منوعات

الحالة الدينية الخفية في مصر … الدندراوية نموذجًا 2

يتميز الدندراويون بالعمامة البيضاء التي تأخذ شكل العدد 7، وترتخي من الخلف بذيل على الرقبة.. يقولون إن لهذا العدد سر، لا يعرفه إلا الربانيون، ويفيضون في وصف مشهد جموعهم في مؤتمرهم العام حيث يتوافدون إلى دندرة مرتين سنويا، الأولى في المولد النبوي الشريف، ويتوافد عليه منتسبو الأسرة من جميع أنحاء العالم، والأخرى في الإسراء والمعراج، وتقتصر على المصريين فحسب، مرتدين زيهم الأبيض.

قبل حلول المؤتمر بشهر تقريبا تبعث القيادة في دندرة خطابات لجموع الساحات تطلب منهم اقتراحاتهم للبرنامج المزمع تنفيذه في المؤتمر، وتعقد الساحات اجتماعاتها لطرح أفكارها للبرنامج المقبل، وتأخذ بها القيادة بعد مناقشتها من لجنة المتابعة والتقرير.

ألقينا نظرة على نموذج البرنامج الأخير لمؤتمر الإسراء والمعراج، وجدنا أنه أوراق مجدولة مخصص فيها لقاءات لمناقشات أحوال الساحات، وجلسات للاقتراحات والشكاوى، ولقاء المدارس القرآنية، ودورات للحاسب الآلي والإنترنت، وملتقى المواهب، ملتقى شباب جموع الساحات، ودراسة أحوالها وأحوال مدراس دندرة القرآنية، ولقاء مختلف جموع الساحات، ومحاضرات يلقيها الأمير، ومحاضرات غيرها، مثل: وقفة مع النفس، وجلسات الحضرة، تكريم أوائل الخريجين، ولقاءات لمديري مراكز دندرة الثقافية.

الجماعة الشاملة

يحكي كتاب “الوثيقة البيضاء”، في كيفية نشأة الجماعة، والذي بدأ كرحلة تفسير  للواقع الذي تعيشه الأمة، فقسم “السلطان الجد”، الأمة إلى أربع طوائف وصفها جميعًا بـ “الإصلاحية”، انفردت كل منها بتصور لـ “ما أصاب إنسان محمد”، ووضعت دواء حسب تصورها لهذا الداء، الطائفة الأولى: المذاهب السلفية، والثانية: الطرق الصوفية، والثالثة: الجمعيات الخيرية، والرابعة: رؤساء التنظيمات الوطنية.

ويتوزع السواد الأعظم من أهل الإسلام على هذه الطوائف المتشابهة في الغاية، المتغايرة في كيفية الوصول إليها، فانقسمت بذلك كل طوائف الشارع الإسلامي “المتخصصة” إلى قسمين: تجمعات صالحة، ومجموعات فاسدة، وابتعد عن مواقع تلك الطوائف أكثر أهل الإسلام، ففقدت تلك الطوائف تأثيرها على المسلمين على مر الزمان.

وبعد أن جال الدندراوي الأول في مصر وفي عدد من البلدان الإسلامية، تأكد أنه لن يجد عند أي تجمع من التجمعات المتخصصة المخلصة من تماثلت رؤيته معه، وبالتالي فقد بدأ في رصد الداء من أجل توصيف الدواء، فقال: إن “أصل بلاء ما قد وصلنا إليه هو تركنا لما كنا عليه”، فأحد أدوار الرسول صلى الله عليه وسلم في حياة إنسان أمته، هو دور الرسول الزعيم الجامع، الذي جمع الله به المسلمين، وإعمالا لهذا الدور للنبي جعل الله الارتباط بشخصه متساويا في العقيدة مع التسليم برسالته، فبالتسليم برسالته الخاتمة أقام في الوجدان قيم الإسلام، وأقام في الوجود قيمة المسلمين، وبالارتباط بشخصه امتلك بسيادته المحمدية الشاملة الوجدان، فترسخ فيه قيم الإنسان، وهيمن بزعامته المحمدية الجامعة على الوجود فشمخت فيه قيمة المسلمين.

وبهذا الارتباط الانتمائي صار كل من اتبع السيادة المحمدية الشاملة وبايع الزعامة المحمدية “محمدي التكوين”، فبتكوينه المحمدي بنى الإنسان ذاته، وألف عائلته، وأقام مجتمعه، وأنشأ أمته، فالجميع في كيان إنساني لا يتجزأ مهما تنوعت الطائفيات أو الطبقيات، ومهما تعددت القوميات أو الإقليميات، ومن أجل هذا أنشأ الدندراوي الأول الأسرة الدندراوية.

ومع أن الدندراويين يصفون جماعتهم بالأسرة إلا أنهم منظمون تنظيما شبه هيراركي، فأصغر وحدة في هذا الكيان هي الساحة، وتضم عددا من جموع “إنسان محمد” في مكان ما، قد يكون مدينة أو قرية أو عدة قرى، وتشكل عدة ساحات في محافظة ما “تجمع ساحات إنسان محمد” تصب هذه التجمعات في دندرة؛ حيث مقر الأمير ونوابه من أمراء الأسرة الدندراوية.

ليس هناك شروط يجب أن تتوافر في المسلم حتى يكون دندراويا ويدخل في جموع إنسان محمد إلا شرطا واحدا، وهو أن يكون محبا لسيد الخلق، وأن يؤمن بإخلاص بالرؤية الدندراوية. وتقول مصادر في الأسرة إن القيادة في الساحة جماعية وليست فردية، والأمير يبايع ولا يفرض، ولا يقدس، ولا تقبل يده.

ومع أن الأسرة الدندراوية غير معترف بها قانونا؛ لأنها ليست طريقة صوفية فحسب فتخضع للمجلس الأعلى للطرق الصوفية، ولا هي جمعية خيرية فحسب فتخضع لقانون الجمعيات، ولا حزبا سياسيا فتحصل على رخصة الحزب السياسي، إلا أنها لا تتعرض للمساءلة القانونية، ولا إلى الملاحقة الأمنية، وتنعقد اجتماعات ساحاتها ومؤتمراتها تحت غطاء قانوني.

وعندما سألنا مصادر داخل الأسرة عن سبب تمتعهم بحرية الاجتماع والحركة في حين أنهم يعدون جماعة محظورة تتشابه مع جماعة الإخوان المسلمين في شمولية منهجها وهيراركية تنظيمها، ومع السلفية الحركية في رفع شعار “نحن نعلم بالسياسة ولا نعمل بها”، نفى هذا المصدر صفة المحظورة عن الأسرة، وقال إن لقاءاتهم واجتماعاتهم تعقد تحت غطاء مراكز دندرة الثقافية المشهرة وفق قانون الجمعيات.

وللأسرة الدندراوية لائحة عرفية لم نعرف معظمها لكن عرفنا ما يتعلق منها بإجراءات العقوبة، فإذا ارتكب الدندراوي خطأ اعتبر خروجا على النظام العام، فإنه يخضع لعدة عقوبات: تجنب، إيقاف، إسقاط، سحب انتساب.

لكننا لم نستطع أن نعرف تحديدا ما يعتبر خروجا عن النظام لكن عقوبة الإسقاط أو سحب الانتساب لا تتخذ إلا بعد إجراء المحاكمة للدندراوي في حضور ساحته، وحضور ممثلين عن جميع ساحات الجمهورية، ويتم سؤاله في الغالب من النائب العام الأمير هاشم بن الأمير الفضل، ويكون السؤال علنيا والإجابة علنية أيضا، وعقوبة التجنب تحدد بفترة معينة يعود بعدها المنتسب لصفته.

وعقوبة الإسقاط قد يعود بعدها الدندراوي إذا تغير سلوكه، أما عقوبة سحب الانتساب فلا يمكن بعدها العودة، وطوال مدة كل هذه العقوبات لا يعتبر المعاقب دندراويا، ويقاطع من جموع الأسرة، ولا يلقى عليه السلام.

وكل ساحة من الساحات لها اجتماعان، الاثنين والخميس من كل أسبوع، يقرأ فيهما القرآن، وتعقد الحضرة، ويتم الشدو بالأهازيج الدندراوية بأداء جماعي، ويدرس فيها سلسلة كتب الوثيقة البيضاء، وبعض الرسائل الأخرى التي يكتبها الأمير الفضل، ويناقش في هذه الاجتماعات أحوال الساحة.

والأسرة الدندراوية تمتد بمظلتها الاجتماعية على كل منتسبيها، فواجب على الدندراوية أن يتزاوروا ويعرفوا أحوال بعضهم البعض، ويتآزروا في أوقات الشدة والفرح، ويقوموا بعمل اجتماعي وخيري وتثقيفي في إطار ساحاتهم، ويعقدوا دورات تدريبية للحرفيين المنتسبين للأسرة وينشئوا جمعيات خيرية تخصص لمساعدة فقراء أهل البلدة أو الحي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: