منوعات

أبو العنين شعيشع.. آخر العماليق

في ظل قوانين للفرز لا تعرف المحاباة ولا الواسطة، بدأ الصبي أبو العنين شعيشع رحلة صعوده في طريق الشهرة، وترسيخ مكانته بين عباقرة القراء، يوم أن لم يكن هناك مكان إلا للمواهب الكبيرة والأصوات العبقرية.. منحته الإذاعة المصرية 25 جنيها عن كل تلاوة تبثها، وهو أجر كبير جدا لم ينله حينها إلا مصطفى إسماعيل، وعبد الفتاح الشعشاعي، ومحمد الصيفي، وفي عام 1948 بلغ أجر الشيخ 100 جنيه في الليلة، بعد أن أصبح أحد قراء القصر الملكي.

هو صاحب أطول رحلة قرآنية عرفتها دولة التلاوة، فقد قرأ آيات القرآن الكريم باقتدار وتفرد على مدار 75 عاما، عاصر خلالها أساطين القراء، أمثال محمد رفعت، وعبد الفتاح الشعشاعي، ومصطفى إسماعيل، وكامل يوسف البهتيمي، ليختم حياته شيخا للقراء بالديار المصرية، ونقيبا للقراء المصريين.

في سن مبكرة، شغف الطفل أبو العنين بالقراء والمنشدين الكبار، وانشغل بمتابعتهم وتقليدهم عن دراسته، وأجمع مدرسوه على أنه لن يفلح في مساره التعليمي، وأن مستقبله سيكون زاهرا في ميدان التلاوة، وكانت انطلاقته الكبرى حينما قرأ القرآن في محفل كبير بمدينة المنصورة، عام 1936، ولم يتجاوز عمره 14 عاما.

كان أبو العنين شعيشع متأثرا في تلاوته بطريقة الشيخ محمد رفعت، وكانت لديه قدرة كبيرة جدا على تقليده، إلى درجة أن الإذاعة استعانت به لإكمال بعض الكلمات في تسجيلات الشيخ رفعت التي تعرضت للتلف، وقد أدى شعيشع المقاطع المرادة بدقة كبيرة، لا يمكن خلالها تمييز الفارق بين صوته وصوت رفعت إلا للمتخصصين وكبار المهتمين بأصوات القراء، كان ذلك عام 1952، وقد بلغ الشيخ ثلاثين عاما، وصوته في القمة من الجمال والقوة.

بدأت أولى رحلات أبو العنين شعيشع إلى الخارج عام 1940، حيث طلبته إذاعة الشرق الأدنى بالقدس لتلاوة القرآن عبر أثيرها، وفي منتصف الأربعينات تلقى الشيخ دعوة رسمية لزيارة العراق لإحياء مأتم ملكي، وسافر إلى بغداد بصحبة القارئ الكبير عبد الفتاح الشعشاعي، وتلقى أجرا مقداره 3 آلاف جنيه نظير تلاواته الساحرة المبهرة، ومن وقتها لم تتوقف زيارات شعيشع للخارج، فكان أول قارئ مصري يتلو القرآن في المسجد الأقصى، وقرأ كذلك في المسجد الحرام، والمسجد الأموي بسوريا، والمركز الإسلامي بلندن، وزار كل الدول العربية والإسلامية.

مع الخبرة والنضج، اتضحت معالم تلاوة شعيشع، وتأكد تحرره من أثر محمد رفعت، واتسمت طريقته بأنها نمط صعب فريد، يستعصي على المحاكاة والتقليد، فهي “تلاوة جوفية”، تعصر الحروف عصرا، ولها رنين وبريق ولمعان، فصوت شعيشع من الأصوات “المعدنية”، وهو فنان في انتقالاته النغمية، وأداؤه أخاذ قوي، لاسيما في منطقة الجوابات.

ولطول الرحلة القرآنية لأبو العنين شعيشع، فقد مر صوته بعدة مراحل، وكانت الحقبة الذهبية له خلال عقدي الأربعينات والخمسينات، حيث كانت تزدحم المساجد والسرادقات بالجماهير الغفيرة من محبيه، وفي أوائل الستينات، أصيب بمرض في حنجرته، ورغم ذلك، واصل الشيخ تلاوته للقرآن، مراعيا ما طرأ على صوته من من وهن يمنعه من الأداء على السمت الأول، لكن اللمعة بقيت في صوته، فتواصلت رحلاته للخارج، وظلت تسجيلاته تحقق أرقاما عالية من المبيعات.

ومع تقدم السن، وبعد أن جاوز الشيخ سبعين عاما، جاءت المرحلة الثالثة لصوت شعيشع، مرحلة الوهن والضعف، التي استمرت قرابة عقدين من الزمان، واصل خلالهما الشيخ تلاوة القرآن، مع حرص على اختيار السور ذات الآيات القصيرة، فلم يكن بمقدور القارئ الكبير أن يعتزل، فالدعوات تأتيه من كل مكان، وأوساط المستمعين تنظر إليه باعتباره البقية الباقية من جيل الرواد العمالقة، لاسيما بعد أن خلت الساحة من الأصوات القديرة والمواهب الفذة، فلم يكن من السهل التفريط في صوت زامل محمد رفعت، والشعشاعي، وكان علما خفاقا منذ الثلاثينات.

وقد ترك شعيشع ثروة كبيرة من التسجيلات الخالدة، التي تعد ضمن أنفس ما تضمه المكتبة القرآنية، ومن أهم تسجبلاته المعروفة والمشتهرة بين المستمعين، تلاوته من سورة آل عمران، من أول قوله تعالى: “إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين”، حيث بلغ الشيخ ذروة الأداء الفخم العظيم المستحيل، وكذلك لا ينسى المستمعون تلاوته لسورة القصص، من قوله تعالى: “ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين”، وهي من التسجيلات العظيمة في تاريخ دولة التلاوة.

عام 1969 عين شعيشع قارئا لمسجد عمر مكرم، وبذل جهدا كبيرا مع الشيخ عبد الباسط عبد الصمد لإنشاء نقابة القراء، التي أصبح على رأسها عقب رحيل عبد الصمد عام 1988، وفي عام 1992 عين قارئا لمسجد السيدة زينب رضي الله عنها، كما عين الشيخ عضوا بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وعضوا بلجنة اختبار القراء بالإذاعة والتليفزيون، واختير عميدا للمعهد الدولي لتحفيظ القرآن الكريم، وعضوا باللجنة العليا للقرآن بوزارة الأوقاف، وعضوا بلجنة عمارة القاهرة.

وقد اهتم أبو العنين شعيشع، بالبحث عن المواهب الجديدة، وتقديم أصوات مميزة من القراء الشبان، لكن اهتمامه الأكبر انصب على استعادة الأصوات النسائية، وفتح المجال مرة أخرى أمام قارئات القرآن المجيدات، فقد عاصر الشيخ عهدا ذهبيا للإذاعة، كانت تبث فيه تلاوات الشيخة كريمة العدلية، ونبوية النحاس، وسكينة حسن، وغيرهن من المقرئات المعروفات حينئذ.

 

لكن الشيخ تعرض عام 2009 لحملة سلفية ضارية، تحت راية فقه ضيق يرى أن صوت المرأة عورة، وأن بث تلاوتها على الرجال حرام شرعا، ومع الأسف، لم يجد الشيخ نصيرا من الأزهر أو الأوقاف، فطوي الملف إلى أجل غير مسمى، وأغلق الباب الإذاعي أمام مواهب صاعدة من القارئات الفتيات اللائي تلقين تدريبا ممتازا، وامتلكن موهبة حقيقية.

ولد شعيشع عام 1922، بمدينة فوة بمحافظة كفر الشيخ، وحفظ القرآن مبكرا قبل أن يتمم العاشرة، ونال استحسان أساتذته وزملائه في المدرسة، وامتدت رحلته مع القرآن سبعة عقود إلى أن رحل عن دنيانا في 23 يونيو 2013، بعد حياة حافلة، عاصر خلالها حكام وملوك ورؤساء في مصر وخارجها.

نال شعيشع أوسمة رفيعة من معظم الدول العربية والإسلامية، ومن أهمها وسام الأرز من لبنان، ووسام الاستحقاق من سوريا، ووسام الرافدين من العراق، كما كرمته الإمارات العربية المتحدة والصومال وتركيا وباكستان وإيران.

 

الوسوم

هيثم أبو زيد

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: