ثقافة

مذكرات الإمام .. صفحات من مسيرة التنوير (1)

ليست كل السير الذاتية تلفها تلك الهيبة، ولا هذا الجلال المنبعث من عظمة شخص لم يكن يملك لا جاها ولا سلطانا.. فقط العلم والإصلاح والتجديد، في ظل زمن مملوء بالخرافة والجهل.. يخرج من بين عتمته شعلة ضوء تنير الطريق.

من الأسطر الأولى، يسترعي انتباهك استهلاله لسيرته الذاتية: «فما أنا ممن تكتب سيرته، ولا ممن تترك لأجيال طريقته، فإني لم آت لأمتي عملا يذكر، ولم يكن لي فيها اليوم أثر يؤثر، حتى أكون لأحد منها قدوة، أو يكون لأحد في أسوة…»

عندما يقول الإمام محمد عبده، عن نفسه أنه لم يأت لأمته عملا يذكر، فمن يا ترى قدم لأمته عملا يذكر إذا لم يقدم هو.. إن عطور التواضع وإنكار الذات تفوح من كلمات مقدمة مذكراته التي جمعها تلميذه محمد رشيد رضا، ليحررها بعد ذلك الأديب طاهر الطناحي، فهل يليق بالإمام إلا مثلهما.

الوعي المبكر بكتابة المذكرات

يعزف الإمام سيمفونية خاشعة في مقدمته تلك، يطأطأ فيها رأسه منحنيا أمام أمته، فتعلو مشاعره خجلا أن من أن يكتب مذكراته: «وهذا الذي أجد من استصغار أمري، وخفاء أثري، وظهور عجزي عن بلوغ ما يرمى إليه فكري ويطمح إليه نظري، كان يمنعني أن أكتب شيئا يتعلق بحياتي، تعرض فيه بداياتي، وشيء من أعمالي بعدها وصفاتي، حتى أكون باقيا عند من يطالعه بعد مماتي، وكنت أقول: وقت أصرفه في حكمة أستفيدها خير من زمن أنفقه في قصة أستعيدها، وما الذي عساه يبقى مني، وأنا في قومي لم أترك ما يؤثر عني”.

إذن ما الذي جعل الإمام يتعرض لحياته الشخصية بعد كل ما كتب؟ يجيب هو: «لكن عرض لي أن زرت يوما بعض أصدقائي من الغربيين ممن نظروا في الآفاق، وبحثوا في العادات والأخلاق، وجابوا لذلك الأقطار، وركبوا الأخطار، وتجشموا مشاق الأسفار، وحققو في ذلك ونقبوا، وكتبوا فيه ما شاء الله أن يكتبوا، فدار الحديث بيننا عن شؤون بعض الأمم الحاضرة، وما يجري فيها عما أدت إليه حوادثها الماضية… فذكرت لهم ما عندي في ذلك، وما أقيم عليه رأيي من مشاهدات، في أيامي الخاليات، فرأوا فيما ذكرت شيئا يستحق أن يذكر، ولا ينبغي أن يهمل ويهدر».

لن يستنكف الإمام أن يكشف عن أن من وجهه لذلك أصدقاء له من الغرب، إنه لا يرى في ذلك شيئا مخجلًا، بل حكمة يطلبها حتى لو هبت من بلاد الإفرنج، أو من غير ذوي جلدته وعقيدته.

أدرك أصدقاء الإمام من الغربيين أهمية هذا الرجل وقت حياته، وهو الذي مات عن عمر يناهز الــ 56عاما، حتى عبروا له عن تمنيهم أن تترجم تلك المذكرات إلى لغتهم: «وزادوا على ذلك أن قالوا: إنهم يتمنون أن يروه منقولا إلى لغتهم، مقروءً في قومهم بلسانهم، ولن يكمل ذلك حتى يكون مدرجا في سيرتي، معروضًا في تضاعيف وصفي لمعيشتي، وما تنقلت فيه من أدوار، وما تدرجت إليه من آراء وأفكار، مع إسناد كل شيء إلى سببه، ورد كل أمر إلى أصله».

سطور تعريف

إذا كان الغربيون قد حرصوا على معرفة محمد عبده الطفل، والاهتمام بمولده ونسبه وبيئته، فما كان لنا نحن أن نقفز على ذلك في مذكراته، فلاشك أن التفتيش في الجذور يوصلك إلى كل فهم دقيق لكل ما يتصل بذلك من أفرع ومآلات.

«أول ما عقلت من أنا، ومن والدي، ومن والدتي، ومن هم أقاربي وجيران بيتي، عرفت أني ابن عبده خير الله من سكان قرية محلة نصر، بمركز شبرا خيت من مديرية البحيرة، ووقر في نفسي احترام والدي، ونظرت إليه أجل الناس في عيني، وسكن من هيبته في قلبي ما لم أجده لأحد من الناس اليوم عندي»… يرتفع مقام الشخص أو ينخفض لكنه في النهاية ابن فلان ابن فلان.

لكن هذا لم يمنع الطفل أن يوجه نقدًا لأبيه، لكن كان سريعا وخجولا ومهذبًا، يكشف عن امتلاكه لرؤية نقدية منذ نعومة أظافره: «هذا وكنت أعقل من صغري ما كان عليه والدي من ثباته في عزيمته وشدته في المعاملة، وقسوته على من يعاديه، وقد أخذت عنه ما عدا القسوة، وأحمد الله ولا أحصي ثناء عليه».. إن النقد ورصد العيب، والنفور منه، مقدمه لتلافي العيوب المتوارثة جيلا بعد جيل.

ويعرج الإمام على ذكر أمه التي أحبها كثيرا دون توجيه ثمة نقد، لكنه يمر على ذكرها مرور البرق: «أما والدتي فكانت منزلتها بين نساء القرية لا تنزل عن مكانة والدي، وكانت ترحم المساكين، وتعطف على الضعفاء، وتعد ذلك مجدًا، وطاعة لله وحمدًا، ولم أزل أجد أثر ما وعيت منذ ذلك في نفسي اليوم».

يذهب الإمام بعيدًا إلى حيث سيرة جده الذي لم يره، لكنه كان حريصًا في الحديث عنه، على الإشارة إلى أنه اعتمد في سيرته على روايات الثقات: «جدي لأبي كان يسمى حسن خير الله، توفي عن أبي وعمي بالهواء الأصفر الذي فتك بسكان القطر المصري في أواسط القرن الماضي، ويقال إنه كان له قبل موته من بني عمه وذوي عصبته نحو اثني عشر رجلا وشى بهم واش من بيت آخر، جاء البلدة وسكن فيها وحسد أهل الحسب من سكانها، فسعى بأهل هذا البيت ( بيت خير الله) عند الحكام وأعوانهم عند تنفيذ المظالم، فأخذوا جميعا وزجوا في السجون واحدًا بعد واحد، ومن دخل منهم السجن لا يخرج إلا ميتًا، وكان جدي حسن شيخًا بالبلدة، وهو الذي بقى من البيت مع أخيه إبراهيم ..»

كراهية الاستبداد

لم يستطع تلامذة الشيخ محمد عبده طبع تلك المذكرات طيلة حكم أسرة محمد علي، فقد كانوا يرون فيها نقدا لاذعا لحكمهم، مع أن الإمام لم يفعل سوى أن كشف جذوره الماضوية، إلا أنهم رأوا بأن سرد السيرة الذاتية في حد ذاته كاشفا عن سيرة الأمة المصرية جميعها في تلك الحقبة، مع أن الإمام قد يكون قد فعل ذلك حتى يأتي من بعده ليفهم العوامل التي أدت به إلى ما بات عليه «كراهية الاستبداد».

لن نستطيع أن نقاوم جاذبية الحكاية التي يرويه الإمام عن أسرته وما تعرضت له على إثر وشاية الواشي وكيف تعرضوا للتشريد والسجن والهجرة والموت.

فيتحدث عن «هجرة والدي: بعد وفاته (جده) طالت يد ذلك الكاشح بمساعدة أعوان الحكومة إلى سلب ما كان في البيت من تراث حيث لم تكن قوة تدافعه، فإنه لم يكن بقي إلا والدي في سن الرابعة عشرة، وعمي في سن السادسة عشرة، وإبراهيم (عمه) في سن الثامنة عشرة والنساء، فأخذ جميع ما كان في البيت حتى الأبواب وبعض أخشاب السقوف، فهاجر والدي وعمي معهما من البلدة، ولجئوا إلى خال والدي الحاج محمد خضر وكان عمدة في قرية صغيرة تعرف بكنيسة أورين من مركز شبرا خيت، ولكنه لم يستطع إيواءهم عنده خوف من الاضطهاد، لأن هذه المصائب كلها لم تكن قد استلت أحقاد الظلمة من الحكام والوشاة، فأخذهم خفية وسار بهم إلى مديرية الغربية عند أحد أقاربه في قرية يقال لها “منية طوخ” بمركز السنطة، ثم انتقل إلى قرية بجانبها أطيان يعملون في زراعتها، إما بأنفسهم أو بشركاء يعملون بأيديهم ويقتسمون الريع معهم، واشتهر والدي بالفتوة والبراعية في الصيد بالسلاح، وأحبه لذلك مصطفى أفندي باشا الخديو الأول في وظيفة مفتش زراعة في دائرة المرحوم إسماعيل باشا الخديو الأول في وظيفة مفتش زراعة والثاني بوظيفة ناظر، وطابت له صحبتهما وعدوه كأنه واحد من أهلهما ودام ذلك مدة سنين».

لم يأخذ الاضطهاد محمد عبده إلى التطرف، ولم يفض به إلى الذل والخنوع، بل ذهب ليقف موقفا وسطا، يحارب فيه الاستبداد لأنه يؤدي إلى الجهل ويؤدي الجهل إليه.. لكن في النهاية لن نستطيع إلا أن نؤكد أن هذا الرجل سعى للإحياء ونفض الغبار عن العقول، وإنه اجتهد فأصاب وأخطأ، وأنه لاشك كان يرى من أسرة محمد علي طغمة فاسدة وسحابة كئيبة تمنى أن تنقشع من سماء مصر.

يتذكر الإمام سجن والده: «لما اشتد الظلم على أهل قرية محلة نصر، وضاقت بهم السبل، كما كان يسومهم ذلك الواشي من الخسف والذل، أخذوا يتسللون بيتا بعد بيت، يهجرون القرية ويذهبون ليقيموا في جوار من سبقهم من أهلي، فأحس الشقي بإشراف القرية على الخراب، وفي ذلك انتفاض منافعه وخسارة كبيرة في مصالحه، فجدد الوشاية بوالدي ومن معه، ورفع شكوى إلى مدير البحيرة، وكان في شبراخيت، يذكر فيها أن والدي مأوى لمن فروا بأسلحتهم من القرية، وكان قد صدر أمر المرحوم عباس باشا الأول بتجريد الأهالي من السلاح وحظر حملة عليهم، فكتب مدير البحيرة بذلك إلى مدير الغربية، واتهم مع ذلك مصطفى أفندي المنشاوي بإيوائه بعض الفارين من العسكرية، فأخذ الجميع على غرة، وقبض عليهم في بيوتهم، وسيقوا إلى مديرية الغربية، أما مصطفى المنشاوي فأرسل إلى ليمان الإسكندرية، وأما والدي ومن معه فأرسلوا إلى مديرية البحيرة ليحبسوا هناك إلى أن يصدر الأمر في شأنهم، ولم يزالوا في السجن إلى أن توفى عباس باشا فأفرج عنهم وعن غيرهم، وبعد ذلك عاد والدي إلى مسقط رأسه في أول ولاية المرحوم سعيد باشا، ولم يجد شيئا مما كان يملكه أسلافه إلى جدران البيت مهدمة».

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق