منوعات

الشيخ علي يوسف .. إنصاف متأخر من «وصمة الصحافة»

هذه قضية هزت الرأي العام في مصر لشهور طويلة مطلع القرن العشرين، وقتها مثل الشيخ علي يوسف صاحب ورئيس تحرير “المؤيد” أمام هيئة قضائية شرعية في محكمة عابدين، لتنظر دعوى تطليقه من زوجته السيدة صفية، ابنة الشيخ عبد الخالق السادات شيخ الطريقة الساداتية وأحد كبار الأعيان.

في نهايات القرن التاسع عشر تعرف الشيخ علي يوسف على الشيخ السادات، توطدت علاقتهما بعد أن قرب الخديوي عباس حلمي الثاني رئيس تحرير “المؤيد” وصار الأخير أحد جلسائه، تبادل يوسف والسادات الزيارات، وفي إحداها لمح صاحب “المؤيد” صفية ابنة السادات، وكانت جميلة الجميلات بمعايير تلك الفترة “غضة بضة تزن نحو 100 كيلو”، محسبة منسبة، فطلب يدها من والدها وهما في زيارة إلى الأستانة.. وافق الوالد وتمت الخطبة.

وفور عودتهم إلى مصر وسوس أقارب وأصدقاء الشيخ السادات إليه بفسخ الخطبة والعدول عنها، بحجة أن صاحبنا علي يوسف لا يُعرف له نسب بعد جده الرابع، ويعمل في مهنة “وضيعة من أحقر المهن تقوم على نقل أخبار الناس، وتنشر إعلانات حفلات الرقص والخمور”، فماطل الرجل في تحديد موعد عقد القران، واستمر الحال كذلك نحو 4 سنوات.

وفي عام 1904، اتخذ الخطيبان قرارهما بالزواج رغم تسويف الشيخ السادات، وعقد القران في منزل الشيخ توفيق البكري نقيب الأشراف وزوج شقيقة العروس، واحتفل الحاضرون احتفالا سريعا بالزفاف، وخرجت صفية مع عريسها إلى بيت الزوجية فى حى الظاهر.

في اليوم التالي قرأ السيد عبد الخالق السادات خبر زفاف ابنته إلى الشيخ على يوسف في جريدة المقطم، فجن جنونه، وقدم بلاغا إلى النيابة العامة يتهم فيه على يوسف بالتغرير بابنته، حفظت النيابة التحقيق بعد أن ثبت لها أن صفية بلغت سن الرشد ومن حقها شرعا تزويج نفسها، وأن القران حضره عدد كبير من أقارب العروس وهو ما يحقق شرط الإشهار، وينفي تهمة التغرير.

لم يسكت الشيخ السادات على ما اعتبره هزيمة، وقرر إزالة العار بطريقة أخرى، فرفع دعوى أمام المحكمة الشرعية يطلب فيها الحكم بإبطال الزواج، استنادا إلى أن مذهب الإمام أبو حنيفة النعمان يشترط لصحة الزواج وجود تكافؤ بين الزوجين فى الإسلام والحرية والمال والصلاح والحرفة والنسب، وهو ما لم يتحقق من وجهة نظره في زيجة ابنته من “الجورنالجي”.

أحيلت القضية إلى القاضي الشرعي الشيخ أبو خطوة، وكان معروفا بتزمته وكرهه للصحافة والصحفيين، وتحدد يوم 25 يوليو 1904 لنظر الدعوى. في تلك الجلسة قدم الشيخ الفندي محامي الشيخ السادات مذكرة حقر فيها من نسب الشيخ علي يوسف الذي تجاسر وتزوج ابنة الحسب التي ينتهي نسبها إلى سيدنا الحسين حفيد الرسول، فلا يجوز شرعا أن تعاشر من لا نسب له، فضلا عن أن الزوج المراد تطليقه يحترف مهنة الجرائد التي هي “أحقر الحرف، وعار وشنار عليه”.

واستطرد المحامي الشيخ الفندي في مرافعته قائلا‏:‏ لا يخفى على عدالة المحكمة أن هذه المهنة –الصحافة- يحرمها الشرع، لأنها تقوم على الجاسوسية وإشاعة أخبار الناس بالحق أحيانا وبالباطل في معظم الأحيان،‏ فقد قال الله في محكم كتابه “ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا”‏.‏

في المقابل حاول الأستاذ حسن صبري محامي الشيخ علي يوسف تفنيد ما جاء في مذكرة الدعوى، فقال‏:‏ إن الفقر ليس عارا، وإن الإنسان لا يختار آباءه وأجداده‏.‏ المهم أن يكون الإنسان فردا نافعا في المجتمع، والشيخ علي يوسف عضوا في الجمعية العمومية التشريعية ومن خاصة الخاصة.

رفع الشيخ أبو خطوة الجلسة، ثم عاد ليستمع إلى الشهود في جلسة أخرى، وأقروا جميعهم بدنو أهلية الشيخ علي يوسف وبأنهم لا يعرفون له نسبا بعد الجد الرابع، بل إن أحدهم شهد بأن جده من أهل الكتاب، وأنه من أسرة فقيرة، أما شهود صاحب “المؤيد” فأجمعوا على أنه رجل بسيط من أسرة عادية لكنه استطاع بجده واجتهاده أن يصبح عضو الجمعية العمومية والكاتب الصحفي الأول في مصر.

في نهاية الجلسة قرر الشيخ أبو خطوة تسليم السيدة صفية لأبيها الشيخ السادات منعا للمعاشرة لحين الفصل في القضية بحكم نهائي، وهو ما رفضته العروس متعللة بخوفها من أبيها، فعرض عليها زوجها الإقامة في منزل الشيخ عبد القادر الرافعي مفتي الديار المصرية، وهو ما رفضه القاضي أبو خطوة وهدد باعتزال القضاء إن لم ينفذ قراره، فذهب له وفد من وزارة الحقانية في محاولة لإقناعه بقبول إقامة صفية عند صديق والدها.

في النهاية قبل أبو خطوة بإقامة صفية في منزل الشيخ الرافعي، وحدد موعدا للنطق بالحكم، وصدر الحكم بفسخ عقد الزواج والتفريق بين الزوجين… وجاء في حيثياته‏:‏ أنه ثبت من أقوال الشهود أن الشيخ السادات ينتهي نسبه إلي سيدنا الحسين وأن علي يوسف أعجمي‏،‏ بل ثبت أن جده الرابع كان من أهل الكتاب‏.

واستطرد أبو خطوة قائلا‏:‏ إن السادات يعيش من إيراد أراضيه الواسعة وإيجارات عقاراته المتعددة‏..‏ أما علي يوسف فهو يمتهن “الصحافة وهي مهنة كما قال عنها دفاع الشيخ السادات بحق منهي عنها شرعا‏”.‏

وأضاف أبوخطوة‏:‏ ثبت أيضا أن الشيخ علي كان في بداية حياته فقيرا للغاية لكنه أصبح الآن ثريا، ولكن ذلك لا يهم، وبعبارة أخرى فالشيخ علي يوسف وإن زال عنه الفقر باكتسابه الغنى،‏ إلا أن عار الفقر لايزول أبدا.‏

نشر الشيخ علي يوسف الحكم فى جريدته وعلق عليه “نشرنا الحكم فى هذه القضية، وتركنا لحضرات القراء رأيهم فى موضوعه وفى أسلوبه، أما نحن فلم يؤثر علينا ما فى لهجته الشديدة بشىء ما دام أمامنا الاستئناف، وفى اعتقادنا أنه سينصفنا، ويصبح حكم القاضى الابتدائى أشبه بمقالة من جملة المقالات التى قرأناها فى بعض الصحف ونسيناها”.

ثم قدم الشيخ علي والسيدة صفية استئنافا ضد الحكم إلى المحكمة الشرعية العليا فحكمت بتأييد الحكم الابتدائى. وبعد أن انتهت القضية على هذا النحو، وشعر الشيخ السادات بأن كرامته ردت إليه، قبل بزواج الشيخ علي يوسف من ابنته بعقد جديد، وبالفعل عادت صفية إلى بيت زوجها.

المفارقة في تلك القضية التي هزت الرأي العام المصري لشهور أن الزوجين لم ينعما بالسعادة الزوجية، فكانت الزوجة صغيرة السن “نكدية” كما وصفتها بعض الصحف، أرهقت زوجها ونغصت عليه حياته لدرجة إنه كان يبقى في الجريدة لما يقرب من عشرين ساعة يوميا. انتقل الشيخ على يوسف إلى رحاب الله سنة 1913 وكانت صفية لا تزال في عز شبابها، ومن المفارقات أيضا أنها تعرفت على “مشخصاتي” وهو الممثل زكى عكاشة وتزوجته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق