منوعات

الكوميديا كسلاح فعال في خدمة قضايا المرأة

لا يوجد سلاح أقوى من الضحك؛ هذا ما يؤكده بقوة الجدل المثار حاليا بشأن الانتقادات الفجة التي وجهتها الممثلة الكوميدية، ميشيل وولف، في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض 2018، الذي عقد في نهاية الشهر الماضي.

تأتي هذه الانتقادات التهكمية ضمن سلسلة طويلة ونماذج متعددة تكشف بعمق عن مدى القوة التي ينطوي عليها الضحك الجمعي. تقول الروائية الكندية، مارجاريت أتوود: “إذا كانت النساء تخشى من أن يقتلهن الرجال، فإن الرجال يخشون من أن تسخر منهم النساء”. لذا تعمد النزعة الذكورية دائما إلى إبراز النساء في صورة نمطية على أنهن ثقيلات الظل، ومفتقرات إلى روح الدعابة.

لكن ماجي هنيفيلد، أستاذ الدراسات الثقافية والأدب المقارن في جامعة مينيسوتا بالولايات المتحدة الأمريكية، تؤكد في كتابها Specters of Slapstick and Silent Film Comediennes (أشباح كوميديانات أعمال الكوميديا الهزلية والأفلام الصامتة) أن هذا الطرح أبعد ما يكون عن الحقيقة، ويكذبه التاريخ.

فمن الأفلام الصامتة في بداية القرن العشرين، ومرورا بالبرنامج الساخر Full Frontal الذي تقدمه سامنثا بي، وعروض ’استاند اب كوميدي‘ التي تقدمها واندا سايكس، ومارجاريت تشو، وتيج نوتارو، ووصولا إلى الميمات المرحة واللافتات خفيفة الظل التي ترفعها المحتجات في المسيرات التي تسخر من الشراسة الذكورية، كان الضحك الجماعي المبهج، ولا يزال، وسيلة مهمة لدعم المرأة، والحشد من أجل قضاياها.

يعمد الكتاب، الذي نُشر في نهاية مارس 2018 عن مطبعة جامعة كولومبيا، ويقع في 384 صفحة من قطع الوسط، إلى منهجية تاريخية تحليلية للتأكيد على فكرة أن التهكم العميق والكوميديا الثرية الهادفة كانتا سلاحا مهما منذ السنوات الأولى من عمر الحركة النسوية، وأن الدعاية المناهضة للحركة النسوية تعمد سواء في الوقت الحالي أو على مدى تاريخ النضال النسوي إلى ترويج ما تصفه هنيفيلد بـالخرافة الكبرى التي تتمثل في أن الرغبة في الحصول على حقوق متساوية والتمتع بالحس الفكاهي أمران متعارضان بشكل ما.

وتشير الكاتبة إلى أن الكوميديا قد تبدو في ظاهرها شكلا من أشكال الرعونة، وضربا من الهذيان، إلا أنها في أغلب الأحيان تنم عن عنف مفرط، وربما بذاءة فاضحة. لكن يبقى دائما خط دقيق فاصل بين الانفعال والإهانة. وعلى مدى التاريخ، يمثل دور “المهرج” اختبارا لهذا الحد الفاصل، أو لشعرة معاوية التي تتغير عبر الأزمان، لا سيما في اللحظات التاريخية التي تشهد فورات اجتماعية أو سياسية.

ويعبر اللغط الذي أثارته مؤخرا انتقادات وولف الحادة في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض عن شكل مهم من أشكال الخلط بين المحظور الاجتماعي، الذي تجري عليه سُنن التغيير، والمحظور القيمي، الذي يتسم باللازمنية.

وقد استخدمت النساء، وضحايا التفرقة العنصرية، والكثير من الأقليات والمقهورين في العالم على مدى التاريخ سلاح الكوميديا التهكمية بفاعلية لخدمة أهدافها الاجتماعية والسياسية، ولمقاومة السلطة والثقافة المهيمنة بطريقة رمزية تجنبها عواقب المواجهة المباشرة. في هذا السياق تقول الكاتبة والناشطة الأمريكية، ليندي ويست، في مقال مهم  بعنوان How to Make a Rape Joke (كيف تؤلف نكتة عن الاغتصاب): “هناك فرق بين نكتة عن نساء يتعرضن للاغتصاب، ونكتة عما تسببه ثقافة الاغتصاب، التي تتضمن نكاتا عن الاغتصاب، من شعور بالمرارة للنساء”.

وفقا لهذه الرؤية، فإن شيئا لا يقع خارج نطاق الكوميديا التقدمية، أو يستعصي عليها، ولا حتى الاغتصاب؛ “ما يهم فقط هو من سيصبح – في نهاية المطاف – موضعا للانتقاد والتهكم: الضحية أم الجاني”. وبغض النظر عن هوية الممثل الكوميدي، فإن النكتة التي تتجاوز حدود المقبول، أو تغامر باستغلال قضيتها بدلا من خدمة أهدافها أو الحشد من أجلها، ستصادف بطبيعة الحال آذانا صماء.

وتشير هنيفيلد إلى أن الضحك لا يكون دائما أمرا طوعيا؛ “فالضحك – في نهاية المطاف – أمرا لا إرادي يحدث رغما عنا كرد فعل على مشاهد أو أفكار تثير داخلنا قدرا من التشويش أو الارتباك”. وبعبارة أخرى، نحن نضحك عندما لا نكون متأكدين تماما من مشاعرنا حيال أمر ما؛  ما يعني أننا لا نتحكم دائما في العواقب الاجتماعية لضحكنا، حتى لو كان ذلك ضد رغبتنا.

ولا يقف دور الكوميديا عند حدود معالجة التغيرات الاجتماعية فحسب، وإنما يتجاوزها إلى استدعاء هذا التغيير. فعلى سبيل المثال، يشير المشهد الكوميدي المحوري لسقوط ماري جين (الممثلة لورا بايلي) من المدخنة بعد انفجارها، في الفيلم الكوميدي البريطاني الصامت Mishap، الذي عرض لأول مرة في عام 1903، بقوة إلى رغبة عميقة لدى النساء في التحرر من أتون العمل المنزلي اليومي والخروج إلى فضاءات إجتماعية أخرى.

وكما يميز مقال ويست بين ’النكات التي تستهدف الاغتصاب‘، و’النكات التي تستهدف ثقافة الاغتصاب‘، فإن فيلم Mishap يستهدف استعباد المرأة في الأعمال  المنزلية، ويسعى إلى السخرية اللاذعة من العنف ضدها، وذلك من خلال عرض هذه الأشياء في عمل من أعمال الكوميديا الهزلية.

وتؤكد الكاتبة أن تغيرا جذريا لم يطرأ على ثقافة الاحتجاج النسوية منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حتى يومنا هذا، حيث تمثل وسائل الإعلام  في كل عصر “مكونا نابضا بالحياة من خيالنا الجمعي وأداة فعالة لمقاومتنا الأيديولوجية”؛ وتخلص إلى أنه “برغم  التغيرات التي طرأت على قضايا المرأة بدءا من حق التصويت، ومرورا بحق الإجهاض، ووصولا إلى حركة #MeToo المناهضة للتحرش الجنسي، إلا أن شيئا واحدا بقي على حاله دون تغيير، هو توظيف الضحك كسلاح سياسي فعال في خدمة قضايا المرأة”.

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق