رؤى

«داعش» المتطرف .. و«داعش» الأكثر تطرفًا

عانى تنظيم «داعش» من انكسارات وهزائم ميدانية مؤلمة، وفقد الآلاف من عناصره، والعشرات من قادته، لكن ذلك كان أهون عليه بكثير من الخلافات «المنهجية» التي تنخر في عظامه.

من أهم هذه الخلافات الخلاف حول مسألة «العذر بالجهل» (هل يعذر الجاهل بصحيح الدين أم لا يعذر؟ حتى لو كان مسلما أو حتى مجاهدا أو قائدا أو أميرا). وقد تسببت هذه الخلافات في حدوث صراعات وانشقاقات كبرى تكاد تعصف بما تبقى من تماسك لتنظيم «داعش» في سوريا والعراق، وفروعه الجديدة في العالم.

 ومع أن التنظيم  يعاني من الخسائر الميدانية، إلا أن وقع ذلك أهون عليه بكثير من الصراعات «المنهجية» التي تعصف به، وينتج عنها النزاعات، والانشطارات، والتشظي.

لقد قارب أبو حفص الموريتاني، مفتي القاعدة السابق، الحالة التي يمر بها التنظيم الآن فقال، في تصريحات إعلامية: إن الانقسام الفكري، والتشظي العقدي، أخطر بكثير من  استنزاف التنظيم في قادته، وخسرانه أراض كان قد سيطر عليها.

يستحضر «الموريتاني» تجارب الجماعات «الإسلاموية» المسلحة التي لم ينهكها شيء بأكثر من الصراعات الفقهية حول مسائل التكفير ، وكيف تؤدي إلى الاقتتال الداخلي بعد أن تصل إلى القيادة العليا في تلك التنظيمات.

إنه يرى أن «داعش» يمر الآن بخلافات عميقة، ومتجذرة بين قطبين أساسين فيه، وصلت إلى أعلى المستويات، وخطورة هذه الخلافات أن طرفيها لا يريانها خلافات جزئية، ولا يريان أن الرأي بشأنها صواب يحتمل الخطأ أو خطأ يحتمل الصواب، وإنما يريان أنها حق وباطل، سُنّة أو بدعة.

 لذلك فإن كل طرف يتدين باستئصال الطرف الآخر، وهذا ما ظهر خلال الأشهر الماضية، التي عاش فيها التنظيم صراعات فكرية وعقائدية عميقة جدا، ترتبت عليها تصفيات وملاحقات واعتقالات وسجن وإقالات وغير ذلك.

وفي استشرافه لمستقبل التنظيم يقول أبو حفص الموريتاني: هو أمام أزمة خطيرة قد تقضي عليه، فهي ليست مرتبطة فقط بالنزاعات داخل التنظيم، والخسارات التي يتعرض لها وإنما في النزاع الداخلي بشأن موضوع التكفير، وهذه مسألة قد ينشأ بسببها حرب داخلية عنيفة تعصف بكيانه، وهو يقف الآن على أعتابها.

أبوحفص الموريتاني

في عددها رقم «85» الصادر في 14 يونيو، من العام الجاري، نشرت صحيفة «النبأ» التابعة لتنظيم «داعش»، مقالًا بعنوان «رموز لا أوثان»، وصفت فيه حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان، وعطية الله الليبي، القيادي في القاعدة، والذي لقي حتفه في غارة أمريكية، وأبو مصعب السوري، المنظر السلفي الجهادي، بـــ«المرتدين» .

بعدها نشر مناصرو التنظيم على شبكات التواصل الاجتماعي، تسجيل صوتي منسوب لأبي بكر البغدادي، زعيم «داعش»، بتاريخ 22 أغسطس «آب» من عام 2011م، وهو يرثي فيه «الليبي» ويصفه بـــ« العالم العامل المجاهد، صاحب العلم والوقار»، وهو أكد بقوة وجود تضارب فكري ومنهجي بين تيارين رئيسين في التنظيم.

لكن اللافت في المقال هو تحذير كاتبه من تقديس القيادات أيا كانت مواقعهم، في إشارة شبه صريحة لــ«البغدادي» نفسه موضحًا «فنحذر من ربط جماعة المسلمين بعقيدة شخص من الأشخاص أو سنته، مهما ظهر من صلاحه وتقواه، واتباعه للسنة، وبراءته من الشرك وأهله، ومهما كان له من فضل وجهاد وإمامة في الدين».

 بعدها توقفت جريدة «النبأ» «الداعشية الإلكترونية» عن الصدور –على غير العادة- نحو أسبوعين، ثم عادت لتنطلق بسياسة جديدة، وتغييرات في الشكل الإخراجي، وتحدث على أثر ذلك عدد من أنصار التنظيم على موقع التواصل «تليجرام» عن أن هناك تغييرات قد طرأت فتم تغيير الطاقم المشرف على صدورها بل واعتقاله.

وتسربت وثائق تكشف، تفاصيل المعارك الداخلية، بين تيارين داخل التنظيم  أولهما «التيار الحازمي»، نسبة إلى أحمد بن عمر الحازمي، المعتقل حاليًا في سجون المملكة العربية السعودية، والذي يعتقد في «عدم العذر بالجهل وتكفير المعين والعامي وتكفير من لم يكفره» والثاني تيار« البنعلية» نسبة إلى تركي بن علي، أحد كبار من يسمون بــ«الشرعيين» في «داعش»، الذي وإن لم يعذر بالجهل إلا أنه وضع ضوابط شديدة على تكفير من لم يكفر العاذر، وهى التي أسفرت عن انتشار القتل والاعتقال بين العناصر المنضمة لكل تيار.

وحسب الوثائق، فإن خلافات التنظيم اندلعت بين قيادات ما يعرف باسم «اللجنة المفوضة لإدارة الولايات»، وهى اللجنة التي كلّفها «أبوبكر البغدادي» زعيم التنظيم، في مايو الماضي، بإدارة التنظيم والإشراف على مناطق سيطرته في العراق وسوريا، بعد أن اختفى عن الأنظار نتيجة اشتداد الحملة العسكرية ضد تلك المناطق، وخوفه من السقوط في يد «التحالف الدولي».

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، فقد بعث «تركى البنعلي»، وهو مفتى التنظيم السابق، رسالة إلى «اللجنة المفوضة» يطالبهم فيها بالتوقف عن «التوسع في التكفير» وإصلاح الأخطاء التي ارتكبوها، وأرسل أبو مسلم الحسيني، وهو ابن عم «البغدادي» ومسؤول ما يعرف بـ«مكتب البحوث والدراسات» التابع للتنظيم،رسالة «شديدة اللهجة» لزعيم التنظيم، طالبه فيها بالتدخل لوضع حد للهزائم و«الانحرافات» المختلفة داخل التنظيم.

وقال «الحسينى» في رسالته، إن التنظيم سينهار على الفور، لأن القيادات الإرهابية، التي كلفها «البغدادي»، تكذب على الله ورسوله وتقول إنها أسست خلافة على منهاج النبوة.

وأضاف «الحسينى» قائلًا: «القيادات كانت تساوم سيدات التنظيم على أعراضهن مقابل المال، بالإضافة إلى أنهم تحرشوا بالسجينات داخل سجون التنظيم».

ومع ذلك فقد نجح «الحازميون» في إقصاء كبير شرعيي «داعش» تركي البنعلي، ودخل بعدها في جدال عنيف، بينه وبين قياداتهم، ثم قتل بعدها في قصف لطائرات التحالف، مما أدى بأنصاره باتهام خصومه بالإبلاغ عن مكان تواجده لقوات التحالف الدولي.

كما أسس أعضاء «اللجنة المفوضة» لجنة جديدة داخل التنظيم تشبه الشرطة السرية، عرفت باسم «لجنة الرقابة المنهجية»، مهمتها التفتيش على «عقيدة» عناصر «داعش» والتأكد من انتهاجهم الفكر التكفيري الإرهابي، ومن يثبت عليه مخالفة هذا الفكر تُصفّيه اللجنة أو ترسله إلى إحدى الجبهات المشتعلة ليُقتل على يد أعداء التنظيم.

وشنت تلك اللجنة حملة اعتقالات واسعة ضد قيادات التنظيم الأخرى؛ بحجة «الانحراف المنهجي»، وهو تعبير يستخدمه التنظيم للإشارة إلى تبني أي عضو فيه فكرًا خلاف المتفق عليه داخل التنظيم.

تعالت أصوات التيار «الحازمي» في منتصف العام 2014، إلا أنه قوبل بقمع شديد من قبل قادة التنظيم الذين كانوا يحكمون قبضتهم عليه في نفس الوقت، فاعتقل وقتل عدد من الأفراد والقادة، من ذوي الجنسيات المتعددة، على إثر إعلانهم عن تكفير «الظواهري»، و«الجولاني»،و«طالبان».

وكتب أحد أنصار التيار الحازمي بيانا في سبتمبر 2014، وقعه باسم «مصلحة التوحيد» وعنونه: «مناصرة الإخوة المأسورين في دولة الجهمية الكافرين»، في إشارة لـ«داعش» بعد أسر شيوخ هذا الفكر المذكورين واصفا دولة «داعش» بدولة الكفار والتجهم الملاعين. هكذا كانت التجربة الفاشلة بجوار مزايدات التكفير ومتتابعة الغلو والخروج ملمحا واضحا في هذا البيان التراشقي بين الحازميين و«داعش».

وبعد خطاب «البغدادي» الأخير والذي حمل عنوان «وكفي بربك هاديًا ونصيرًا»  والذي انحاز فيه لتيار «المنهجي» أو ما يسمي بالتيار الـــ«بنعلي»، فإنه من المتوقع أن يشهد التنظيم موجه جديدة من الانشقاق والتمرد قد يسفر عنها مفاجآت جديدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق