منوعات

فلاديمير بوتين.. الرحلة من الاستضعاف إلى التمكين (1 – 2)

بعد أن أدى القسم الرئاسي في 8 مايو 2018 لست سنوات قادمة، يبدو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مختلفا تماما عما كان عليه في نهاية عام 1999؛ فقد نجح بأدائه القوي داخليا وخارجيا في تكريس صورته في العقل الجمعي الروسي، وربما العالمي، كرجل قوي يحمل بندقيته ولا يخطئ هدفه، ويُخضع النمور السيبيرية، ويقهر خصومه في منافسات الفنون القتالية.

وعبر ثمانية عشر عاما اعتلى فيها عرش الكرملين دان له الداخل، وتوجس منه الخارج، فقد تولى رئاسة دولة مريضة كانت لا تزال تحت تأثير صدمة انفصام عرى الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن الماضي، ونصب عينيه هدف واحد، هو استعادة الأهمية والثقل الغابر في معادلة القوة الدولية.

في البداية، أبدت القوى العالمية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا، استخفافا بهذا التكنوقراطي القادم إلى العمل السياسي من غياهب جهاز الاستخبارات السوفيتي، “كي جي بي”، إلى مقعد رئاسة الوزراء في زمن الانهيار، ونظر إليه شعبه على أنه أداة لخدمة مصالح الأوليجاركي، أو الأقلية الحاكمة.

تغير أسلوب بوتين في الحكم – بطبيعة الحال – على مدى هذه السنوات، لكن هدفه في استعادة مكانة روسيا كرقم مهم في معادلة القوة الدولية ظل راسخا، ولم يعتوره أي تغيير.

يتمتع الرئيس البالغ من العمر 65 عاما بحس تاريخي عميق جعله يشعر بقوة – على غرار كثيرين من أبناء جيله – بمرارة السقوط مع انفراط عقد الاتحاد السوفيتي.. “شعرت أن بلادي ضاعت إلى الأبد”، هكذا عبر بوتين في كتابه First Person: An Astonishingly Frank Self Portrait by Russia’s President (الرجل الأول: صورة ذاتية واضحة إلى درجة مذهلة يرسمها رئيس روسيا)، الذي نشر في عام 2000.

ويضيف: “كنت أعلم أن الانهيار حتمي، وجُل ما أردته شيئا مختلفا يحل محل الكيان القديم … لكن الأمر بدا وكأنهم أسقطوا كل شيء، ثم رحلوا.. كان شعورا مذلا”.

وإذا كانت دعوة ترامب To Make America Great Again (لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) يكتنفها كثير من الغموض، على الأقل فيما يتعلق بالفترة التاريخية التي يسعى ترامب لبعثها في الجسد الأمريكي، فإن دعوة بوتين تبدو أكثر وضوحا وتحديدا. ففي فترة الحرب الباردة التي دارت رحاها على مدى نصف قرن من الزمان، كان الاتحاد السوفيتي، مع الولايات المتحدة الأمريكية، ثاني اثنين في مصفوفة القوتين العظميين اللتين قادتا العالم.

مدارج الصعود

كانت بداية ظهوره وهو ابن السابعة والثلاثين، عندما واجه بمفرده الجموع الغاضبة التي اجتاحت مجمع “ستاسي” الضخم في مدينة دريسدن، في ألمانيا الشرقية، في ديسمبر 1989. كانت الحشود قد نجحت في السيطرة على مقار البوليس السري بالمبنى، لتتجه بعد ذلك صوب مقر جهاز الاستخبارات السوفيتية في ألمانيا الشرقية بالمبنى نفسه. سارع بوتين بطلب إمدادات مسلحة لحماية الملفات السرية الهامة، والعاملين المحاصرين بالمقر، لكن الصوت على الطرف الآخر من الهاتف أجابه قائلا إن “موسكو لم تحر جوابا”.

خرج بوتين (كان آنذاك برتبة مقدم) إلى الجموع الغاضبة، وحذرهم من أن جنوده المدججين بالسلاح بالداخل لن يتوانوا عن إطلاق النار على كل من تسول له نفسه اقتحام مقر الاستخبارات السوفيتية. نجحت الحيلة، وتفرقت الجموع، وتمكن بوتين من إنقاذ ملفات مهمة عن العملاء والمتعاونين مع جهاز الاستخبارات السوفيتي من الخروج إلى النور.

  في أعقاب هذه الواقعة، صدرت تعليمات بترقية بوتين إلى منصب نائب رئيس بلدية سانت بطرسبورغ. وفي عام 1996 أثبت بوتين مزيدا من النجاحات؛ ما دفع بالرئيس بوريس يلتسين إلى استدعائه للعمل ضمن فريقه في الكرملين.

زعيم من طراز مختلف

في هذه الفترة رأى بوتين عن كثب مدى الضعف الذي آلت إليه الدولة الروسية. ففي عام 1998، هاتف الرئيس الأمريكي، بيل كلينتون، نظيره الروسي، بوريس يلتسين، ليخبره بعزم واشنطن توجيه ضربات جوية إلى صربيا. وبرغم غضب الرئيس الروسي، مضت أمريكا في خطتها؛ إلا أن بوتين بدا عازما على “وقف هذه المهزلة”، وغدا واضحا أن أسلوب بوتين في الإدارة سيكون مختلفا تماما عن يلتسين.

وقد ذكر ستروب تالبوت – مساعد وزير الخارجية الأمريكي، والمسئول الأهم عن الملف الروسي في ولاية بيل كلينتون – في لقاء مطول مع سوزان جلاسر على موقع مجلةPolitico Magazine

“عندما قابلت بوتين لأول مرة في نهاية التسعينيات، أدركت على الفور أن أسلوبه مختلف تماما عن أسلوب المحاضرات والتمثيل المسرحي الذي اعتدت عليه من يلتسين ومسئولين روس آخرين”. كما عبر عن دهشته من “قدرة بوتين على تصدير شعوره بالثقة في النفس عبر الكلام بإيقاع هادئ وصوت خفيض”.

ويضيف تالبوت أن بوتين عمد في هذه اللقاءات إلى استخدام خبراته التي اكتسبها إبان عمله في جهاز الاستخبارات للسيطرة على الطرف الآخر في الحوار؛ وذلك عبر قراءة ملفه بعناية فائقة، وإثبات درايته بأدق التفاصيل عن حياته. كما يذكر تالبوت عن هذه المقابلة: “كنت أتخيله وكأنه يقوم بعملية استخلاص معلومات من جاسوس قُبض عليه، وتم الضغط عليه مسبقا بأساليب أكثر وحشية”.

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: