رؤى

عندما طار الحصان ..

في العام 1872 كان ليلاند ستانفورد قطب صناعة السكك الحديدية الأمريكية على موعد مع حلم  خارق من تلك الأحلام  التي يؤرخ بها.

ستانفورد رجل الحديد كان مشغولًا ـ ويا للمفارقة ـ بعالم الخيول، وقد بلغ ولعه بالخيول مبلغًا عجيبًا، فقد جمع ذات ليلة أصحابه وقال لهم: إن الحصان يطير!

ليلاند ستانفورد

كان من البديهي ألا يصدقه أحد، فبدأ في بسط رؤيته لعله يفلح في جذب أحدهم لصفه.

قال: في لحظة ما من لحظات ركض الحصان لا تلامس قوائمه الأرض، فيصبح كأنه طائر خرافي يسبح في الفضاء.

لحظة الطيران تلك لاحظها ستانفورد وحده ولكنه لم يكن يمتلك دليلًا ماديًا يثبت به صحة كلامه.

اشتعل الجدال بين الرجل وبين أصحابه حتى أنه راهنهم بمبلغ خرافي، لقد راهن بخمسة وعشرين ألف دولار على أن الحصان يطير.

ملك حلم إثبات الطيران قلب الرجل فجاء بأبرع مصوري زمنه لكي يلتقطوا صورًا للحصان وهو يركض بأقصى سرعة له.

لم يحالف الحظ مصورًا من المصورين، لقد فشلوا جميعًا في التقاط الصورة التي تسيطر على أحلام  ستانفورد، ثم ظهر في المشهد المصور الإنجليزي إدوارد مايبريدج  الذي كان يعيش في نيويورك.

مايبريدج كان مؤمنًا بصحة كلام  ستانفورد، ولذا عمل على تحقيق حلمه بالتقاط صورة لحصان طائر.

استغرقت تجارب مايبريدج خمس سنوات كاملة، وفي العام 1878 قرر المصور الحالم استخدام اثنتي عشرة كاميرا لتصوير حصان يجري، ثم زاد العدد إلى أربعين كاميرا جعلها صفًا واحدًا وجعلها تلتقط الصور بشكل متتابع  وأخيرًا حصل  ما يبريدج على فيلم قصير مدته  خمسة عشرة ثانية لحصان  لا تلامس أقدامه الأرض وهو يركض.

قصة حلم ستانفورد ستخترق الزمان وتعبر الحدود حتى تصل إلى قلب  أحمد زويل.

استوطنت قصة “الزمن” قلب زويل فراح يحلم بتفتيت تلك اللحظة، لحظة الطيران ذاتها.

في البداية كان الحلم يبدو مستحيلًا، فوحدات قياس الزمن كانت قد استقرت على كون “البيكو ثانية ” هى أصغر وحدة عرفها العقل البشري.

في كتابه “عصر العلم” يقول زويل: إن البيكو ثانية تساوي جزءًا من ألف بليون جزء من الثانية (الرقم واحد مقسومًا على الرقم واحد وأمامه اثني عشر صفرًا).

هل يتمكن العقل البشري من تفتيت هذه الوحدة ؟

إن الذي التقط صورة لحصان يطير يستطيع فعلها، هكذا قال زويل لنفسه.

بدأ زويل يسعى خلف حلمه، كان يطارد الحلم حتى في أشد لحظات حياته خصوصية.

في الكتاب ذاته يقول زويل: عندما تزوجت جئت إلى مصر لقضاء أيام العسل، نزلت وزوجتى في فندق يطل على النيل، كنت في ساعة العصر أجلس شاردًا في الشرفة، جاءت زوجتى وسألتني متدللة شأن أى عروس: فيما تفكر ؟

كان من اللائق أن يرد عليها قائلًا: أفكر في طريقة أسعدك بها  يا حبيبتي.

زويل المطارد لحلمه قال لزوجته: أفكر في مجموعتي البحثية.

هذا التبتل في محراب الحلم، سيقود زويل إلى اكتشاف سيجلب له نوبل وغيرها من أرقى الجوائز العلمية.

في العام 1999 سيتوج زويل بنوبل، وذلك بعد مرور مائة وواحد وعشرين عامًا على حلم ستانفورد، لقد حقق زويل حلمه  الذي سنعرفه بـ  “الفمتو ثانية” إنها تلك الوحدة التي تساوي جزءًا من مليون بليون جزء من الثانية (واحد مقسومًا على واحد أمامه خمسة عشر صفرًا).

في معظم محاضراته التي ألقاها بعد حصده لنوبل كان زويل حريصًا  على الإشارة إلى منبع حلمه، حيث رهان ستانفورد  على أن الحصان يطير.

لقد قرأ زويل حلم ستانفورد على وجهه الصحيح وعمل على تجاوزه فكان له ما أراد، لأنه أدرك منذ البداية أن العالم العظيم ما هو إلا حالم كبير.

الوسوم
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: