منوعات

المنشاوي.. صوت الخشوع

كان الشيخ محمد صديق المنشاوي، القارئ الوحيد الذي قررت الإذاعة الانتقال إلى بلدته لتسجيل تلاوته، بسبب إصراره على رفض الامتثال أمام لجنة اختبار القراء، وبعد عرض التسجيل على المختصين في اللجنة، أجمع أعضاؤها على أن تلاوة المنشاوي تحظى بالشروط الواجب توافرها في أي مقرئ إذاعي، مع الأخذ في الاعتبار أن لجان ذلك الزمان، كانت في غاية الصرامة، فلم يكن الطريق ممهدا، ولا الباب مفتوحا إلا للأصوات العظيمة، وأصحاب الأداء المتميز.

وبالرغم من موافقة لجنة اختبار القراء على قبول الشيخ المنشاوي، من خلال الاستماع إلى تسجيل له، إلا أن الشيخ رفض الانضمام إلى الإذاعة، وظل مصرا على موقفه، إلى أن أقنعه أحد معارفه من كبار ضباط الجيش بأنه لا داعي أبدا لهذا الإصرار، وأن عليه أن يقابل مبادرة المسئولين بموقف إيجابي، وبالفعل، سافر الشيخ إلى القاهرة، لتبدأ رحلته الإذاعية، كما عينته وزارة الأوقاف قارئا للسورة بمسجد الزمالك.

كانت أوتار صوته كأنها قدت من المادة الخام للخشوع، وكأن تلاوته تأتينا من نبع فياض للطهر والزهد والترفع، مع إتقان للأحكام، واستيعاب لأصول النغم، وقدرة صوتية مكنته من حفر اسمه في سجل الخالدين، بين الكبار من أئمة التلاوة الذين يهبوننا الجمال والسحر الحلال.

محمد صديق المنشاوي، ابن الأسرة القرآنية المشهورة، عنوان كبير لما تدخره القرية المصرية من مواهب، حتى لو كانت في أقاصي الصعيد، ومنذ ظهوره أصبح النجم اللامع بين قراء الجنوب، متفوقا على والده، القارئ الكبير، الشيخ صديق المنشاوي، مختطا لنفسه طريقا وطريقة لا يقلد فيها أحدا، بينما يحاول كثيرون تقليده، والسير على خطاه.

بالموهبة الكبيرة، والتأهيل القوي، استطاع المنشاوي أن يبدأ التلاوة في المحافل وعمره لم يتجاوز أحد عشر عاما، في مسقط رأسه بقرية المنشاة، بمحافظة سوهاج، والقرى المجاورة.. طفل يقرأ في المحافل دون رهبة أو وجل أو تلعثم.. لكن المنشاوي حبس نفسه أكثر من عقدين في دائرة ضيقة، إذ أصر ألا يقرأ القرآن الكريم خارج حدود منطقة إسنا وقنا، ولم يعرف جمهور الإذاعة صوته إلا عام 1953، حيث بدأ صعوده السريع، وشهرته في مختلف البلاد العربية والإسلامية.

في تلاوته لآي الذكر الحكيم، يتعايش المنشاوي مع معاني الآيات، فيأتي صوته منكسرا باكيا مع آيات الوعيد، ويزول عنه الحزن مع آيات الوعد والتبشير، وهو قارئ مكتمل الأدوات: حفظ جيد، وتجويد متقن، ودراية واسعة بعلم القراءات، ومعرفة بالمقامات الموسيقية، وصوت قوي جميل، ثم توظيف كامل لكل هذه الأدوات.

ومع انطلاق شهرته عبر الإذاعة، بدأت الدعوات تنهمر على المنشاوي، من الدول العربية والإسلامية، فقرأ القرآن في محافل كبيرة، في الكويت وسوريا وليبيا، وقرأ في المسجد الأقصى، والأردن، والعراق، والجزائر، والسعودية، وباكستان وإندونيسيا، وسجل تلاوات مختلفة لإذاعات هذه الدول، كما سجل تلاوات لإذاعة لندن.

وفي إندونيسيا، وبصحبة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، قرأ المنشاوي أمام مئات الآلاف، الذين وقفوا على أقدامهم إجلالا لقراء مصر الكبار، ومنح ملك إندونيسيا المنشاوي وعبد الباسط وساما رفيعا تكريما لهما، كما منحته سوريا وسام الاستحقاق من الطبقة الثانية.

ترك المنشاوي ثروة من التسجيلات القرآنية، سواء من تلاوات المحافل، أو تسجيلات الاستوديو، وتعد تلاوته للمصحف المرتل من أكثر التلاوت شعبية، حيث يحرص كثير من المستمعين على اقتناء تلك الختمة الخاشعة الهادئة، التي ينساب فيها صوت الشيخ كأنه جدول رقراق، ليسكب السكينة والاطمئنان في أنفس محبيه.

ينتمي صوت الشيخ المنشاوي إلى طبقة متوسطة، لها وقع حسن على الأذن، وهو صاحب قرار عميق، وانتقالات مقامية سهلة جدا، ويغلب على تلاوته مقام النهاوند، الذي كان يذهب إليه بطريقة خاصة، أصبحت دليلا وعلامة للمدرسة المنشاوية، كما أنه استخدم عدة مقامات أثناء تلاوته للمصحف المرتل.

ولا أظن أن المستمع الواعي ينسى ترتيل الشيخ لسورة يوسف، وتحوله الشهير إلى مقام الصبا، من أول قوله تعالى: “قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين”، حيث يقدم الشيخ ترتيلا مؤثرا جدا، يستدر الدمع من العيون، لاسيما وهو يصور لوعة يعقوب على فراق يوسف، وتجدد أحزانه مع غياب أبناء آخرين.

ولعل أداء الشيخ في تسجيله الشهير لسورتي قاف والرحمن، أثناء زيارته للكويت منتصف الستينات، يمثل نموذجا واضحا لمكانة المنشاوي في دولة التلاوة، قوة وتمكنا وصوتا متكامل.. وكعادة القراء المصريين، بدأ الشيخ تلاوته من مقام البياتي، من أول قوله تعالى: “ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد”.. وسار في تصاعد صوتي متدرج، يختلط ببحة خاشعة، لا سيما في طبقة القرار.

وبعد توقف مع مقام الصبا، ينتقل المنشاوي إلى مقامه الأثير النهاوند، فيكرر به قوله تعالى: “قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد”، ويظل مع النهاوند حتى تنتهي آيات الوعيد، ليبدأ قوله تعالى: “وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد” من مقام الراست، ليساهم اختلاف النغمات في إظهار اختلاف المعاني.

ولد الشيخ محمد صديق المنشاوي في العشرين من يناير عام 1920، ورحل في العشرين من يونيو عام 1969 عن 49 عاما، ورغم قصر عمره نسبيا، إلا أن اشتغاله المبكر بفن التلاوة جعله صاحب رحلة قرآنية طويلة، امتدت لقرابة أربعة عقود، ترك خلالها المنشاوي أثرا كبيرا في دولة التلاوة المصرية، وحقق شهرة واسعة في أنحاء العالم الإسلامي.

عام 1966، أصيب المنشاوي بدوالي المريء، ونصحه الأطباء بألا يجهد حنجرته، لكنه واصل التلاوة، متحديا ما أصاب صوته من وهن وضعف، ويروي ابنه سعود أن الشيخ كان يقرأ القرآن في عامه الأخير بمنزله بصوت جهوري، إلى درجة أن الجمهور من محبي الشيخ كانوا يجتمعون في مسجد أسفل المنزل للاستماع إليه دون أن يعلم، ولما تفاقمت حالته واشتد عليه المرض نقل إلى مستشفى القوات المسلحة بالمعادي، وعرف الرئيس جمال عبد الناصر بحالته، فأمر بعلاجه في الخارج، لكن المنية وافته قبل السفر.

وقد قام محبو الشيخ بجهد كبير لجمع تراثه، وتوثيقه وتنقيته، وعرضه على شبكة الإنترنت ليكون متاحا للمستمعين في كل مكان، بعد أن تعرضت تسجيلاته للإهمال والتلف، واستخدمت في تسجيل برامج وخطب سياسية، ممن لا يقدرون قيمة هذا التراث النفيس.

 

الوسوم

هيثم أبو زيد

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: