رؤى

«التدين الحركي» .. الاجتهاد في مواجهة الأمة

نقصد بالتدين الحركي، ذلك النمط من التدين الذي يتبناه المنتسبون عادة إلى التنظيمات الدينية التي تنتهج منهجا ينزع إلى السرية بعيدا عن المجتمع والدولة، بقصد تطبيق تلك التنظيمات لما تعتبره مشروعا لتغيير المجتمع والدولة معا.

أول أزمات ذلك النوع من التدين هو استدعاء قواعد من الشريعة وتطبيقها في المجال الحركي تطبيقا بعيدا عن مقاصد تلك القواعد الشرعية، ومن ذلك قولهم، “إنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، والوجوب الشرعي يعني الحكم بفرضية ذلك الواجب، فلو قلنا مثلا إن الصلاة واجبة وأنها خمس صلوات في اليوم والليلة واجبات مفروضات، يعني أن الصلاة فرض، وأنها مفروضة خمس مرات من أول الفجر وحتى العشاء.

هنا الوجوب الشرعي للصلاة يتفق عليه كل الفقهاء وعلماء المسلمين، والمسلمون أنفسهم، ولذا يعتبر ذلك الفرض داخلا في معني الإجماع، لأنه لا يختلف عليه أحد من المسلمين أهل القبلة جميعا.

ولأن الصلاة لا تتم إلا بالطهارة بمعناها الواسع الذي يشمل الجسد والملبس والمكان الذي نصلي فيه، فإن هذه الوسائل التي لا تتم الصلاة إلا بها تكون واجبة ولها نفس حكم الصلاة، فالوسائل التي تتحقق بهاالغايات لها نفس أحكامها.. ومثل ذلك معرفة القبلة وستر العورة في الصلاة، فكل ذلك واجب لأنه لا يتم الواجب الأصلي وهو الصلاة إلا به.

وأهل التنظيمات والتدين الحركي ينقلون القاعدة إلى عالم تنظيماتهم الحركي فيقولون: إقامة  الدولة الإسلامية واجب، وهذا الواجب لا يتم إلا بعمل جماعي ذي طابع تنظيمي، وهذا العمل الجماعي التنظيمي لا يتم إلا في سرية بعيدا عن أعين السلطات والمجتمع، ومن ثم يوجبون هذه الوسائل التي تحقق ما اعتبروه هدفا ثابتا وواجبا وفرضا فرضوه هم على أنفسهم. ومعلوم أن مسألة الدولة وطبيعتها ونظم الحكم والإدارة هي مسألة محل اجتهاد وشورى وتنازع بين العلماء، وأن مسألة الولايات هي مسألة مرتبطة بالزمن والعصر والإنسان ولها طرائق متعددة في شكلها وفي كيفية الوصول إليها، ومسألة الإمامة هي من مسائل الفروع عند أهل السنة والجماعة وإن كانت من مسائل الأصول عند الشيعة، بيد أن الثابت هو أن تعريف الخلافة والإمامة في الفكر والتاريخ الإسلامي كان مرتبطا بشخص الخليفة، ولم يكن مرتبطا بمؤسسة لها معالم واضحة، وأن التعبير المؤسسي عن الخلافة والإمامة اختلف باختلاف العصر والدول.

والمتدينون الحركيون أنفسهم لو سألتهم عن طبيعة الدولة التي يريدون أن يقيموها لوجدت اختلافا وتنوعا، فمنهم من يقول نريد خلافة وخليفة كما كان الحال في العصر السالف، وداعش نصب خليفة بهذا المعني في العراق والشام، ثم لم تلبث خلافته الموهومة أن انهارت.

وبعض المتدينين الحركيين يقولون نريد دولة مدنية بمرجعية إسلامية ويعتبرون الدولة تعبيرا مدنيا وليس دينيا حتى لا يكونوا كالدول الثيوقراطية التي تستلهم مشروعيتها مباشرة من حكم رجال الدين الذين يتحدثون باسم الله.

فالواجب الذي أوجبه الحركيون على أنفسهم ليس واجبا في الحقيقة، ومن ثم، فالوسائل التي يفترضونها واجبات لتحقيقه ليست بواجبات هي الأخرى، فنحن نريد دولة عادلة تقيم الحق والقسط بين الناس ولا تتسلط عليهم باسم الدين أو باسم المستبدين بكل أنواعهم، ونريد دولة تنتمي للعصر وتستلهم من تقدمه، ونريد دولة تجعل من الإنسان هدفا تعمل لخدمته وتحقيق رفاهيته وسعادته.

والمتدين الحركي يبيح الكذب والتخفي وقد يذهب إلى الاستحلال باعتبار أن المجتمع الذي يعيش فيه هو مجتمع جاهلي، ومن ثم، قد يستبيح لنفسه أن يسرق، بل وربما أن يقتل، ويستند في ذلك لقاعدة شرعية صحيحة وهي “الضرورات تبيح المحظورات”، وبينما قيد الفقهاء تلك القاعدة بقاعدة أخري تقول “الضرورة تُقدر بقدرها”، واعتبروا القاعدة من أجل حفظ الضروري وهو هنا حفظ النفس فلو تعرض إنسان لخطر الهلاك واضطر لأن يُقدم على محرم كشرب الخمر ليبقي حيا أو أن يأكل ميتة ليبقى على قيد الحياة فهذه الضرورة تجوز حفظا لحياة الإنسان ونفسه.

بينما المتدينون الحركيون بسطوا القاعدة واستدعوها على إطلاقها حفظا للتنظيم وليس حفظا للإنسان الذي هو أهم من التنظيم، ذلك أن التنظيم قد اخترعه الإنسان لتسهيل حياته وجعلها أكثر يسرا ورفاهية، بينما تنظيم المتدينين الحركيين يتحول إلى أيقونة مقدسة تبدو كمؤسسة يحل فيها الدين فيتحول إلى غاية في ذاته تُسخر لأجله كل الأدوات والوسائل، بما في ذلك الدين نفسه يتم توظيفه من أجل بقاء هذا التنظيم.

يقوم التدين الحركي على فكرة المكر والتوسع فيما يُطلق عليه الحيل واعتبار المصلحة هي معياره الرئيسي في التعامل مع المجتمع والناس وفي التعامل حتي مع التيارات المتدينة الأخري، والمصلحة هنا بالنسبة للمتدين الحركي هي مصلحة التنظيم الذي ينتمي إليه، ومن ثم، فهي ترتبط بالمعني النفعي العقلاني المادي بعيدا عن القيمة المرتبطة بها، فحيث تكون مصلحة التنظيم تكون وجهة المتدين الحركي وبوصلته، وهو يتحدث باسم مصلحة الأمة كلها لتبرير ما يُقدم عليه من أعمال، بما في ذلك قتل الأنفس المعصومة والمحرم قتلها.

يثير التدين الحركي في الشباب الغض الصغير الذي يُلقي بشباكه عليه لتجنيده نوازع عاطفية تُصور له أنه الإنسان المثالي الكامل فيتحمس الشاب ويحمل نفسه مالا يُطيق ولا يُفكر في العواقب التي سيقبل عليها لحد أنه يقدم  نفسه كبش فداء وضحية مختارة مستلبة من أجل التنظيم الذي يُقدمه باعتباره منقذا للأمة من الهلاك والضياع فلا يكتفي فقط بقتل نفسه والقيام بعمليات عدمية ذات طابع انتحاري، وإنما يستصغر جريمة قتل الأنفس الأخرى التي يُقدم على قتلها.

التدين هو تمثل لحالة الدين التي تقوم على التزكية وتقوم علي التربية وتقوم على العمل من أجل الآخرين وخدمتهم والاجتهاد من أجل تفسير الدين الصحيح لهم كما فعل علماؤنا الأوائل الذين كانوا يجتهدون للأمة ولا يجتهدون في مواجهتها.

الوسوم

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: