رياضة

في المونديال.. حراس المرمى سارقو الفرح

تحتفظ الذاكرة الكروية بعديد من اللقطات التي أطلق فيها الحراس رصاصات لا تعرف الرحمة على فرقهم بارتكاب أخطاء ساذجة في أوقات حرجة من عمر المباريات خاصة المصيرية منها.

الحارس” مواسيرباربوزا

لقد ظل البرازيليون يتذكرون لأكثر من أربعة عقود ما أسموه بماراكانزو أو جريمة ماركانا التي ارتكبها حارسهم “مواسيرباربوزا” في المباراة النهائية للمونديال الذي أقيم على أرضهم عام 1950.. ففي حضور أكثر من مئتي ألف مشجع ازدحم بهم ستاد ماركانا الشهير ارتكب “باربوزا” جريمته عندما فتح الطريق إلى المرمى لكرة “إدجاردو جيجا” بعد أن ظن أن الأخير سيمررها عرضيا؛ فإذا به يسددها في المسافة الخالية بين القائم والحارس الذي ارتمى للحاق بها دون جدوى.. كان هذا الهدف هو هدف الفوز للأورجواي لتصبح النتيجة هدفين لهدف قبل نهاية المباراة بأحد عشر دقيقة لم يستطيع خلالها الفريق البرازيلي تعويض الفارق وكان التعادل يكفيه لإحراز الكأس لأن الدور النهائي كان بنظام الدوري من دور واحد.. نسي البرازيليون كل شيء ولم ينسوا خطأ “باربوزا” الذي حولوا حياته إلى جحيم على مدى عقود ولقب بالشخص الذي أبكى البرازيل.. مما يجدر ذكره أن عددا من المشجعين انتحر حزنا بعد الهزيمة بإلقاء أنفسهم من أعلى مدرجات الماركانا.

لقد صار”باربوزا” أكثر الأشخاص المكروهين في البرازيل، ولقد اضطر لمغادرة “ريودي جانيرو” إلى أحد شواطئ “ساوباولو” ليعيش هناك بقية حياته دون أن يتعرف عليه أحد.

الحارس “بيتر بونيتي”

إلى مونديال المكسيك عام1970، ذهب الإنجليز بزهو الانتصار الذي حققوه في البطولة السابقة التي أقيمت على أرضهم.. كانت لديهم ثقة كبيرة لتحقيق المزيد من الانتصارات خاصة وأن فريقهم يزخر بالنجوم.. لكن مصدر ثقتهم الأكبر كان وجود الحارس الفذ “جوردان بانكس” الذي جاء حسب تصنيف منظمة IFFHS  ثاني أفضل حارس في القرن العشرين بعد “ليف ياشين” وكان أحد أهم عوامل فوز المنتخب الإنجليزي بمونديال 1966، لعب “بانكس” كل مباريات الدور الأول وقبل مباراة ألمانيا الغربية في دور الثمانية فوجئ الإنجليز بإصابة “بانكس” بتسمم غذائي حال دون مشاركته في المباراة مما أتاح فرصة المشاركة لحارس تشيلسي “بيتر بونيتي” الملقب بالقط.

انتظر “بونيتي” تلك اللحظة لأكثر من أربع سنوات.. كانت المواجهة مع الألمان تحمل ذكريات نهائي كاس العالم1966، الذي خسره الألمان بمجاملة تحكيمية فادحة وهدف للإنجليز شهد الجميع أنه لم يدخل المرمى الألماني.

أراد الإنجليز في تلك المباراة أن يثبتوا أحقيتهم بالكأس السابقة بالفوز على الألمان فوزا مؤزرا؛ فبدءوا المباراة بسيطرة واضحة وتقدموا بهدفين.. لكن الأمور انقلبت رأسا على عقب قبل نهاية المباراة بنحو عشرين دقيقة عندما خدعت كرة “بيكنباور” الحارس الإنجليزي ومرت من تحت ذراعه قبل أن تتهادى داخل الشباك، وقبل النهاية بثماني دقائق يتعادل “زيلر” لألمانيا بضربة رأس رائعة لم يحرك حيالها “بونيتي” ساكنا.. وفي الوقت الإضافي ينهي الألمان الأمر بواسطة هدافهم الأسطوري “جيرد مولر” لتصبح النتيجة ثلاثة مقابل اثنين ولتخرج إنجلترا من البطولة.. وقد حمل الجميع “بونيتي” مسئولية الهزيمة.. وتم ذبحه في كل الجرائد الإنجليزية.. وتم إبعاده عن تمثيل بلاده دوليا حتى اعتزاله.. لقد تحولت الفرصة التي نالها “بونيتي” إلى كابوس ظل يطارده طيلة حياته، لتصدق فيه المقولة الشهيرة “حارس المرمى هو ذلك الرجل الذي تحب الجماهير ألا تشفق عليه”

الحارس هارالد شوماخر

في المكسيك أيضا وبعد نحو ستة عشر عاما كان الفريق الألماني على موعد مع الأخطاء القاتلة لحارسه الكبير “هارالد شوماخر” شهدت تلك البطولة تألقا واضحا لـ”شوماخر” بل إنه كان أحد أهم أسباب تأهل ألمانيا للمباراة النهائية برغم أنها لم تقدم مستويات جيدة خاصة في الدور الأول الذي اكتفت فيه بفوز وحيد على اسكتلندا بهدفين لواحد وتعادل مع أوروجواي بهدف لكل منهما، وهزيمة من الدانمارك بهدفين دون رد لتصعد إلى الدور الثاني كوصيف للمجموعة، لتتجاوز المغرب في دور الستة عشر بهدف دون رد، ثم المكسيك صاحبة الأرض بركلات الترجيح لتصل إلى الدور قبل النهائي لمواجهة فرنسا التي قدمت أداء مبهرا طوال البطولة.. وتوقع الجميع تأهل فرنسا للمباراة النهائية.. لكن “شوماخر” قدم مباراة ولا أروع، ومنع الفرنسيين من التهديف لتفوز ألمانيا بهدفين لصفر لتلاقي الفريق الأرجنتيني الرهيب بقيادة مارادونا.

وتبدأ المباراة بهجوم أرجنتيني لتشهد الدقيقة لثالثة والعشرين من عمر المباراة خروجا غير موفق لـ”شوماخر” أثناء تنفيذ ركلة حرة يستغلها “براون” ليودع الكرة المرمى الخالي.. وفي الدقيقة الخامسة والخمسين يستطيع “فالدانو” مغالطة الحارس الألماني مجددا بكرة من انفراد تأخر “شوماخر” في الخروج لقطع الكرة. ورغم أن الألمان استطاعوا معادلة النتيجة في الدقيقة الثمانين عن طريق “فولر” إلا أن “شوماخر” فشل مجددا في منع هدف لـ “بوروتشاجا” بعد ثلاث دقائق فقط؛ لتخسر ألمانيا المباراة والبطولة بعد وصولها للمباراة النهائية للمرة الثانية على التوالي، وكانت قد خسرت أمام إيطاليا في البطولة السابقة بحضور “شوماخر” أيضا.

قست وسائل الإعلام الألمانية على “شوماخر” وحملته أوزار الهزيمة منفردا مما دفع الحارس للرد بقوة من خلال إصداره كتاب حمل عنوان “صفارة الحكم” فضح فيه كل الممارسات غير الشريفة في المنتخب الألماني والبوندزليجا واتحاد الكرة.. فكانت عقوبة الإيقاف والطرد من ناديه “كولون” وحرمانه نهائيا من اللعب للمنتخب الألماني.. ويترك الحارس ألمانيا ليلعب لفنار بخشة التركي، ثم يعود إلى ألمانيا ليلعب لـ “شالكة” قبل أن يعتزل اللعب نهائيا.

الحارس الكولومبي “رينيههيجيتا” في مواجهة الكاميروني “روجيه ميلا”

إلى مونديال 1990في إيطاليا ذهب الفريق الكولومبي يحدوه الأمل لتحقيق نتيجة جيدة تعوّض غيابه عن الكأس العالمية الذي استمر لثمانية وعشرين عاما.. كان لدى الفريق عناصر جيدة مثل “فالديراما” و”جوميز” في الوسط “هيرنانديز” و”استرادا” في الهجوم.. وفي حراسة المرمى كان “رينيههيجيتا” المتميز بحركاته البهلوانية، وخروجه المتكرر من المرمى لمراواغة مهاجمي الفرق الأخرى.

عبرت كولومبيا الدور الأول ضمن أفضل الثوالث عن المجموعة الرابعة بعد حصولها على ثلاث نقاط من فوز على الإمارات وتعادل مع ألمانيا وهزيمة بهدف وحيد من يوجوسلافيا.. وكان الفريق الكاميروني قد عبر الدور نفسه كأول للمجموعة الثانية التي ضمت معه رومانيا والأرجنتين والاتحاد السوفييتي في مفاجأة من العيار الثقيل.

وفي الثالث والعشرين من يونيو على ملعب سان باولو بنابولي التقى الفريقان في دور الستة عشر.. وينقضي الوقت الأصلي بالتعادل السلبي، وفي بداية الوقت الإضافي الثاني ينجح الأسد الكاميروني العجوز “روجيه ميلا” في هز الشباك الكولومبية بهدف بعد أن راوغ مدافعين وانطلق كالسهم مسددا الكرة في الزاوية العليا للمرمي على يمين “هيجيتا” الذي كان على موعد بعد ثلاث دقائق فقط مع الخطأ الأبرز بل الأبشع في تاريخ بطولات كأس العالم، عندما خرج لاستلام الكرة أمام منطقة الجزاء وتقدم بها لقرب وسط الملعب، ثم مررها لأحد المدافعين فأعادها له الأخير بسرعة، وهنا انقض “ميلا” عليه فحاول “هيجيتا” مراوغته لكن ميلا اختطف الكرة وانطلق بها نحو المرمى الخالي ليودعها الشباك.

قبيل انقضاء الوقت الإضافي بخمس دقائق استطاع “برناردو” إحراز هدف الشرف لكولومبيا لتنتهي المباراة بفوز الكاميرون بهدفين لهدف، لتودع كولومبيا البطولة بسبب تهور “هيجيتا” وخروجه غير المبرر، وشغفه الجنوني بمراوغة المهاجمين.. لكنه لم يكف عن تلك الممارسات التي تسببت في استبعاده من تمثيل منتخب بلاده في كأسي العالم 1994،1998.

الحارس الإسباني “زوبيزاريتا”

الحارس الإسباني “زوبيزاريتا” الذي شارك في أربعة بطولات كأس عالم بداية من 1986حتى 1998، لعب خلالها ست عشرة مباراة اهتزت شباكه خلالها بستة عشر هدفا- يبدو أمره محيرا فبرغم أنه لم يقدم أداء مرضيا ظل لأكثر من اثني عشر عاما حارسا للشباك الإسبانية في مئة وستة وعشرين مباراة، لكن يبدو أن تسببه المباشر في خروج المنتخب الإسباني من الدور الأول في كاس العالم1998، بفرنسا أمام نيجيريا قد وضع نهاية طال انتظارها لمشواره الدولي.

في تلك المباراة التي أقيمت في الثالث عشر من يونيو تقدمت إسبانيا بهدف لـ”هيرو” في الدقيقة الحادية والعشرين، وتعادلت نيجيريا عن طريق “أديبوجو” بعد ثلاث دقائق، ثم تقدم “راؤول جونزاليس” لإسبانيا مجددا في الدقيقة السابعة والأربعين.. وفي الدقيقة الثالثة والسبعين يضع الحارس الإسباني كرة أرضية سهلة داخل مرماه بعد أن غير اتجاهها نحو المرمى بطريقة غريبة، قبل أن يسمح بمرور هدف ثالث من تسديدة قريبة من قبل النيجيري “أوليسيه” لتنتهي المباراة بهزيمة إسبانيا.. تلك الهزيمة التي لم يفلح الإسبان في تجاوز آثارها النفسية رغم تعادلهم مع الباراجواي دون أهداف قبل أن يمطروا شباك البلغار بنصف دستة أهداف لم تكن كفيلة بنقلهم إلى الدور الثاني.

مازال هناك الكثير والكثير من أخطاء الحراس القاتلة في بطولات كأس العالم، وقد اكتفينا بأشهرها وأكثرها تأثيرا.. متمنين أن لا نرى مثلها في الكأس التي تنطلق اليوم.. ويا ليت الحراس يكفون عن سرقة الفرح.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق