منوعات

فلاديمير بوتين.. الرحلة من الاستضعاف إلى التمكين (2 – 2)

قبيل أيام من اعتلائه عرش الكرملين في نهاية عام 1999، كتب بوتين مقالا في صحيفة Nezavisimaya Gazeta، شًخص فيه حالة بلاده كما ارتأها: “لأول مرة منذ ما يقرب من ثلاثة قرون من الزمان تواجه روسيا خطر التراجع إلى دولة من الفئة الثانية أو الثالثة في قائمة القوى العالمية”، واعتبر أن مهمته هي إعادة بلاده إلى “دولة من الفئة الأولى”.

ولًى بوتين وجهه صوب التاريخ، ووجد أن الانتصار في الحرب العالمية الثانية – التي لا تزال يطلق عليها في روسيا ’الحرب الوطنية العظمى‘ – هو الأيقونة التأسيسية للوطنية الروسية الجديدة. ومن ثم، بات الحديث عن الجوانب المظلمة في سردية الانتصار السوفيتي – مثل نزوح مليوني مواطن أثناء الحرب، والأساليب الوحشية في حكم ستالين عشية اندلاع الحرب – من المحرمات في عصر بوتين أكثر من أي وقت مضى.

السوبر هيرو وسياج السرية

لم يمض وقت طويل حتى نجح بوتين في إعادة الثقة إلى صفوف الجماهير عبر نبرته الهادئة وخطابه القوي الرصين. كما نجح باقتدار في تطوير صورته في العقل الجمعي الشعبي لتعزيز سردية البعث الروسي.

حظي هذا الملف باهتمام فريق من المتخصصين في الكرملين، فعكفوا – من بين مهام أخرى – على تدشين حملة ممنهجة تظهر الرئيس الروسي في صورة أقرب إلى فرسان الملاحم، كصورته وهو يقود طائرة مقاتلة، أو يمتطي صهوة جواد وهو عاري الصدر، أو يقهر خصومه في منافسات الفنون القتالية.

ومع ترسيخ صورة البطل الخارق “السوبر هيرو” في الوعي الجمعي الروسي، تغير أسلوب بوتين في الحكم، ففي السنوات الأخيرة، تقلصت دوائر اتخاذ القرار، وباتت تقتصر على مستشارين من دوائر أمنية، كما أن أغلب المقربين من الرئيس الروسي ينتمون إلى المجموعة التي تعَرًف إليها إبان خدمته في جهاز الاستخبارات، أو على الأكثر أثناء عمله في بلدية سانت بطرسبورغ، ممن يدينون له بالولاء والإخلاص؛ ومن ثم، فقد تحول الكرملين من مؤسسة رئاسية منفتحة إلى مؤسسة أقرب إلى الأجهزة الاستخباراتية التي تعمل في تكتم بالغ.

وبالمنهجية ذاتها، يبرز بوتين كقائد يحيط نفسه بسياج من السرية؛ فهو لا يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي – على غرار دونالد ترامب، مثلا – وغالبا ما يتلقى المعلومات من خلال أوراق تُسلم إليه باليد في ملفات حمراء عبر مساعديه في الكرملين. كما أن تواصله مع وسائل الإعلام والمواطنين الروس “الحقيقيين” صار نادرا، وعبر مقابلات معدة مسبقا بعناية فائقة.

هل تضعف القبضة الحديدية؟

رغم ذلك، فقد سلطت مقابلات أجرتها صحف روسية مع لودميلا بوتينا – زوجة بوتين التي انفصلت عنه في عام 2013، بعد حياة زوجية استمرت على مدى ثلاثين عاما – الضوء على جوانب مهمة من شخصيته السياسية.

فقد رسمت بوتينا عبر هذه المقابلات صورة لرجل سلطوي قليل الكلام، لا يتطرق أبدا إلى الحديث عن عمله في الوقت القليل الذي كان يجالسها فيه في ساعة متأخرة من الليل، أثناء تناوله كوب الكفير (مشروب فوار)، قبل أن يخلد إلى النوم. كما ذكرت أنه “كان يضعني في اختبار طوال حياتنا معا، وكنت دائما أشعر أنه يراقبني ليتأكد من قدرتي على اتخاذ القرارات الصحيحة”.

وبرغم سياج السرية الذي فرضه بوتين حول حياته، وبخاصة عمله، تمكنت مجموعة قرصنة إلكترونية تحمل اسم Shaltai Boltai من القرصنة على بعض المواقع الهامة، مثل البريد الإلكتروني وحسابات تويتر الخاصة ببعض العاملين داخل الكرملين، بمن فيهم رئيس الوزراء، دميتري ميدفيديف.

وفي مقابلة أجراها شون ووكر، مراسل صحيفة The Guardian في موسكو، مع فلاديمير أنيكيف، أحد اعضاء هذه المجموعة، من داخل محبسه في عام 2014،

ذكر الأخير: “أعتقد أنه ]بوتين[ استمر في السلطة أكثر مما ينبغي، وأصبح أكثر انعزالا، وتمركزا حول الذات. لقد تحول إلى ’قيصر‘ بكل معنى الكلمة … دونه يتشاجر عدد من الأفراد فيما بينهم، لكن الرعب يتملكهم إلى درجة تجعلهم غير قادرين حتى على مجرد الاختلاف معه … إنه لا يمتلك أصدقاء بالمعنى المتعارف عليه، ربما يكون هناك بعض الناس الذين يحبهم، لكنه يقع تحت وطأة بارانويا مفرطة”.

سردية المجد.. إلى أين؟

على مدى ثلاث فترات رئاسية، نجح بوتين في جعل نفسه مرادفا للدولة الجديدة، ومع نهاية هذه الفترة سيكون بوتين قد أمضى ما يقرب من ربع قرن في سدة الحكم. في هذا السياق، يذكر فياتشيسلاف فولودين، أحد كبار مساعديه، أنه “لولا بوتين، ما كانت روسيا”.

وعلى مدى هذه الفترة أيضا، أفاد بوتين كثيرا من حسه التاريخي، ونجح في توظيف الانتصار في الحرب العالمية الثانية، إلى جانب رموز وانتصارات تاريخية أخرى، لنسج سردية المجد الروسي الجديد، بدءا من الأمير فلاديمير، مؤسس دولة “روس الكييفية” في القرن العاشر الميلادي، ووصولا إلى الرئيس فلاديمير الذي يتربع حاليا على عرش الكرملين.

لا شك أن بوتين القرن الحادي والعشرين نجح في تجاوز حدود إعادة بناء الداخل الروسي إلى حلحلة خريطة الشرق الأوسط القديمة عبر تدخله السافر في سوريا. كما نجح في جذب انتباه، وربما إثارة مخاوف، الغرب بعد إثبات قدرته على التدخل السافر في سير الانتخابات، وتحديد رؤساء الدول الكبرى؛ فيما يعد – في نهاية المطاف – نجاحا لافتا في تحقيق هدف إدراج روسيا ضمن قائمة القوى العالمية من “الفئة الأولى”.

لكن شون ووكر يؤكد في كتابه The Long Hangover: Putin’s New Russia and the Ghosts of the Past (الآثار طويلة المدى: روسيا بوتين الجديدة وأشباح الماضي) (2017) أن “حقبة الأموال النفطية السهلة قد انتهت فعليا، ولم يتضح بعد كنه السردية الجديدة التي سيقدمها بوتين لقيادة بلاده في مسيرها نحو المستقبل”. بعبارة أخرى، هل تثبت استراتيجية بوتين في الحكم أنها تلتفت إلى الماضي أكثر مما تتطلع إلى المستقبل، أم أن العكس هو الصحيح؟

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق