منوعات

«البيتكوين» .. هل يسحب البساط من البنوك المركزية؟

دفع الظهور القوي للبيتكوين، وسائر العملات الرقمية المشفرة، البنوك المركزية إلى إعادة النظر في أسئلة جوهرية ترتبط بأصل وعلة وجودها، من قبيل: ما المال؟ .. كيف يكون المال جيدا؟ .. ما الطريقة الأمثل لاستخدام العملات المشفرة؟ .. ما الدور الذي يتعين على البنوك المركزية الاضطلاع به لمواكبة التطور التكنولوجي الساحق، بعد أن ظلت الأمور “تغلي تحت السطح” على مدى السنوات الفائتة،

تناول أوغستين كارزتينز، المدير العام لبنك التسويات الدولية، هذه المخاوف في محاضرة أخيرة له في جامعة جوتة الألمانية، ضمن سلسة محاضرات نظمتها منظمة الهندسة المعمارية المستدامة للتمويل في أوربا (SAFE)، بالتعاون مع مركز الدراسات المالية  (CFS)، والبنك المركزي الألماني (بوندسبنك).

وكشف كارزتينز في محاضرته الكثير من المعلومات التي تسهم في فهم أفضل لحقيقة  البيتكوين، وغيره من العملات الرقمية التي انتشرت مؤخرا. استعرضت المحاضرة دور المال باعتباره يمثل في نهاية المطاف تقليدا اجتماعيا لا غنى عنه، يخضع لمؤسسة مسئولة في إطار دولة تحظى بثقة. ورغم أن أشياء كثيرة بدور المال؛ لكن التجربة التاريخية تؤكد أن ما يتمتع بالقبول على نطاق واسع ويحظى بالثقة ويتسم بالاستقرار في قيادته للسلع والخدمات هو الأفضل على الإطلاق.

كما أثبتت التجربة أيضا أن توافر الثقة في المال يتطلب دعما مؤسسيا، وهو ما تقدمه البنوك المركزية تحديدا. وتسعى هذه البنوك في مواجهة اللحظة الراهنة إلى تطوير سياستها وخدماتها للمحافظة على الثقة في القيمة الأساسية للمال بعد الانتشار اللافت الذي حققته العملات الرقمية الخاصة، مثل البيتكوين وغيرها من الأصول المشفرة.

تكمن جاذبية البيتكوين وسائر العملات المشفرة في التطبيق الذكي لتقنية “دفاتر الحسابات الموزعة” (DLT)؛ حيث توفر هذه الدفاتر طريقة لبث المعاملات بشكل علني، وبأسماء مستعارة بطريقة تحقق لها الثبات من حيث المبدأ.

لكن يبقى التساؤل، هل يعني هذا إمكانية أن تحل البيتكوين، وغيرها من العملات المشفرة، محل المال؟

 ربما لا تتاح إجابة نهائية على هذا التساؤل المهم، لكن ما ترجحه الخبرات التاريخية حتى اللحظة الراهنة، حسب كارزتينز، تجعلنا نقول “لا” بملء أفواهنا. وربما لا نبالغ إذا قلنا أن استخدام هذا النوع من العملات يمثل في واقع الأمر نوعا من الغش؛ لأسباب عديدة يمكن إجمالها فيما يلي:

تدني القيمة:

ما يحدث في عمليات تداول البيتكوين هو المعادل الحديث لعمليات القص والإلغاء التي تأخذ شكل الآثار الجانبية غير المتعمدة؛ حيث يقوم المطورون باستنساخ برنامج البيتكوين، ثم إطلاقه باسم جديد بعد إضافة مميزات جديدة إليه، أو ’ترقيعه‘ بباراميترات الخوارزميات، فيما يعرف بـ ’بيتكوين فورك‘ (انقسام البيتكوين).

تهدف هذه العملية في أغلب الأحيان إلى الاستفادة من انتشار البيتكوين لتحقيق أموال طائلة، على الأقل افتراضيا. وقد شهد العام الماضي وحده 19 عملية انقسام، تضمنت عمليات ’بيتكوين كاش‘، و’بيتكوين جولد‘، و’بيتكوين داياموند‘. ويمكن أن تتعرض عمليات الانقسام لانقسامات أخرى لا حصر لها؛ حيث لا يتطلب ذلك سوى مجموعة من المبرمجين الحاذقين واسما لافتا للأنظار. وكما حدث قبل ذلك، تتسبب عمليات القص الجديدة في تقليل قيمة البيتكوين الموجودة، إلى حد تفقد معه العملة المشفرة قيمتها الاقتصادية تماما.

 

اهتزاز الثقة:

كما هو شائع، تحتاج الثقة إلى سنوات طويلة من أجل البناء، ولحظات قصيرة من أجل الانهيار الذي لا تعود بعده مجددا. وتؤكد الخبرات التاريخية أن هذه “الأصول” لا تحظى بالاستدامة التي يحظى بها المال. فهذا النوع من العملات لا يقع في نطاق مسئولية أفراد أو مؤسسات بعينها، كما أنه لا يحظى بدعم هيئات أو سلطات محددة.

إضافة إلى ذلك، فإن نقاط الضعف الإدارية، مثل تركز ملكية هذا النوع من العملات في أيدي أفراد أو جهات بعينها، تجعلها غير جدير بالثقة. فاستخدام هذه العملات المشفرة يعني اللجوء إلى وسيط. وبصفة عامة، فإن هذه العملات تُحمَل على البنية التحتية المؤسسية التي تخدم النظام المالي العام، وعلى الثقة التي يوفرها، وهو ما يعكس التحديات التي تواجهها لبناء ثقة خاصة بها في مواجهة عمليات القرصنة الإلكترونية، وخسارة أموال العملاء، والقيود المفروضة على تحويل الأموال، وعدم نزاهة الأسواق.

عدم الكفاءة:

ليست التكنولوجيا الأحدث هي التكنولوجيا الأفضل دائما؛ ومن ثم فإنها ليست أيضا الاقتصاد الأفضل.. هذا هو واقع البيتكوين، فبينما كان الهدف الأساس من استخدام هذه العملات هو خلق نظام بديل للسداد إلكترونيا دون تدخلات حكومية، إلا أنها تحولت إلى مزيج من ترويج الوهم وممارسة الاحتيال والتسبب في الكوارث البيئية.

وقد تحولت هذه العملة، بفعل عوامل عدم استقرارها، إلى وسيلة تفتقر إلى الثقة لسداد الأموال وطريقة غير عملية للمحافظة على القيمة، فضلا عن ندرة أعداد مستخدميها. وفي أحد المؤتمرات التي عقدت للترويج للعملات المشفرة، لم تفلح عمليات سداد مستحقات التسجيل في المؤتمر باستخدام البيتكوين لما يحتاجه ذلك من تكلفة باهظة ووقت طويل، ولم يقبل منظمو المؤتمر إلا بالأموال التقليدية لإتمام عمليات التسجيل.

في نطاق استخدامها، تبدو البيتكوين، وغيرها من العملات المشفرة، أكثر جاذبية للراغبين في إتمام معاملات في نطاق الاقتصاد الأسود أو الممارسات غير القانونية، وربما لا يبدو ذلك مفاجئا؛ لأن الأفراد الذين يتهربون من الضرائب أو يمارسون غسيل الأموال هم وحدهم المستعدون لتحمل خسائر التذبذب الشديد في أسعار العملات المشفرة.

وعلى مستوى الممارسة، تثبت تجارب البنك المركزي أن الأنظمة القائمة على تقنية دفاتر الحسابات الموزعة باهظة الكلفة، فضلا عن أن تشغيلها يتطلب وقتا أطول، ويتسم بفاعلية أقل من نظرائها في أنظمة السداد التقليدية. كما أن عملية ’تعدين البيتكوين‘ Mining Bitcoins تحتاج إلى كميات مهولة من الكهرباء تعادل الكمية التي تستهلكها دولة سنغافورة بشكل يومي، وهو ما يجعلها مكلفة اقتصاديا، وضارة اجتماعيا، ومدمرة بيئيا.

ومن ثم، فإن حالة الافتتان الراهن بالعملات المشفرة تبدو أكثر ارتباطا بهوس المضاربة منها باستخدام هذه العملات كوسيلة للسداد عبر الإنترنت، إلا فيما يتعلق بالأنشطة المحظورة قانونا. ومن ثم، تتجه السلطات المختصة إلى التكاتف وتنسيق الجهود من أجل الحد من المخاطر المرتبطة باستخدام هذه العملات.

وتتوافر حاليا دعاوي قوية من أجل التدخل السياسي لمواجهة هذه الظاهرة، بعد تحذير جهات أمنية وهيئات تنظيمية ورقابية عدة من أن هذه الأصول تضاعف المخاوف المرتبطة بحماية المستهلك والمستثمر. من ثم، يقع على السلطات المختصة مسئولية توعية وحماية المستثمرين والمستهلكين على السواء، فضلا عن اتخاذ الإجراءات اللازمة في وقت الضرورة.

وتزداد المخاوف المرتبطة بعمليات التهرب من الضرائب وغسيل الأموال وتمويل الأنشطة الإجرامية في ظل استخدام هذا النوع من العملات، ما يات يلزم السلطات الرسمية باتخاذ ما يلزم من إجراءات للتحقق من عدم توظيف هذه التكنولوجيا المتقدمة في شرعنة الأرباح الناتجة عن نشاطات غير شرعية بالأساس.

*يمكن الاضطلاع على النص الكامل للمحاضرة باللغة الإنجليزية على هذا الرابط :

https://www.bis.org/speeches/sp180206.pdf

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: