فن

«وندر» .. يحصد أعلى المشاهدات انتصارا لرسالته: كن لطيفًا

نعيش في عالم محموم بالأحداث والضغوطات، نلهث وراء لقمة العيش، ونسابق الزمن لتأمين مصالحنا، كتروس في آلة عملاقة لا تتوقف أبدًا، آلة تطحن الإنسان طحنًا فتفقده أهم ما يميزه .. إنسانيته!

يأتي فيلم “وندر” -المقتبس عن الرواية الأكثر مبيعًا في النيويورك تايمز بالاسم نفسه- ليذكرنا بالقيم الإنسانية التي افتقدناها في حياتنا اليومية، كالتعامل بلطف والمساندة الأسرية والصداقة الحقيقية والأهم من ذلك تقبل الآخر حتى وإن كان مختلفًا كبطل الفيلم الطفل “أوغي” المصاب بمتلازمة “تريتشر كولينز” التي تسبب تشوهات جسيمة في الوجه تجعل المصابين بها يعانون من نظرة المجتمع السلبية إليهم.


تلجأ والدة “أوغي” -قامت بدورها “جوليا روبرتس”- إلى تعليم ابنها داخل المنزل خوفًا عليه من التعرض لمضايقات في المدرسة، بينما يرتدي الطفل خوذة ليخفي بها وجهه المشوه معظم الوقت خاصة بعدما خاض سبع وعشرين عملية خوفًا من رد فعل الناس عند رؤيته، إلا أن الأم تقرر انضمام ابنها إلى المدرسة بحلول الصف الخامس الابتدائي لتعطيه فرصة للاندماج وسط أقرانه وعيش حياة طبيعية. رغم الصعوبات التي يواجهها “أوغي” ورفض زملائه له لكونه مختلف، إلا أنه ينجح في النهاية في تكوين صداقات بجمال شخصيته وقلبه حتى وإن لم يكن وجهه كذلك، ليصبح أيقونة المدرسة ويتم تكريمه في المشهد الأخير.

اكتسب “وندر” زخمًا كبيرًا سواء من قبل النقاد أو الجمهور لإشباعه لتعطش الناس لتلك المشاعر التي أصبحت مؤخرًا مادة لبرامج المواقف الإنسانية التليفزيونية التي تحصد أعلى المشاهدات، حيث يفرد الفيلم مساحات عريضة للعلاقات الإنسانية الفريدة، فيلقي الضوء على الأم المتفانية في رعاية أبنائها وأسرتها حتى وإن كان ذلك على حساب نفسها وطموحاتها العلمية، والأب المساند للجميع الذي ينشر البهجة دائمًا، إضافة إلى الأخت التي تضحي براحتها الشخصية لتقديم الدعم لأخيها الأصغر وتسعى إلى تخفيف الحمل عن كاهل أسرتها. وينتقل الفيلم من الدعم الأسري، إلى أصدقاء “أوغي” الذين يتحدون زملائهم المتنمرين ويدافعون عنه حتى وإن كلفهم ذلك أن يصبحوا منبوذين مثله، أو حتى أن يخوضوا شجارات يعرضوا أنفسهم فيها للخطر، ليحمل جرعة إنسانية مكثفة تختلط بها ألوان من المشاعر الجميلة حد البكاء.

دون معلم “أوغي” على السبورة رسالة الفيلم الجوهرية في بدايته وهي “إذا خيروك بين أن تكون على صواب أو تكون لطيفًا، اختر اللطف” كواحدة من ضمن قواعد فصله، وأنهى البطل الصغير المشهد الأخير مقتبسًا عن معلمه “كن لطيفًا، ذلك لأن كل شخص حولك يخوض معركته الخاصة”، لم يوجه المعلم تلك الرسالة لتلاميذه فقط وإنما إلينا جميعًا، فإذا تخلينا عن التعامل بلطف مع الآخرين فإننا نتخلى عن إنسانيتنا نفسها.

ليس بالضرورة أن تكون مولودًا بعيب خلقي كي تشعر بما يعانيه بطل الفيلم، فمعظم الناس يعاني من إطلاق المجتمع لسهام أحكامه عليهم لكونهم مختلفين في أفكارهم أو اهتماماتهم أو حتى اختياراتهم في الحياة، ورغم كل اختلافاتنا هناك دائمًا مساحة تحتوي الجميع تحت مظلة الإنسانية، كل ما يحتاجه الأمر أن يكون الإنسان إنسانًا، وألا ينسينا إيقاع حياتنا السريع كوننا بشر في النهاية، بشر نحتاج إلى أن نسمع كلمة لطيفة، نحتاج من يؤازرنا، نحتاج ولو صديق واحد صادق كي ننجو من معركة الحياة حتى وإن لم نكن على صواب يكفينا اللطف الذي أحاط بنا يومًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: