منوعات

«دايت السوبرمان» .. وصفة نيتشه

تبعا لنيتشه، فإن “خلاص البشرية” يرتبط بالحمية الغذائية “أكثر مما يتوقف على أية حذلقة لاهوتية”. من هذا المنطلق يقيم الفيلسوف الألماني في أحد زوايا كتابه “هو ذا الإنسان” علاقة بين نظام التغذية (الدايت) من ناحية والعقل ومنتوجه من ناحية أخرى، وبين نظام التغذية وأساليب العيش، وبين نظام التغذية والأنماط الأخلاقية.

وقد لا يذهب نيتشه إلى الحد الذي بلغه فيورباخ بإقراره أن “الإنسان ليس إلا ما يأكل” لكنه رأى أن تأخر التطور الإنساني زمنا طويلا مرجوعه إلى “الغياب المطلق للعقل داخل المطبخ”،وهي رؤية تسير على أرضية اعتقاد كون الجسد هو الحياة بكل مظاهرها وتجلياتها، وما الروح إلا بعد من أبعاده، الجسد هو الصوت والروح صدى له.

لم ينل المطبخ الألماني إعجاب نيتشه، وبأسلوب تهكمي ساخر يعدد خطاياه: الثريد (الفتة) قبل الوجبة، واللحوم المطبوخة جدا، والخضار الغني بالنشويات والدهون، والحلويات الفاسدة المتحولة إلى قوالب ثقالات الورق.. وإذا ما أضفنا إلى ذلك تلك الحاجة الحيوانية بامتياز، الحاجة إلى الشرب بعد الأكل، فإنه سيكون بإمكاننا فهم أصل العقل الألماني.

العقل الألماني بحسب رؤية نيتشه عقل “منبعث من أمعاء كدرة” يمثل حالة من سوء الهضم، وهو تبعا لذلك لا يستطيع أن يحسم أية قضية، وفي الوقت ذاته لا يميل فيلسوفنا إلى المطبخ الإنجليزي أو حتى الفرنسي رغم ما يمثلاه من “عودة إلى الطبيعة”، ويفضل عليهما المطبخ البييمونتي(وهو إقليم إيطالي حدودي مع فرنسا).

يرفض نيتشه كذلك النباتية، وينصح كل صاحب موهبة عقلية بالابتعاد الكامل عن المشروبات الكحولية، أما وصفة الدايت النيتشوية المثلى فيورد فيلسوفنا ـ على طريقته ـ شذرات منها:

ــ وجبة ثرية أيسر هضما من وجبة غير كافية، فأن تنطلق المعدة في نشاط كلي، ذلك شرط أولي لعملية هضم جيدة.

ــ على المرء أن يكون عارفا بجحم معدته.

ــ لا أكل بين الوجبات، ولا قهوة، القهوة تعكر المزاج، أما الشاي فنافع في الصباح فقط، ومن الأفضل تناوله بكميات قليلة وأن يكون ثقيلا: إن الشاي يصبح مضرا ومجلبا للكدر طوال اليوم إذا ما كان خفيفا أكثر من اللازم.

ــ  تناول فنجانا من الكاكاو الثقيل الخالي من الدهون ساعة قبل الشاي.

ــ احرص على الجلوس أقل ما يمكن، ولا تثق في فكرة لا تولد في الفضاء المفتوح.

ــ المكان والمناخ أمران بالغا الأهمية في الحمية الغذائية، فتأثير المناخ على عملية الأيض مسألة هامة، بحيث أن اختيار مكانا غير مناسب للعيش كفيل لا أن يبعد المرء فقط عن حقل اهتماماته بل سيمنعها منه تماما.. إن خمولا صغيرا للأمعاء يكفي إذا ما تحول إلى عادة سيئة لأن يجعل من عبقري شيئا رديئا، فلنحصر الأماكن التي ظل يوجد بها على الدوام أناس من ذوي العقول الثرية، حيث التوثب والرهافة..سنجد أنها كانت تتميز بهواء جاف.

اهتمام الفلسفة بالحمية الغذائية قديم على نيتشه، يمتد إلى أفلاطون، الذي رأى فيها نوع من العلاج موجه إلى أصحاب الصحة العليلة، بعد أن بعُدت الشقة بالناس عن الحياة الخشنة التي كانوا يتغذون فيها على كل ما تستطيع أيديهم أن تقبض عليه، أي أن الحمية نشأت-وفق أفلاطون- في أزمان رخاء تغير فيها شكل حياة الناس بصفة عامة وصور طعامهم بصفة خاصة، بجانب ذلك فقد ادعى أفلاطون كون الحمية الغذائية ينبغي أن تقوم على الصرامة الأخلاقية، فالإنسان العاقل الذي يسعى لبناء جسد قوي وجميل ومعافاة “لن يركن إلى المتعة الحيوانية وغير المعقولة”، محذرا من “الإفراط الرياضي” في الحمية الذي ينجم عنه تكوين عضلي قوي جدا تزوى بداخله النفس، وفي الوقت نفس ينبه إلى “الإفراط المرضي” المرتبط بيقظة الفرد الدائمة لصحة جسده، وحساسيته تجاه أقل متغير يطرأ عليه.

تلك الرؤية الأفلاطونية خالفت تصور أبو الطب “أبو قراط”  القائل بأن الحمية نشأت مع الطب،أو أن بدايته كانت كحمية للمرضى، فالناس في الأصل، كما اعتقد أبو قراط، كانوا يتغذون بطريقة مشابهة لتغذية الحيوانات القائمة على اللحوم النيئة والنباتات غير المطبوخة، غير أن هذه الحمية لم تكن لتناسب إلا الأصحاء، أما الضعفاء فقد بحثوا عن حمية أكثر ملائمة لطبيعتهم، أي أن علم التغذية تبعا لهذه الرؤية تأسس كانحراف طبي لا كوسيلة معالجة كما صور أفلاطون.

قد تتمايز الرؤى الثلاث فيما يتعلق بالحمية الغذائية، لكن أفلاطون وأبو قراط كانا ليتفقا مع نيتشه في اعتبار أن الجهل بالمجال الفيسيولوجي خطيئة كبرى، ربما بدلت مسار حياة الفرد، وتسببت في إهدار طاقاته، وبذلك فالحمية أبعد من مجرد نظام غذائي، إذ هي الكيفية التي يعيش بها الفرد حياته، والقاعدة التي تتحدد على أساسها سلوكياته، والطبيعة التي يجب المحافظة عليها، إنها باختصار فن إدارة الحياة للاستفادة من طاقات الإنسان بالدرجة القصوى كخطوة على طريق “الإنسان الأعلى” كما طمح إليه نيتشه.

الوسوم

محمد السيد الطناوي

كاتب و باحث مصري Mohamed.altanawy1@Gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: