منوعات

أمين الرافعي .. الصحافة رسالة وليست تجارة

قال عنه المفكر الكبير محمود عباس العقاد رحمه الله: “لم تكن للفقيد آراء تحتمل الخطأ والصواب وإنما كانت له عقائد لا تترخص بشك، ولا تأذن في هوادة، وكان حد العقيدة عنده أن يجهر بالرأي، فما هو إلا أن يخالفه فيه المخالفون، حتى ينضح عنه، ويشتد في تأييده ويأخذ على المعارضين سبيل الشك في أصوله وفروعه، حتى يلتقي الرأي بالإيمان، ويمتزج اليقين والبرهان، وإذا بكل رأي كأنه دين ذو شعائر وفروض، لا تختل منها شعيرة ولا تمس منها فريضة، وإذا بنفسه كلها قد صبت قواها على الرأي فلا بقية فيه لسواه”.

وأضاف: “كان أمين رحمه الله مؤمنًا وكفى بالإيمان عزاء في شقاء الحياة، وكفى به شقاء في عالم الكفاح، فلولا إيمان الرجل لعز عليه الصبر على بلائه، فالإيمان عدوه والإيمان حليفه، ويالشقاء من يأتيه الكيد من حليفه الحميم، ويالسعادة من يأتيه العون من عدوه المبين”.

إنه أمين عبد اللطيف الرافعي أحد رواد الصحافة المصرية والحركة الوطنية، خاض معارك شرسة ضد الاحتلال الإنجليزي وضد استبداد القصر ورفع شعار “الصحافة رسالة وليست تجارة”، عصي على الإخضاع أو الترويض رغم ظروفه المالية الصعبة وذل السجن، وكان مؤمنا بأن الصحافة الحرة هي الطريق إلى الوطن الحر.

ولد الرافعي عام 1886، بمدينة الزقازيق وأكمل تعليمه بالإسكندرية، ثم التحق بمدرسة الحقوق، وهناك جذبته صاحبة الجلالة إلى عالمها.

في عام 1907، وكان صاحبنا لايزال طالبا في مدرسة الحقوق، قرر الاحتلال الإنجليزي إقالة ناظر “الحقوق” الفرنسي لامبير، وعينوا بدلا منه البريطاني هيل رغم أن القوانين المصرية مشتقة من القانون الفرنسي، فاحتج أمين وكتب مقالا حادا ضد “جنازة القانون في مصر”، انتشر المقال بشكل كبير بين النخبة ومنذ ذلك الحين صار الرافعي اسما مطلوبا في عالم الصحافة.

انضم الرافعي مبكرًا إلى الحزب الوطني، وقاد مظاهرات ضد الاحتلال الإنجليزي، ولم يمنعه تأثره بمصطفى كامل من أن يعمل سكرتيرًا مساعدًا للجنة المركزية لـ”الوفد” إبان ثورة 1919، لكنه سرعان ما انسحب من “الوفد” لاختلافه مع الزعيم سعد زغلول حول أسس التفاوض مع الإنجليز، ورفض عرض الأخير له بأن يكون السكرتير العام للجمعية التشريعية.

لم يحل اهتمامه بالسياسية وانشغاله في الحركة الوطنية بين ممارسة مهنته “الصحافة”، وصاغ ذلك في كلمة شهيرة قال فيها: “إن مهمتي الوحيدة أن أقول ما أعتقد وأن أقوله في الصحافة. وما خُلقت لأغنم مالًا أو جاهًا، بل خُلقت لأدعو الناس وأرشدهم عن طريق الصحافة إلى الوطنية والفضيلة والإيمان”.

حينما أُعلنت الحماية البريطانية على مصر في نوفمبر من عام 1914، كان الرافعي يرأس تحرير جريدة “الشعب”، وفرض الاحتلال على جميع الصحف نشر إعلان الحماية، اجتمع أمين مع شقيقه عبد الرحمن الرافعي المحامي والزعيم الوطني وعبد الله طلعت مدير تحرير الجريدة، واتفقوا على عدم نشر القرار رغم حصار البوليس الانجليزي لمقر الجريدة.

أملى الرافعي على عبد الله طلعت قرار الاحتجاب، وجاء فيه :” قررنا نحن أمين وعبد الرحمن الرافعي وعبد الله طلعت احتجاب جريدة الشعب ابتداء من اليوم 27 نوفمبر عام 1914، وذلك لعدم نشر بيان الحماية المشئوم واحتجاجا من “الشعب” على الحماية البريطانية وعلى ذلك نوقع”.

عبد الرحمن الرفعي

كان هذا الاحتجاب هو أول احتجاج من مصر على الحماية البريطانية وقد وقع في الوقت الذي بلغت فيه صحيفة الشعب ذروتها من حيث الانتشار والرواج والمكانة الصحفية، إذ كانت أوسع الجرائد انتشارا وكان الجمهور يتلقفها بلهف كبير ليعرف منها أخبار الحرب العالمية ويتحسس فيها اتجاه الحركة الوطنية، فكان إيقاف صدورها تضحية كبيرة، بحسب ما كتب عبد الرحمن الرافعي في كتابه “ثورة 1919”.

وعقب نشر قرار الحجب اقتحم البوليس الحربي مقر الجريدة واعتقل أمين وعبد الرحمن الرافعي وعبد الله بك طلعت، وعندما خرج أمين من السجن طلب منه السلطان حسين كامل إعادة إصدار الجريدة وعرض عليه مبلغ 5000 جنيه، رفض الرافعي إعادة الإصدار ورفض هدية السلطان رغم إنه لم يكن يملك سوى 10 قروش في جيبه.

ثم كانت حملته الشديدة على تصريح 28 فبراير 1922، وهو التصريح التي أعلنت فيه بريطانيا إنهاء الحماية على مصر، وأن مصر “دولة مستقله ذات سيادة”، لكنها احتفظت بحق تأمين مواصلات امبراطوريتها في مصر، وحقها في الدفاع عنها ضد أي اعتداء أو تدخل أجنبى، وحماية المصالح الأجنبيه والأقليات فيها، وابقاء الوضع في السودان على ما هو عليه.

فهاجم الرافعي من خلال جريدة الأخبار التي ابتاعها في 1920 التصريح لما تضمنه من تحفظات وصفها بأنها “ضمانات تهدم الاستقلال وتعطي إنجلترا سلطة مطلقة للحيلولة الصريحة بين مصر وبين التمتع بحقها في الاستقلال، بل هو قضاء فعلى على مبدأ السيادة التي تتظاهر إنجلترا بالاعتراف بها لمصر”.

وحينما تشكلت لجنة “الثلاثين” لوضع الدستور، بمرسوم من رئيس الوزراء عبد الخالق باشا ثروت عام 1922 وعين لها حسين باشا رشدي رئيسا، نادى الرافعي من منبر “الأخبار” بأن من حق الأمة أن يكون لها دستور تضعه بواسطة هيئة تأسيسية ودافع عن هذا الحق دفاعا مجيدا.

سعد زغلول وعبد الخالق ثروت

وعلي صفحات “الأخبار” كتب الرفعي سلسلة مقالات نارية تحت عنوان: “الوطنية ديننا والاستقلال حياتنا”، وعندما أصدر الملك فؤاد مرسوما بحل مجلس النواب بعد حادث مقتل السردار سيرلي ستاك نهاية عام 1924 كتب الرافعي سلسلة مقالات اعتراضا علي قرار الملك، مطالبا النواب بالاجتماع بدون دعوة الملك وكان لدعوته أثر كبير في تشجيع النواب، وبالفعل عقد البرلمان جلسته التاريخية بفندق “الكونتنتال” في يوم: 21 من نوفمبر 1925م وكسبت الأمة عودة الحياة النيابية بقوة إرادتها واستماعها إلى دعوة أمين، وقد كتب مقالا بهذه المناسبة ختمه بقوله: «لقد انعقد البرلمان في الكونتنتال بين سمع الحكومة وبصرها فكان لهذا العمل أثران في نفسي: الأول سروري بإنقاذ الدستور والثاني ارتياح ضميري ارتياحا يشعر به كل من وفقه الله إلى دعوة صالحة كتب لها التحقيق بنجاح».

وفي ديسمبر عام 1927، توفى أمين الرافعي وهو في مطلع الأربعينات، فإذ بجنازته تتحول إلى جنازة شعبية شارك فيها خصومه قبل رفاقه وأصدقائه من أدباء وكتاب ومفكرين وسياسيين، ذلك لأن “هذا الرجل الذي بذل دمه قطرات قطرات في سبيل مصر لم يأخذ من المناصب والجاه والمراتب والمال قليلا ولا كثيرا، بل خرج من دنياه عريانا” وفقا لما قاله حافظ إبراهيم شاعر النيل في رثائه.

قضى أمين معظم سنوات حياته القصيرة في معارك الدفاع عن استقلال الوطن وحرية الصحافة، وبعد أكثر من نصف قرن علي رحيله كرمه الرئيس الراحل أنور السادات إبان الاحتفال بالعيد الاربعين لنقابة الصحفيين في مارس عام 1981 وذلك بمنح اسمه “قلادة الجمهورية”.. اعترافاً بعظيم فضله علي مهنة الصحافة وعظيم دوره في النضال الوطني.

جرافيك: عبد الله محمد

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق