دار الكتب

التصوف الإسلامي… هل الروافد مسيحية؟ (1)

ربما للمرة الأولى أقرأ كتابا يحذر مترجمه في مقدمته من الانسياق وراء العبارات البراقة التي ينقلها المؤلف عن مشاهير الصوفية، وما تثيره هذه العبارات من خوف ورعب في النفس، بدعوى أن الله تعالى ما خلق هذا العالم لكي نشقى به كما لم يكتب علينا إسلامنا الحنيف تعذيب النفس وتجويعها أو اعتزال الأمة والانصراف عن مشاكلها.

يكشف المترجم الدكتور عدنان عباس عن تردده في ترجمة كتاب “التصوف الإسلامي” لكاتبه المستشرق السويدي تور آندريه، بعد وصفه بــ”المهم والشيق” لأمر يتصل بالسؤال عما إذا كنا، نحن العرب خاصة، بحاجة إلى الأدبيات الصوفية في ظرفنا الراهن المتردي.

بدا أن المترجم يحمل ميراثًا سلبيا ثقيلا تجاه الصوفية إذ يتحدث عن الواقع الذي ليس فيه ثمة ما يدعو للإسهاب في القول بأن التصوف ما كان ولن يكون أبدا، على ما نعتقد، طريق الخلاص من وضعنا المتردي.. فهو طريق استسلامي يشجع على استكانة المشاعر وانهيار القوى في وقت نحن فيه في أمس الحاجة للروح الوثابة والمشاعر الثائرة والفكر النير والحلول التي تخلصنا من مشاكل التخلف التي ترزح تحت وطأتها.

لدى المترجم مفهوم منقوص لحد كبير عن الصوفية والتصوف، ويظهر أنه وقع في تصور إحدى تمظهرات الصوفية، دون أن يلم بصورتها الكلية، فهي وإن وصفت بالانسحاب في حقب معينة إلا أنها وصفت بالتفاعل والاندماج والتصدي للغزاة في حقب أخرى.

ويمارس المترجم نوعًا من الوصاية المسبقة على قرائه، بعد أن يحذرهم من الانسياق وراء العبارات البراقة للمتصوفة، فيوصي القارئ أن يكون فطنًا لما يقرأ، واعيًا لما يعرض أمامه، ناقدا لما يقدم له، حذرا من الانسياق وراء كل ما هو تراثي أو سلفي، لا سيما أننا نعيش في عصر غدا فيه  البعض يرى في كل أقوال السلف بلسما يشفي من الجراح التي أثخنت جسم الأمة وعصفت بروحها “وفق المقدمة”.

يأخذ المترجم على الكاتب أنه ترك أقطاب التصوف يعبرون عما يجيش في خواطرهم، كاشفين بذلك عن ملامح صورهم وخفايا سرائرهم، إلا أن ما يراه المترجم عيبا يراه البعض تحررا وحيدة من الكاتب في أن يترك القارئ مع المصدر مباشرة يفهمه كما يشاء.

في فصله الأول يتحدث آندريه عن التصوف والمسيحية، فيطرح سؤالا حول بدايات التصوف الإسلامي ومصادره.. يبدو السؤال سهلا جاوب الكثيرون عليه، إلا أن الكاتب يكشف عن أن هذا السؤال كان أشد الأسئلة قاطبة إلحاحا عليه طيلة دراسته للتصوف.

كان ثمة اعتقاد أن نبتة ريانة مثل التصوف لا يمكن أن تنمو بهذه السهولة على أرض الإسلام، لذا أشار بعض الباحثين إلى الفرس الذين كان لديهم، على ما يقال، ميل شديد إلى التدين الصوفي يسري في عروقهم، وأشار بعض آخر إلى الهند وما ولدته من آثار، وعلى وجه الخصوص إلى البوذية وديانة الفيدا، وتوجه آخرون بأنظارهم إلى صوب صوفية الأفلاطونية الجديدة التي كان بالإمكان دراستها والتعلم منا لتوفر مصادر عربية بشأنها.

المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون

يضيف آندريه: إلا أن دراسات ماسينيون المتألقة سرعان ما طوت هذه الظنون غير المحددة وتجاوزتها، فقد بين أن التصوف نما وترعرع على أرض الإسلام بصفته روحا من روحه وكلمة من كلمته، وأن التجربة الصوفية بزغت وارتقت بسرعة وشقت طريقها بالدراسة المتواصلة والدؤوبة للقرآن مستقية منه مصطلحاتها ومفاهيمها وآخذة عنه قواعدها وما تطرحه هذه القواعد من مسائل على بساط البحث.

إلا أنه يرى أن الدارسين كانوا على حق عندما اتفقوا على أن قواعد التعبد الصوفية يمكن أن تعتبر، نوعا ما، عملية نقل لقواعد التعبد التقشفي، ديانة الرهبان التي كانت سائدة في الكنائس السورية آنذاك، إلى اللغة العربية وإلى عالم الفكر العربي.

يبدأ الكاتب في محاولات البحث عن روابط بين التصوف والرهبنة المسيحية، وبينما يعترف بتوافر المؤمنين على قرآنهم وأنهم لم يكونوا بحاجة لكتب النصارى إلا أن هذا لا يعني طبعا أن عرى الاحتكاك كانت قد انفصمت، فالفتح العربي عامل السكان المسيحيين برفق كبير في البلدان المفتوحة، ولم يكن هناك أي شيء يمكن أن يثير شكوى الكنائس المسيحية، وقد دفع هذا الأمر رئيس الكنيسة النسطورية إلى أن يكتب في عام 650م: (إن هؤلاء العرب لا يحجمون عن محاربة المسيحية فحسب، إنهم يكبرون ديننا ويثنون عليه ويحترمون قسسنا ورجالنا المقدسين ويقدمون الهدايا لأديرتنا وكنائسنا)… وما من شك في أن هذه الشهادة غير المتوقعة التي تؤكد على معاملة الفاتحين للقسس والرهبان معاملة إيجابية متميزة لم تكن من محض الخيال وإنما هي حقيقة واقعة “وفق أندريه”.

ففي مصر  أعفى الرهبان عمليًا في بادئ الأمر من دفع الضرائب العامة ومن ضريبة الجزية، لقد انسجمت هذه السياسة انسجاما كليا مع مبدأ الرسول الأساسي الذي استمد من الآية القرآنية ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا قالوا إنا نصاري ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون).

يسترسل المؤلف: هكذا عاش المسيحيون والمسلمون بسلام ووئام زمنا طويلا، وفي بادئ الأمر كان الفاتحون لا يزالون غير متمدنين، وبالتالي فقد كان لزاما عليهم أن يتعلموا خطوة خطوة من النصارى لتثبيت أقدامهم في مناطق نفوذهم الجديدة ولإدارة شؤون هذه المناطق، وأنه لأمر طبيعي أن يتعرفوا على ديانة هذه البلدان.

رويدا رويدا يقترب أندريه من فكرته: ففي الحافة، على الحدود الفاصلة بين المناطق المأهولة بالسكان والجبال، كان يقطن الزاهد المسيحي في صومعته الحجرية، وفي الحالات العادية كان هذا القديس يعتزل الناس وينفر منهم بفظاظة وكأنهم من الطيور الجارحة، ولكن من يحالفه الحظ كان بوسعه مشاهدته وهو يطل من فتحة مغارته، وبشعور يشوبه الاحترام والفضول كان البعض يناديه ويحاول محاورته، ولكن يا ترى ما الهدف الذي كان يسعى هؤلاء البشر إلى تحقيقه بحياته الغريبة هذه؟ إننا نسمع مرارا قصصا عن محاورات تجري بين راهب أو زاهد وبين أحد المؤمنين، ومن الطبيعي أن تكون ثمة صعوبة في التمييز بين الراهب والزاهد ذلك لأن كلمة راهب كانت تطلق في بعض الأحيان على الزهاد المسلمين أيضا.

يحاول الكاتب أن يربط بين الراهب المسيحي والزاهد المسلم ويكمل: بيد أن هذه التسمية كانت تستخدم دائما مجازا فالراهب بالمفهوم الضيق ظاهرة غير عربية وغريبة عن العرب، إذ إنه كان يرتبط بالمسيحية، وعلى ما أرى لم يطلق الزهاد المسلمون على أنفسهم هذه التسمية أبدا، لقد أطلقها عليهم آخرون لفت أنظارهم، على وجه الخصوص، أوجه شبه بين مجاهدات هؤلاء الزهاد وأسلوب حياة الراهب المسيحي، فسمي أبو بكر ابن عبدالرحمن (راهب قريش)بسبب إقباله الكثير على الصلاة وأطلق اسم (راهب العرب) على مالك بن دينار، كما دعي كعب الأحبار بــ(حبر العرب).

يذهب تور إلى مساحات الاستدلال والبرهنة على صحة نظريته تلك: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، منهم الأسود بن يزيد، كان مجتهدا في العبادة، يصوم حتى يخضر جسده ويصفر، وكان علقمة بن قيس يقول له: لم تعذب هذا الجسد؟ فيجيب: راحة هذا الجسد أريد، فلما احتضر بكي فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: ما لي لا أجزع ومن أحق بذلك مني، والله لو أتيت بالمغفرة من الله عز وجل لهمني الحياء منه مما قد صنعته.. حدثتنا عبدالله بن محمد قال: ما كان الأسود إلا راهبا من الرهبان).

فمرة يأتي وصف المسلم الزاهد بالراهب في موضع الذم ومرة أخرى يأتي في موضع المدح. يفسر تور ذلك بقوله: بسخط يذكر البعض لبس رداء الصوف معترضين عليه على أنه عادة غريبة عن الإسلام، فعندما حضر عبد الكريم أبو أمية لزيارة أبي العالية مرتديا الصوف، لم يكن من أبي العالية إلا أن قال لضيفه: (هذا زي الرهبان، إن المسلمين إن تزاوروا تجملوا).. من هنا يتبين أن مصطلح راهب كان يستخدم كنقيض للمؤمن وبالتالي فإنه كان يشير بالدرجة الأولى إلى الراهب أو الزاهد المسيحي، أما إذا أطلق على أحد المؤمنين، فإن الغرض منه كان المقارنة المتعمدة الواعية سواء بالمعنى المحبب أم بالمعنى المستهجن مع ظاهرة غريبة عن الإسلام ضمنيا.

يبهرنا تور بكشفه عن قراءاته لمئات الكتب التراثية للإسلام فيخرج بتلك المقطوعة: تبين دراسة المادة الزاخرة التي تحتوي عليها المجلدات العشرة التي دبجها يراع أبي نعيم تحت اسم حلية الأولياء والتي ترجم فيها لحياة الأولياء وأقوالهم أن مصطلح راهب لم يطلق كمصطلح عام على الزهاد ألا في حالات استثنائية، فها هو ذو النون يصفهم بأنهم قديسون بلغوا درجات الكمال، يستغفرون ربهم قبل أن يذنبوا ويثابون قبل أن يطيعوا (هم رهبان من الرهبانيين، وملوك في العباد وأمراء في الزهاد للغيث الذي مطر في قلوبهم المولهة بالقدوم إلى الله شوقا).

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: