمح الثاني يتمثل في تنازل الحقيقة عن صفات الإطلاق والثبات والجوهرانية لتصبح نسبية جزئية متعددة، فبدلا من الحقيقة الصلبة تكون الفرضية المحتمل صدقها وكذبها في نفس الوقت، وهي وجهة النظر التي اعتنقها العلم الحديث عبر ميكانيكا الكم، تُعبر عنها تجربة “شرودنغر”، تلك التجربة الذهنية التي وضعها الفيزيائي النمساوي إرفين شرودنغر، وملخصها يدور حول وجود قطة داخل صندوق محكم الغلق، إلى جانب كمية ضئيلة من مادة مشعة (هناك احتمالية أن تتحلل هذه المادة) وعداد لقياس الإشعاعات “جيجر” ومطرقة، ومادة سامة داخل زجاجة.

المفترض أنه إذا تحللت المادة المشعة (احتمال تحللها 50%) فسيقوم عداد “جيجر” بتحريك المطرقة لتقوم بدورها بكسر الزجاجة التي تحتوي على مادة سامة لتقضي على القطة، لكن إذا لم تتحلل المادة المشعة لن يحدث أي من هذا، معنى ذلك أنك لن تعرف ما إذا كانت القطة حية أم ميتة، هي حية باحتمالية 50%، وميتة باحتمالية 50% أيضا. القطة حية وميتة في نفس الوقت.

(3)

هذه الرؤية التي طرحتها ميكانيكا الكم شكلت عالما جديدا يؤمن بالاحتمالات لا بالحقائق، وهو ما اتسق مع بناء أقامته العقلانية المعاصرة قوامه “أشكالا لامتناهية من المعقولية، وفيضا من المعاني، وتعددا للتأويل وغزارة للحقيقة”، فلا وجود لمعنى واحد ووحيد، وامتدادا لتلك الرؤية روج باشلار لكون الحقيقة ليست جوهرا ثابتا ولا معطى أنطولوجي قابل للإدراك بل هي وعي تخيلي يقوم على المراجعة المستمرة والتثبت التجريبي، ما يفتح آفاق الفكر العلمي على ابداعات الخيال بينما تغلقها العقلانية التقليدية ممثلة في الديكارتية التي نظرت للخيال على أنه عائق أمام المعرفة، لذا فقد سعت إلى تجنيب العقل مطاردة ما يصوره الخيال كي لا يقع في الخطأ، ولتفسح بذلك المجال إلى المعرفة الوثوقية كهدف نهائي.

 من ثم فهذه الرؤية تنظر للخطأ على أنه وجود عرضي سرعان ما يزول لتبرز المعرفة الصحيحة، وربما يستطيع الإنسان تفاديه بشيء من الحذر والتمهل في إصدار الأحكام، في حين أن العقلانية الجديدة تجاوزت بالخطأ هذا الوجود العرضي، فالحقيقة كما يُعَينها باشلار تتمثل في معالجة الخطأ، فهي ابنة الخطأ إذا جاز التعبير، وهو ينبوعها الذي تنحدر منه، وبهذا يكون الفكر، كما يذهب باشلار، هو أولا وقبل كل شيء قدرة على الخطأ.

Mohamed.altanawy1@gmail.com

محمد السيد الطناوي

كاتب و باحث مصري Mohamed.altanawy1@Gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: