رؤى

عبد الله النديم.. رسالة المتمرد الأخيرة

«إنك أنت أمير المؤمنين القادر على الانتقام بلا معارض، ولكننا سنقف بين يدى عادل قاهر يقضى بيننا بالحق، هو خير الحاكمين»، كانت تلك رسالة التمرد الأخيرة التي بعث بها عبدالله النديم مؤذن الثورة العرابية وخطيبها من منفاه في الأستانة إلى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، عام 1895.

كانت الأستانة هي المحطة الثانية التي رسى فيها قطار منفى النديم بعد محطة يافا، وهناك توقف القطار إلى الأبد، إلا أن حمولته من تمرد على الاحتلال والتغريب ومقاومة للاستبداد والتخلف وانتصار لحرية الصحافة، انتقلت إلى جيل جديد تسلم راية الحرية من النديم ورفاقه.

ولد عبدالله بن مصباح بن إبراهيم النديم الإدريسى الحسني في الإسكندرية عام 1843، في أسرة متوسطة الحال ألحقه أبيه بـمسجد إبراهيم بالإسكندرية ليتلقى العلوم الدينية، لكنه اهتم بالآداب ونبغ فيها فكتب الشعر والزجل وتميز في المناظرات المرتجلة الساخرة.

كان النديم من أوائل من تعلموا حرفة “التلغراف” كصنعة يتعيّش بها، وعمل في مكتب تلغراف بنها، ثم انتقل إلى مكتب القصر العالي حيث تسكن الوالدة باشا أم الخديوي اسماعيل، في عام 1862.

في القاهرة اختلط النديم بعالم الأدب والفن والثقافة، وأخذت شهرته تذيع بين الأدباء، إلا أن إقامته لم تطل بالقاهرة فقد اصطدم بـ”خليل أغا” القوي صاحب النفوذ في قصر الوالدة باشا فأمر بفصله.

رحل النديم بعد ذلك إلى الدقهلية وافتتح متجرا بالمنصورة، ولم تستمر إقامته هناك طويلا، فتجارته خسرت بسبب تحويل دكانه إلى مجلس لرجال الأدب وطلاب العلم، فعاد إلى القاهرة وتعرف على الشيخ جمال الدين الأفغاني وكان الأخير زبونا دائما في قهوة متاتيا، وضم مجلسه عددا كبير من الشباب المثقف المسيس منهم أديب أسحق وسليم نقاش، ومحمود سامي البارودي ومحمد عبده وسعد زغلول ورشيد رضا.

بعد أن توطدت علاقة النديم بمجموعة قهوة متاتيا أشار عليه الأفغاني عام 1879 بالعودة إلى الإسكندرية والمشاركة في تحرير جريدة “مصر”، وكتب فيها النديم سلسلة من المقالات الحماسية الرافضة للتدخل الأجنبي وسياسات الخديوي إسماعيل، ثم شارك في تحرير جريدتي “الصباح” و”التجارة”، وسرعان ما انضم صاحبنا إلى “مصر الفتاة” وكانت جماعة سرية رفعت لواء “الإصلاح الوطني والدستوري”، لكنه تمرد عليها ودعا إلى أن يكون نشاطها علنيا، وكان ذلك من أسباب انفصاله عنها.

شارك بعد ذلك في تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية، حتى صارا مديرا لمدرستها، وأنشأ فريقا للمسرح بالمدرسة، قدم عدة عروض منها “الوطن وطالع التوفيق”، ونظرا للنجاح الذي حققته المسرحية حضر الأمير عباس حلمي الذي صار الخديوي فيما بعد أحد عروضها.

في صيف عام 1881 أصدر النديم «التنكيت والتبكيت» وهي صحيفة أسبوعية انتهجت خطا وطنيا واضحا وأسلوبا ساخرا ناقدا لسياسات الخديوي توفيق ورئيس وزرائه رياض باشا، وقد تواكب صدور الصحيفة مع أحداث الثورة العرابية فكان من الطبيعي أن ينضم النديم إلى صفوف الثورة العرابية ويساند أهدافها الوطنية وقد وجد العرابيون فيه سندا لهم بكتاباته الوطنية الحماسية، وصارت صحيفته الأكثر توزيعا في مصر.

انتقل النديم إلى القاهرة ليكون في قلب الأحداث والتقى بأحمد عرابي زعيم الثورة وصارت صحيفته لسان حال الثورة، وحتى تتلائم الصحيفة مع الحالة الثورية غير النديم أسم الصحيفة إلى «اللطائف» وأصدرها من القاهرة، وخلال أسابيع قليلة تحولت “اللطائف” إلى صحيفة مصر الأولى، وصار النديم خطيب الثورة العرابية وأثرت خطبه في الكثير من الناس وبايع عدد كبير من الأعيان والفلاحين عرابي على الثورة.

وفي 9 سبتمبر 1881 كان النديم هو المدني الوحيد الذي شارك العرابيين في الزحف على قصر عابدين، واضطر الخديوي تحت الضغط إلى إقالة رياض باشا وتعيين محمد شريف باشا بدلا منه وتعيين محمود سامي البارودي وزيرا للجهادية، في تلك الأثناء جاب النديم قرى مصر وكفورها ونجوعها للتبشير بالثورة، “لا يمر عليه يوم إلا ويلقى فيه ثلاث خطب أو أربعا، فى الشوارع والسرادقات، فى المدن والبنادر والقرى، ناجحا جدا مع العمال والفلاحين والبسطاء، يفتح لهم قلبه، ويهز أكتافهم ويعلمهم الكلمات، مستعينا بكل تجارب حياته بينهم، وذاكرته الحساسة التى تلتقط طباعهم وتدرك أمزجتهم، مستخدما كل أدوات التمثيل والتهريج والإلقاء، ثم هو لا يكتفى بنفسه، فيجمع تلاميذه يعلمهم الخطابة ويجعل منهم فرقة دعاية لا نظير لها، تطوف معه الأقاليم، لتساعده فى نشر الدعوة”، بحسب ما كتبه الأستاذ أحمد بهاء الدين في “أيام لها تاريخ”، متسائلا ” أليست هذه أول حملة دعاية عرفتها مصر؟”.

عُزل محمد شريف باشا نتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة، وتم تعيين محمود سامي البارودي رئيسا للوزراء، وتولى عرابي حقيبة “الجهادية”، وهو ما اعتبرته انجلترا تحدي لرغباتها.

وفي صيف 1882 غزا الإنجليز مصر وأجهضوا الثورة العرابية، ونصبت سلطات الاحتلال المحاكم العسكرية للثوار ونفت منهم من نفت وأعدمت من أعدمت وجاء الدور على النديم فلفقت له تهمة الاشتراك في حرق الإسكندرية وصدرت أوامر بالقبض عليه فقرر الاختفاء معتمدا على موهبته في التمثيل والتخفي وساح في قرى الدلتا من القليوبية إلى الغربية، ولما أتعب هروبه الداخلية رصدت الوزارة مكافأة ألف جنيه مصري لمن يدلي بمعلومات تقود للقبض عليه.

طالت غيبة النديم للدرجة التي ظن فيها الكثيرون أنه مات، إلا أن سلطات الاحتلال أمرت بالاستمرار في البحث عنه، في تلك الأثناء تنقل النديم بين عدة شخصيات صنعها من مخيلته، فمرة يظهر في إحدى القرى بشخصية يوسف المدني وأخرى في شخصية على اليمني، وثالثة على هيئة صوفي مغربي اسمه سي الحاج علي المغربي، ورابعة الشيخ محمد الفيومي.

9 شخصيات أو أكثر انتحلها النديم في ترحاله من مكان لمكان ومن بلد لبلد، لم يتوقف خلالها قلمه عن الكتابة والنشر بأسماء مستعارة.

وخلال رحلة التخفي تعقبه ضابط شرطة وطني يعمل في أحدى أقسام الغربية النديم وأوقفه وقال له: “لا داعى للتنكر فقد عرفتك”، فرد النديم قائلا: “نعم أنا النديم”، فقال الضابط “لا بأس عليك اذهب في حفظ الله لتعرف أن في الوجود بقية للكرام”، ووصف له طريقا آمنا وأعطاه ثلاثة جنيهات.

وبعد نحو 9 سنوات من التخفي تحديدا في عام 1891 ألقي القبض على النديم في بلدة الجميزة التابعة لمركز السنطة مديرية الغربية، بعدما وشى به شخص يدعى حسن الفرارجي، كان يعمل في البوليس السري قبل إحالته إلى المعاش، وتمكن حكمدار الغربية من القبض عليه وأحيل إلى النيابة العامة.

في النيابة وقف النديم أمام المحقق الشاب قاسم أمين رائد تحرير المرأة فيما بعد، فأكرمه وأوصى مأمور قسم طنطا بحسن معاملته، وأثار خبر القبض على النديم ضجة كبيرة في مصر والعالم الإسلامي وطالبت الصحف بالعفو عنه، فقرر مجلس الوزراء برئاسة عبد الرحمن باشا رشدي في جلسته المعنقدة في 12 أكتوبر عام 1891 إبعاد النديم إلى الشام والإفراج عن كل من ساعده على الهرب ومنحه 150 جنيه ليستعين بها في منفاه.

سافر النديم إلى يافا من ميناء الإسكندرية وسط مظاهرة تكريم شيعه فيها محافظ الإسكندرية عثمان باشا عرفي، ووصل إلى يافا في 15 أكتوبر 1891، واستضافه هناك السيد على أبو الدهب مفتى يافا.

بعد وفاة توفيق، أصدر الخديو عباس حلمي، عفوا عن النديم فعاد إلى مصر، على أن المحن التي تعرض لها خلال فترة الاختفاء أضعفت صحته وغلبت عليه روح التصوف فلبس العمامة الخضراء والجبة والقفطان وجاهر بانتسابه إلى سيدنا محمد، وصار اسمه السيد عبد الله النديم نسبة إلى الأشراف، وفقا لما جاء في كتاب “كان ويكون.. من تراث عبد الله النديم” للدكتور عبد العظيم رمضان أستاذ التاريخ.

كان الاحتلال قد أخمد كل صوت، وأشهر سيف الإغلاق في وجه كل صحيفة وطنية، فأوقف “الوطن” وعطل “الشرق” و”الزمان” ومنع “العروة الوثقى” من دخول البلاد، وحاول اللورد كرومر فرض إرادته على المصريين حكومة وشعبا، فالتحف الخديوي عباس بزعماء الحركة الوطنية ومنهم النديم الذي طالب المصريين بدعم الخديوي في مواجهة الاحتلال.

في تلك الأثناء تعرف النديم على طالب الحقوق مصطفى كامل، ونشأت بينهما علاقة قوية، وشرح النديم لكامل أهمية الصحافة ودورها التنويري، واستطاع بمعاونة شقيقه عبد الفتاح في إصدار جريدة “الأستاذ”، التى قال عنها: «إنها جريدة علمية تهذيبية فكاهية»، تصدر يوم الثلاثاء أسبوعيا.

كتب في “الأستاذ” كبار الكتاب، وأصبحت أكثر الصحف انتشارا، والمنافس الأول لـ”المقطم” جريدة الاحتلال، جاهر فيها النديم بتأييده للخديوي وفضح جرائم الإنجليز في مصر والهند، فشعر كرومر بخطر “الأستاذ” وأوعز إليه رياض باشا رئيس الوزراء بأن ينذرها بالإغلاق إذا تعرضت للسياسة، إلا أن ذلك لم يردع صاحبنا، فعنئذ طلب كرومر من الخديوي أن يصدر قرارا بنفي صاحبه لأنه يثير التعصب الديني في البلاد، وصدر آخر عدد من “الأستاذ” في 13/6/1893، وغادر النديم بعدها مصر إلى يافا ومنها إلى الأستانة.

في العدد 15 من “الأستاذ” كتب النديم مقالا مطولا تحت عنوان “بِمَ تقدّموا وتأخّرنا والخلق واحد”، متسائلا عن سر نهضة أوربا وتخلف العرب والمسلمين، وأرجع ذلك إلى عدة أسباب أبرزها “القدرة على توحيد اللغة، وتوحيد السلطة وإبراز الدين في الحياة، والتوحّد ضدّ الأعداء الخارجين، وإطلاق حرية الصحافة والرأي، والاهتمام بصناعة الديمقراطية، وتشجيع العُلماء، والاهتمام بشؤون الثقافة”.

وختم النديم مقاله بـ”إن التأخّر إنما جاء من تعميم الجهالة بإغضاء الملوك عن وسائل التعليم والتضييق على أرباب الأقلام والأفكار، وبُعْد الأغنياء عن الجمعيات وتقاعدهم عن ضروب التجارة والصناعة والزراعة ورضاهم بالبقاء تحت أسْر الشهوات، فإذا أطلق الملوك حرية الأفكار والمطبوعات، وبذل الأغنياء الذهب في حياة الصنعة، وتعميم المعارف في المدن والقرى ومساعدة العلماء على الرحلة خلف حياة العلم، واجتمعت كلمة الملوك والوزراء والأمم على السعي خلف التقدّم، أمكنهم أن يوقفوا تيار أوروبا شيئاً فشيئاً حتى يضارعوها قوة وعلماءً، وإلا إذا تركوا هذه الأسباب وبقوا على ما هم فيه من التقاطع والتحاسد والجهالة كان من العبث تجمّعهم في الأندية وتشدّقهم بقول بعضهم لبعض: “بِمَ تقدّم الأوروبيون وتأخّرنا والخلق واحد”.

عمل النديم في الأستانة مراقبا للمطبوعات بمرتب قدره 45 جنيها شهريا، وفيها التقى بأستاذه جمال الدين الأفغاني المنفي هو الآخر، ليخوض معه معركة شرسة ضد رجل فى حاشية السلطان يدعى أبوالهدى الصيادي، وكان النديم يطلق عليه “أبو الضلال” وألف ضده كتابا سماه «المسامير»، وحين علم أبو الهدى أوعز للسلطان أن النديم يخطط لمؤامرة عليه فوضع قيد الإقامة الجبرية.

وعندما زار الخديو عباس الأستانة لأول مرة عام 1894 التقى بالنديم وطالبه بالعودة إلى مصر، ثم جدد طلبه فى الزيارة الثانية للخديوى وبالفعل ركب معه على ظهر السفينة، لكن فى آخر لحظة أُنزل منها بأمر من السلطان بوشاية من “أبو الضلال”، فأبرق النديم للسلطان غاضبا: «إنك أنت أمير المؤمنين القادر على الانتقام بلا معارض، ولكننا سنقف بين يدى عادل قاهر يقضى بيننا بالحق، هو خير الحاكمين».

كان السل قد نهش صدر النديم، ولما شعر بدنو الأجل قدم طلبا باستقدام أمه وأخيه لرؤيتهما، لكنهما وصلا متأخرين فقد اختفى الثائر مرة أخرى لكن في هذا المرة ترك الدنيا بعبثها ليلقى وجه ربه، فقادهما جمال الدين الأفغاني “الأم والشقيق” إلى مقبرة يحيى أفندى فى “باشكطاش” حيث كان يرقد جثمان النديم.

جرافيك: عبد الله محمد

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: