ثقافة

الحوار حياة .. درس الإسلام

توقفت أمام الآية 25 من سورة سبأ طويلا: (قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ)، وألح على تدبري لها سؤال حول الحكمة وراء وصف الله تعالى عمل السيئات بالنسبة للمسلمين بالإجرام. “لَا تُسْأَلُونَ أَنْتُمْ عَمَّا أَجْرَمْنَا” بينما وصف عمل السيئات بالنسبة للكفار وصفا محايدا ولم يأخذ منه موقفا سلبيا فقال: “وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ”، وأول ما لاحظت أن الوصفين مبنيان على ما سبق من فرضية في الآية التي تسبقها، تلك الفرضية التي تضع المتحاورين من الجانبين المسلمين والمشركين على كفتي ميزان متساوية بدون مواقف مسبقة: “وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى، أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ”.

هذ هي الأرضية الأصلح لحوار بناء جاد يهدف إلى الاقناع ومن ثمَّ الإصلاح، ذلك أن من يحاور المختلف معه إذا خطَّأه عند البداية سيغضبه، وربما يدفعه  إلى الانصراف عن المحاورة، فلا يصغي إلى الحق ويبقى مكابرا، وأما إذا تبين له أن القصد من المناظرة هو البحث عن الصواب، وأن هدف الحوار هو التزام الحكمة في البحث عن الصواب، وهي فرضية تضع المتحاورين على أرضية واحدة مشتركة هدفها البحث عن الحق، وهو أمر يدعو إلى الإصغاء والانتباه والاستمرار في البحث والحوار ليتبين وجه الحق ناصعا أمام الجميع.

الحوار هو الأسلوب المعتمد قرآنيا للوصول إلى الحق عن اقتناع عقلي، وارتياح نفسي، اقتناع وارتياح يجعلان صاحبهما يعيش حياته ثابتا على ما آمن به ثباتًا لا ينازعه ريب، وإيمانا لا يخالطه شك. القرآن الكريم يوجهنا إلى أن الحوار هو الأسلوب الذي يجب على المسلمين اتباعه عند بحث القضايا والمشكلات، والقارئ المتأمل لكتاب الله عز وجل سيجد أن القرآن مليء بالحوار، ويعتمده أسلوبا مركزيا من أساليب الإقناع والتواصل بين البشر على اختلاف أعراقهم ومعتقداتهم وأفكارهم وتصوراتهم عن الله وعن الحياة وعن الغيب وعن الآخرة.

وضم القرآن محاورات بين الخالق عز وجل وبين مخلوقاته، منهم الرسل الكرام، ومنهم الملائكة المقربين، والمحاورة مع إبليس عند تكريم آدم والسجود له شهيرة معروفة للكافة، وفيه أيضا حوار بين الرسل وأقوامهم، وبين المؤمن والكافر.

حين تلقت الملائكة نبأ خلق آدم، كان معنى ذلك أن تحولا وشيكا بدأت بوادره تلوح في الأفق مع هذا “النبأ العظيم”، وكان أول ما أثار هذا النبأ أن الملائكة راحوا يتجادلون فيما بينهم حول هذا المخلوق الجديد الذي أخبرهم الله تعالى بأنه خالقه، وإذ أجرى الله سبحانه وتعالى تصوير المخلوق الجديد في هيئته الطينية، ثم في هيئته الصلصالية الفخارية، كان سؤال الملائكة: ما هذا؟، وكانت مفاجأة الملائكة الأكبر عندما جاءهم الخبر الإلهي: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، تحول سؤالهم: ما هذا ؟، إلى سؤال أكبر هو: لماذا؟، وكان هذا هو الموقف الوحيد الذي مارست فيه الملائكة فعل السؤال والاستفهام.

لحظة ميلاد الإنسان ذلك الكائن الذين انفرد دون الكائنات بخاصية التفكير والجدال، ومسؤولية الاختيار، هي نفسها اللحظة التي مارس فيها الملائكة المكرمون فعل “السؤال”، دفعهم إليه تعجبهم من أن يكون خليفة الله في أرضه عاصٍ ومفسدٍ وسافكٍ للدماء، واستبعادهم من أنّ حكمة الله تقتضي ذلك وسألوا، وكان طبيعيا أن يسألوا طلبا لعلم ما لم يعلموه، وما خفي عليهم، ولما عرفوا التزموا، وأطاعوا، وسجدوا. لم يكن سؤالهم معصية، حاشاهم، ولم يكن استفهامهم استنكارا، حاشا لله، وإنما هو إفضاء بما في نفوسهم الذكية، وإظهار لمكنون ما فيها لأنهم مفطورون على الصدق والنزاهة من كل مؤاربة، فلما نشأ في نفوسهم إنكار واستبعاد أن تكون الحكمة من الاستخلاف فساد الأرض وسفك الدماء فيها، أفصحوا عما دار في نفوسهم، (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء)؟ وإنما ظنوا هذا الظن بهذا المخلوق من جهة ما استشعروه من صفات هذا المخلوق المستخلف بإدراكهم النوراني لهيئة تكوينه الجسدية والعقلية والنطقية، وإما بوصف الله لهم هذا الخليفة، وجاءهم الجواب الرباني “إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ”، أي أعلم ما في البشر من صفات الصلاح ومن صفات الفساد، وأعلم أنّ صلاحه يحصل منه المقصد من تعمير الأرض وأنّ فساده لا يأتي على المقصد بالإبطال، وأنّ في ذلك مصالح عظيمة ومظاهر لتفاوت البشر في المراتب، وكان قول الله تعالى هذا إنهاءً للمحاورة وإجمالا للحجّة على الملائكة بأن سعة علم الله تحيط بما لم يحط به علمهم.

أما حوار الله سبحانه وتعالى مع إبليس فهو من أخطر النماذج الحوارية في القرآن الكريم، من حيث هو نموذج للحوار بين الحق المطلق والخير المطلق مع رمز الشر المطلق والباطل المطلق؛ وكأن الله سبحانه أراد أن يبين لنا إمكانية الحوار، ولو كان مع أشد الأعداء وأفظعهم. وكان إبليس قد امتلأ حقدا وحسدا وكراهية وعداء لهذا المخلوق المفضل عليه، وقف إبليس موقف استكبار واستعلاء وإباء، ورفض الإقرار بخلافة الإنسان، وإعلان عداوته له إلى يوم الدين، وبدلا من أن يطلب من الله المغفرة، وبدلا من أن يعطي نفسه فسحة من الأمل في مغفرة الله، وبدلا من أن يفتح لنفسه أبواب التوبة والأوبة إلى الإذعان لأمر الله، بدلا من ذلك كله، اختار إبليس بملء إرادته، بل وعن إصرار وترصد أن يضحي بالآخرة في سبيل أن يمارس عداوته للإنسان واختار الدنيا: “قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ” لتكتمل دائرة الابتلاء، ابتلاء آدم بإبليس، وابتلاء إبليس بآدم.

والقرآن مليء بالحوار غير المباشر مع أقوال المكذبين والملاحدة والدهريين والناكرين لوجود الله والمكذبين لرسله وقد سيقت حججهم كلها في أنصع عبارة وتم الرد عليها، ويستحضر القرآن الكريم الرأي المقابل رغم فساده، دون أن يبتر كلامه ويشوهه ويقطعه ليعلمنا الأدب الرفيع في الحوار الذي يكون مقصده التوصل إلى الحقيقة، وينبني على التزام الأمانة العلمية، وتفهم الآخر وعدم التنكر للاستفادة منه، والاعتراف بالحق في الخطأ والاختلاف، وبذل الجهد والاجتهاد في فهم آراء الآخر ضمن مرجعيتها الخاصة.

الإسلام هو دين الحوار المتكافئ القائم على إرادة الفهم، وإرادة العلم، وإرادة التعايش بعيدا عن مختلف الإكراهات السياسية والاجتماعية والنفسية والفكرية، ولا غرو إذا قلنا إن الحوار هو اللغة الرسمية لدين الإسلام.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: