مختارات

كرة القدم في بعض أوجهها: سياسة وأموال وبحث عن مشروعيات

زياد ماجد

ليس في التوظيف السياسي والاقتصادي لكرة القدم الذي نشهد تزايده اليوم، وفي الصراعات عليها وعبرها، ما هو جديد فعلاً. فاللعبة الأوسع شعبية في العالم تحوّلت منذ ثلاثينات القرن الماضي وانطلاق مسابقات كأس العالم الى ميدان تتجاور فيه المسائل الرياضية والسياسية والقومية، تماماً كما تجاورت وما زالت مسائل طبقية وجهوية ومذهبية.

على أن الجديد اليوم هو حجم الأموال المستثمرة في اللعبة وفي الحقل الإعلامي – الإعلاني المرتبط بها، وهو أيضاً بحث دولٍ صغرى غنيّة ورجال أعمال دولٍ كبرى أو صاعدة عن مشروعيّات قد تُتيحها لهم كرة القدم وحضورهم فيها والترويج لإنجازاتهم في مضاميرها.

مِن البُعد الطبقي والديني الى التوظيف القومي والسياسي

تأثّرت كرة القدم الحديثة في نشأتها الإنكليزية المقَوننة والمُمأسسة ابتداءً من العام 1863 ببُعدَين: البعد الطبقي، والبُعد الجهوي – المناطقي. فاللعبة كانت لعبة عمّالية مدينيّة في الشمال الإنكليزي الصناعي، مقابل تطوّرها في وسط البلاد وحول لندن بوصفها لعبة طلابيّة (ثانوية وجامعية) يُمارسها أبناء الفئات الميسورة ويتابعها خليطٌ طبقي. ويُعدّ فوز نادي بلاكبيرن الشمالي بأول بطولة له العام 1883 متغلّباً في المباراة النهائية على نادي قدامى جامعة إتون نهاية حقبة التفوّق الطلابي، وبدء السيطرة الشمالية. رافق ذلك إدخالُ الاحتراف في الشمال وتنافسٌ دينيّ (كاثوليكي – بروتستانتي) ومهنيّ (وفق القطاعات الصناعية) على تأسيس الأندية فيه واستقطاب اللاعبين، مقابل رفضٍ في الوسط والجنوب للاحتراف وإصرار على اللعب بهواة يحظر انتماؤهم الطبقي (الأرستقراطي والبرجوازي) كما تخرّجهم الجامعي اتّخاذَ الرياضة مهنةً لهم أو مورد رزق.

فريق نادي بلاكبيرن الانكليزي الفائز ببطولة العام 1883

ومع انتشار الكرة في اسكتلندا ثم في إيرلندا، تحوّل العنصر الديني في انتماء مالكي الأندية وجماهيرها (حسب مدنهم أو أحياء المدن نفسها) الى أحد أبرز عناصر التنافس والتنابذ بينها. ثم عادت المسائل الطبقية والمناطقية لتطغى من جديد في تكوين عصبيّات الولاء للأندية في أواخر القرن التاسع عشر، مع تقدّم شعبية اللعبة في بلجيكا وهولندا والدانمارك ثم في فرنسا فإيطاليا، حيث كان خرّيجو الجامعات الإنكليزية وأساتذة تعليم اللغة الإنكليزية قد أنشأوا فرقاً وروّجوا لها.

وقبل انتهاء القرن نفسه، أسّس عمّال سكك الحديد الإنكليز وعمّال المرافئ الوافدين من أوروبا أولى أندية الكرة في الاوروغواي والأرجنتين، قبل أن يُسهم توسّع اللعبة أوروبياً في مطلع القرن العشرين بتوسيع حضورها وشعبيّتها في معظم المستعمرات أو المستعمرات القديمة، مع مفارقة أنّ سكّان أكبر مستعمرات “الأمبراطورية البريطانية” البعيدة عن لندن فضّلوا على كرة القدم لُعبتَي الرُكبي والكريكيت المنافِستين لها. سرى هذا على القارة الأوقيانية وعلى شبه القارة الهندية كما على جنوب أفريقيا.

وابتداءً من ثلاثينات القرن العشرين، بدأ البُعد القومي يحتلّ المكانة الأساسية في ميدان التنافس الكروي الدولي. وللأمر سببان أساسيّان. الأوّل، تصاعد النزعات القومية في بعض الدول الأوروبية (ألمانيا وإيطاليا تحديداً). والثاني انتقال المنافسات الكروية بين منتخبات الدول التي ظلّت على هامش البطولات الأولمبية الى طور عالمي مع انطلاق أول كأس عالم في الأوروغواي العام 1930. فكان لفوز إيطاليا في ظلّ الحُكم الفاشي بكأسَي العامين 1934 و1938 أن مدّ موسوليني بذرائع دعائية لتأكيد التفوّق العرقي الإيطالي. ثم كان لصعود النازية في ألمانيا بعد الرواج المتأخّر نسبياً لكرة القدم فيها (لرفضٍ قومي سابق وصفها بـِ”رياضة القوم الإنكليز”) أَنْ جعل الحزب الهتلري يحاول الاستفادة من القواعد الجماهيرية لبعض الأندية في العاصمة برلين وفي إقليم الرور العمّالي (نادي شالكة بخاصة) فيجنّد شبابها، مفتتحاً بذلك باباً للاستغلال السياسي المباشر سيستمرّ بعد الحرب العالمية الثانية في عددٍ من الأندية الأوروبية، ويطال في الخمسينات والستينات أندية مدريد الإسبانية (في ظلّ العهد الفرانكي) وموسكو وبوخارست وبلغراد وسواها من عواصم أوروبا الشرقية و”المنظومة الإشتراكية”.

منتخب إيطاليا الفائز ببطولة كأس العالم مؤدّياً التحية الفاشية العام 1934

ومع تزايد المسابقات والبطولات، محليةً ووطنية وقارّية وعالمية، ازدادت جاذبية اللعبة وازداد الانفاق المالي والاستثمار الإعلامي فيها، ودخل تسجيل المباريات ثم نقلها مباشرةً مضمار التنافس، مساهماً في تكوين ولاءات لمنتخباتٍ أو لأندية خارج حدودها الوطنية، وجاعلاً المناسبات الكروية الكبرى في متناولٍ بصريّ لشرائح واسعة من سكّان الأرض. ويمكن في هذا السياق اعتبار مسابقة كأس العالم المُقامة العام 1978 في الأرجنتين محطّةً مهمّة أو نقطة تحوّل في التأريخ الكروي.

عسكر، سياسة وأخلاق

فالأرجنتين التي احتضنت مسابقة كأس العالم كانت محكومةً يومها بنظامٍ متوحّش قاده الجنرال فيديلا، في مرحلة دكتاتوريّات عسكرية شملت معظم القارة اللاتينية. وقد وجّه مثقّفون وشعراء غربيّون (على رأسهم الفرنسي لويس آراغون) نداءات لمقاطعة المسابقة، لكنّ أصواتهم لم تُفلِح إلّا في ثنيِ عددٍ من اللاعبين ومن أعضاء الإدارات الفنّية لبضعة منتخبات عن المشاركة. هكذا افتُتحت المسابقة ثم اختُتمت في بوينس إيرس بفوز الأرجنتين لأوّل مرّة بها، بعد مباراة نهائية دراماتيكية حسمَ نتيجتها المستوى الرفيع الذي ظهر به اللاعبون الأرجنتينيّون من جهة، والضغط النفسي الذي تعرّض له خصومهم الهولنديّون عبر تأخير موعد انطلاق المباراة والتضييق الأمني عليهم من جهة ثانية.

الدكتاتور الأرجنتيني الجنرال فيديلا مسلّماً كأس العالم لقائد منتخب بلاده باساريلا العام 1978

البارز في الكأس المذكورة أن السياسة أرخت بثقلها عليها ومنحت الحُكم الأرجنتيني جرعةً معنوية ساعدته شعبياً في وجه معارضيه الداخليّين وساهمت في التغطية على الكثير من جرائمه ضدّهم. كما أنها أظهرت بشكل فاضح القدرة السياسية على التلاعب بنتائجها، ذلك أن تأهّل الأرجنتين الى المباراة النهائية في ظلّ نظام المسابقة المُعتمد وقتها جرى بتواطئ البيرو، التي خسّرت نفسها بفارق ستة أهداف كفلت تأهيل الأرجنتينيّين على حساب البرازيليّين الى النهائي. وفي ذلك سقوط أخلاقي للتنافسية التي حكمت فلسفة كرة القدم منذ تأسيسها (وهو سقوط سيتكرّر في مسابقة العام 1982 عندما تواطأت ألمانيا الغربية مع النمسا لإقصاء الجزائر عن الدور الثاني، فتسبّبت بتعديل قوانين المسابقات اللاحقة).

والبارز في الكأس هذه أيضاً أن النقل التلفزيوني لمبارياتها اتّسع اضطراداً على نحو لم يسبق له مثيل. كما أنها كانت الكأس الأولى التي توسّعت فيها المشاركات الآسيوية والأفريقية بعد تأسيس اتحادين قاريّين يجمعان بلداناً من الأكبر ديموغرافياً في العالم. وقد شكّل الأمر لسوق إعلان المسابقة وتغطيتها الإعلامية منعطفاً جديداً التقطت أهمّيته شركة كوكا كولا، فقدّمت مبلغ 8 ملايين دولار لتتحوّل راعياً رسمياً للمسابقة، ولتصبح شراكتها مع “الفيفا” (الاتحاد الدولي لكرة القدم) منذ ذلك التاريخ ولغاية اليوم مثالاً على الاستثمار الإعلاني في السوق الكروية.

ملصق فرنسي داعٍ لمقاطعة كأس العالم 1978 في الأرجنتين

في مقابل ذلك، لم يكن النموذج الرياضي الوافد من أميركا اللاتينية مقتصراً على المشهد الأرجنتيني الموسوم بما بدا نصراً للدكتاتورية. ففي البرازيل المجاورة، وتحت حكم عسكري آخر، ظهّرت كرة القدم حالة مقاومةٍ ديمقراطية للاستبداد، خاضها لاعبو نادي كورينثياس في ولاية ساو باولو بقيادة الكابتن سقراط، أحد أبرز لاعبي الكرة البرازيليّين، وتفاعل معها جمهورهم، خاصةً عامَي 1982 و1983 حين فاز النادي مرّتين متتاليتَين ببطولة الولاية. ففي هذا النادي الشعبي الكبير، قرّر اللاعبون إدارة شؤونهم تداولاً وتصويتاً، من عُقود العمل الى اختيار المدرّب والخطط فانتخاب قائد الفريق. وسُمّيت حركتهم “الديمقراطية الكورنثيانية” وطُبِع اسمها على قمصانهم وتحوّلت الى حالة سياسية إيديولوجية في البلاد عشية أفول الحكم الدكتاتوري العام 1985.

اللاعب البرازيلي سقراط قائد فريق كورينثياس خلال التجربة الديمقراطية للنادي المناهض للدكتاتورية العسكرية في البلاد

شركاتٌ ورجال أعمال الى السياسة عبر الكُرة

شهدت ثمانينات وتسعينات القرن الماضي بداية الجنون المالي في عالم كرة القدم. فبعد تحوّل رعاية الشركات للأندية والمنتخبات الوطنية والمسابقات الكبرى والنقل التلفزيوني الى تسابق إعلامي وتجاري، دخل رجال أعمال طامحون لأدوار سياسية على خطّ اللعبة عبر انخراطهم في مجالس إدارات الأندية الكبرى في بلدانهم وصولاً الى ترؤّسها أو تملّكها.

هكذا، برزت أسماء خيسوس خيل في إسبانيا مع نادي أتلتيكو مدريد، وأسماء رجال أعمال آخرين وافدين من قطاع البناء والفنادق في ناديَي ريال مدريد وبرشلونة. كما برز اسم برنار تابي مع مارسيليا الفرنسي، ثم ظهر برلوسكوني في إيطاليا مع نادي ميلان وتحوّل بعد ترؤّسه حكومة بلاده الى حالة إقتصادية – سياسية – كروية – إعلامية خاصة، ستشي بخصائص الكثير ممّا سيليها. فبرلوسكوني، القادم من البرجوازية الميلانية الصغيرة، جنى ثروته من المضاربات والاستثمارات المالية وبنى أمبراطورية إعلامية حوّلته مؤثّراً في رأي عام إيطالي محبط من طبقته السياسية. وهو دخل نادي نخبة رؤساء ومالكي الأندية الإيطالية العريقة (ميلان وإنتر ميلانو وجوفنتوس وروما) من خارج الحقل الصناعي أو التجاري أو النفطي الذي تنتمي إليه معظم عائلاتهم. وشكّل نجاح ميلان الرياضي (وطنياً وأوروبياً) في عهده رافعةً لشعبيّته وللحزب اليميني الذي أسّسه، قبل أن تدفعه فضائحه الى التنحّي مؤخّراً عن السياسة والرياضة.

بموازاة ذلك، تبدّلت معايير سوق انتقالات اللاعبين وبرز مديرو إعمالهم ورعاتهم، وصار للإنفاق على عقودهم وعلى صورتهم بعدٌ جديد، جعله التنافس بين الأندية الأوروبية الكبرى (في إسبانيا وألمانيا وإنكلترا وإيطاليا بخاصة) يتضخّم بسرعة قياسية، وبتفاوت كبير، على نحو لم يعُد لمعظم مالكي الأندية أو رؤسائها الأوروبيّين القدرة على مجاراته. وباستثناء ألمانيا حيث الرقابة المالية الصارمة وثقافة مشاركة روابط المشجّعين بأسهم ملكية أو رعاية شركات أدوية وسياراتٍ وطنية لأندية المدن حيث مقرّاتها الرئيسية، فإن سائر الدول فتحت في الألفية الجديدة أبواب ملكية أنديتها أو رعايتها لرؤوس أموال وافدة هذه المرّة من خارج القارة.

استهلّت الأمر إنكلترا، حيث منشأ الكرة وحيث النقل التلفزيوني للمباريات هو الأعلى كلفةً في العالم. فظهر بدايةً رجال أعمال أستراليّون وروس، أبرزهم روبرت مردوك ورومان أبراموفيتش الذي تملّك نادي تشيلسي اللندني العام 2003 وأنفق عليه خلال عامين أكثر من 600 مليون دولار مكّنته العام 2005 من الفوز ببطولة الدوري الإنكليزي. ثم دخل الأميركيون على الخط، عبر تملّك شركات عملاقة أو عائلات ثريّة وافدة من قطاعات الإعلام والمصارف والشركات المالية أندية مانشستر يونايتد (الأخوان غلايزر) وليفربول (شركة نيو إنغلاند مالكة نادي رد سوكس بوسطن للبايسبول) وأرسنال (ستان كرونكيه، مالك عدة أندية رياضية في كولورادو وكاليفورنيا).

تلت إنكلترا إيطاليا، حيث اشترى المستثمر الأميركي جايمس بالوتا الحصة الأكبر في نادي العاصمة روما. وأنفق روسٌ وأميركيون آخرون أموالاً في أكثر من بطولة أوروبية، لا سيّما في فرنسا، التي اشترى الروسي ديمتري ريبولوفليف نادي موناكو البارز في بطولتها والأميركي فرانك ماك كورت نادي مرسيليا الأكبر شعبية فيها.

وابتداءً من العام 2010، تراجعت شهيّة الأميركيين والروس “الكروية”، وانتقل مركز الثقل المالي الى آسيا. فمن القارة الأكبر، بدأ نجم رجال الأعمال الإندونسييين والهنود والتايلانديّين والصينيّين والقطريّين والإماراتيّين يصعد. وإذا كان بعض هؤلاء ممّن اشتروا نوادٍ مثل إنتر ميلانو الإيطالي وسانتاندير الإسباني وليستر الإنكليزي ثم ميلان الإيطالي وغيرها شابهوا نظراءهم الأميركيين والروس في رغبة الاستثمار والربح والشهرة، فإن آخرين أضافوا الى الأمر مشاريع سياسية أو إعلامية لترويج صورةٍ لبلدانهم تنافس صُوَر خصومها.

وليس من قبيل الصدفة مثلاً أن قطر بعد روسيا ستنظّم كأس العالم على أرضها في العام 2022، وأن لاستثماراتها الكروية منذ فترة ما يرتبط بذلك. الأمر نفسه يسري على الصين التي تتحضّر لتقديم طلب تنظيم المسابقة عندها العام 2030[2]. وليس من قبيل الصدفة كذلك أن شركات طيران الإمارات والاتحاد وقطر هي الأكثر حضوراً في رعاية الأندية الكبرى وإنفاق مئات الملايين على الإعلانات خلال مبارياتها تحضيراً للمسابقات العالمية المقبلة ووجهتها، وتنافساً مع شركات نقل الصين والشرق الأقصى (التايلاندية والماليزية بخاصة) التي تؤمّن الرحلات الجويّة نحو العواصم المالية والسياحية الآسيوية.

ملعب نادي أرسنال في لندن

الأهم، أن رجال أعمالٍ من العائلات المالكة ومسؤولين ممارسين للسلطة في دولتَي قطر والإمارات العربية المتّحدة (ولاية أبو ظبي تحديداً) يتنافسون منذ سبع سنوات سياسياً عبر كرة القدم، ويسعون لتأكيد حضور بلديهما في البطولات الأوروبية الأكثر تشويقاً واجتذاباً للمتابعة والإعلانات. وهم إذ يفعلون ذلك، يدركون أنه يجلب لهم الكثير من النقد والاتهامات. لكن مقارباتهم الإعلامية لا تكترث للأمر، بل تعتمد على مبدأ احتلال المساحات الأوسع في التغطية الصحفية، وتكريس ذِكرهم وذكر هويّاتهم الوطنية عند كلّ نجاح. وفي هذا بِعِرفهم ما ينتزع مشروعية سياسية لهم، ويكوّن شبكة علاقات عامة مع نجوم رياضيين وفنّانين وإعلاميّين وشخصيّات مؤثّرة في الرأي العام، ترفد علاقاتهم الديبلوماسية بجرعات دعم ٍإضافي عند الحاجة.

قميص نادي برشلونة خلال رعاية مؤسسة قطر لمركز التدريب الخاص بفريقه الأول

غير أن المنافسة بين القطريّين والإماراتيّين بلغت العام 2017 مرحلةً بات القضاء في أكثر من بلد أوروبي معنياً بها، نظراً لما يُثار من شبهات فساد يرافق صفقاتها. فبعد أندية إسبانية متوسّطة المستوى مثل ملقة (ملكية قطرية بين عامي 2010 و2014) وخيتافي (ملكية إماراتية)، وبعد رعاية مالية قطرية لمركز تدريب برشلونة وإماراتية (طيران الإمارات) لقِسم التجهيزات في ريال مدريد ولمعلب نادي أرسنال الجديد في لندن، تحوّل التنافس بين الدوحة وأبو ظبي الى مستوى إنفاق مئات الملايين على ناديين من الأكبر في فرنسا وإنكلترا. فبين باريس سان جرمان برئاسة القطري ناصر الخليفي الذي أنفق صيف العام 2017 نصف مليار دولار لشراء لاعبَين اثنين (البرازيلي نيمار والفرنسي إمبابي) في صفقتين قياسيّتين في التاريخ الكروي، ومانشستر سيتي برئاسة الإماراتي منصور بن زايد (الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس مجلس الوزراء الإماراتي) الطامح لتكرار الفوز ببطولة إنكلترا بعد إنفاقه 350 مليون دولار في الأشهر الماضية على خمسة لاعبين جدد وتجديد عقد مدرّبه الإسباني غوارديولا، بين هذين الناديَين، ثمة حرب تدور ويطمح كل طرف ومن خلفه بلده للاستفادة القصوى منها. ذلك أن العداء السياسي المتفاقم بين قطر والإمارات صار حاضراً بقوّة في كرة القدم، وثمة اليومَ محاولات إماراتية للاستفادة من فضائح الفساد المتعاظمة في الاتحادين الأوروبي والدولي لكرة القدم (والتي دفع ثمنها رئيسا الاتحادين بلاتيني وبلاتر) من أجل عرقلة إقامة كأس العالم في قطر. ويعتبر مراقبون أن التحقيقات القضائية الأخيرة في سويسرا وفرنسا المستهدفة عُقود النقل التلفزيوني التي تحظى بها مجموعة “بي إن” (المملوكة قطرياً والمرؤوسة من قبل الخليفي نفسه) تتمّ بمواكبةٍ إعلامية تشجّع الإمارات صحافيين ووسائلَ إعلام على الإكثار من الخوض بها.

فريق مانشستر سيتي الانكليزي الحائز على رعاية طيران الاتحاد الإماراتي والمملوك إماراتياً

بهذا، يوظّف البلدان الخليجيان الصغيران ثروات طائلة في بطولات كرة قدم أوروبية، مستكملين صراعهما السياسي – الإعلامي في الميدان الرياضي. ويبحث كلّ منهما عن حلفاء و”جماهير” وإنجازات تمدّه ببريق الحضور دولياً في مرحلة خطيرة سياسياً في تاريخه وتاريخ منطقة الخليج بأكملها.

القطري الخليفي رئيس نادي باريس سان جرمان الباريسي مرحّباً بالنجم البرازيلي نيمار

 في فريقه في أكبر صفقة مالية في التاريخ الكروي

الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في ميدانه الجغرافي وخارجه

بموازاة كل ما ورد، تشهد كرة القدم منذ عقدَين – مدرّجاتِ مشجّعين وقمصان لاعبين وأروقةَ اتحاداتٍ إقليمية ودولية – حضوراً كثيفاً للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وإذا كانت النزاعات السياسية والطائفية كما ذكرنا تبرز بين الحين والآخر في أكثر من بلد وبين أكثر من بلد[3]، فإن الموقف من القضية الفلسطينية يبقى الأكثر ظهوراً واختراقاً للكثير من الاصطفافات. وقد اتّسع الأمر في السنوات الماضية، واتّخذ منحىً تضامنياً مع الفلسطينيّين في مباريات ضمن بطولات وطنية (في أوروبا وأميركا اللاتينية) أو قارّية (في مسابقة بطولة الأندية الأوروبية). كما أن أروقة “الفيفا” شهدت جولات مدّ وجزر حوله ما تزال حتى اليوم منتظرةً البتّ في عددٍ من ملفّاتها. وقبل عرض المواجهة الدائرة دولياً حول العقوبات المطلوبة فلسطينياً على إسرائيل لانتهاكها القانون الدولي في الحلبة الكروية، تفيد الإشارة الى حالتين رمزيّتين على ارتباط وثيق بالصراع.

الحالة الأولى هي حالة فريق سلتيك الاسكتلندي، الذي يحمل مشجّعوه أعلام فلسطين دورياً في مبارياته. وقد شهدت المباراة التي جمعته مع فريق بير-شيفا الإسرائيلي في تصفيات بطولة الأندية الاوروبية في غلاسكو صيفَ العام 2016 رفعاً لآلاف الأعلام الفلسطينية رغم تحذيرات الاتحاد الأوروبي وغراماته المالية. ونظّمت كُبريات روابط جمهور سلتيك (“الكتيبة الخضراء”) حملة تبرّعات لصالح جمعيّات إغاثة ودعم للفلسطينيّين جنت خلالها مبلغ 199 ألف يورو عشيّة المباراة مع الاسرائيليّين. وتقول الرابطة المذكورة إن تضامنها مع القضية الفلسطينية هو تضامن أخلاقي وسياسي ورياضي، وهي لا تعبأ بالغرامات الأوروبية الناجمة عن ذلك (8 غرامات وعقوبات خلال الأعوام الخمسة الماضية)… وتجدر الإشارة في الحالة الاسكتلندية الى أن شرطة مدينة غلاسكو تمنع عادةً، ودون نجاحٍ يُذكر، مشجّعي فريقَي المدينة سلتيك ورينجرز من رفع الأعلام الفلسطينية والإسرائيلية (التي يحملها مشجّعو رينجرز البروتستانت من باب “النكاية” بخصومهم التاريخيّين الكاثوليك) في مباريات الدربي التي تجمعهما.

جمهور نادي سلتيك الاسكتلندي رافعاً الأعلام الفلسطينية

الحالة الرمزية الثانية هي تلك التي يمثّلها نادي ديبورتيفو بالستينو (فلسطين الرياضي) التشيلي الذي يلعب في دوري الدرجة الأولى. فالنادي الذي أسّسه العام 1920 مهاجرون فلسطينيّون في سانتياغو (حيث يعيش العدد الأكبر من الفلسطينيّين ومن المتحدّرين من أصل فلسطيني خارج العالم العربي)، يرتدي قمصاناً بألوان العلم الفلسطيني. وفي العام 2014، قرّرت إدارة النادي تحويل الرقم 1 على ظهر القميص (حيث يُطبع رقم كل لاعب) الى خريطة فلسطين التاريخية. وقد اعترضت السفارة الإسرائيلية على القرار، ثم راسلت الخارجية الإسرائيلية نظيرتها التشيلية طالبةً حظر الأمر لأنه “ينفي وجود الدولة العبرية”. لكن تشيلي (التي تعترف منذ العام 2011 بدولة فلسطين) رفضت التدخّل في الموضوع، في حين أن النادي المعنيّ – ديبورتيفو بالستينو – برّر خياره باعتبار أنه حين تأسّس لم تكن إسرائيل موجودة، وأن خريطته هي خريطة فلسطين الرسمية حين غادرها مؤسّسوه. واليومَ، يستمرّ الضغط على النادي وعلى الاتحاد التشيلي لتعديل الأرقام المطبوعة على القمصان، وما زال النادي يرفض الانصياع للأمر.

فريق ديبورتيفو بالستينو التشيلي وقمصانه بألوان العلم الفلسطيني مع الرقم 1 على شكل خريطة فلسطين التاريخية

على أن المعركة الفلسطينية الإسرائيلية الكروية الفعلية، وبعيداً عن الرمزيّات، تدور راهناً داخل أروقة “الفيفا”. فالاتحاد الفلسطيني تقدّم بشكوى هناك ضد نظيره الإسرائيلي، بسبب إشراك الأخير – وهو عضو في الاتحاد الأوروبي للعبة – ستة أندية من مستوطنات الضفة الغربية “معاليه أدوميم”، و”أرييل”، و”كريات أربع”، و”جبعات زئيف”، و”آرفوت هياردين”. والأمر يُعدّ خرقاً للقانون الدولي الذي يعترف بسيادة فلسطين على الضفة، ويحسبها أرضاً محتلة. كما أن قوانين “الفيفا” نفسها تحظر السماح لأندية باللعب في البطولات الوطنية لأي دولة إن كانت ملاعبها ومراكز تسجيلها قائمةً في أراضي دولة ثانية لا توافق على الأمر. يُضاف الى ذلك، أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تضيّق دورياً على لاعبي المنتخب الفلسطيني، وسبق ومنعت المقيمين منهم في قطاع غزة من الانضمام الى زملائهم في الضفة، كما أنها اعتقلت في السنوات الست الماضية أكثر من لاعب فلسطيني وحظرت السفر على لاعبين آخرين. ودفعت الممارسات الإسرائيلية عدداً من نجوم الكرة الأوروبيّين العام 2012 الى إصدار بيانٍ استنكروا فيه تعسّف تل أبيب وطالبوها بالكف عن انتهاك حقوق الفلسطينيين الرياضية.

ورغم كلّ الانتهاكات المذكورة، لم تحسم “الفيفا” بعدُ أمر الشكوى الفلسطينية، إذ شنّت إسرائيل حملة سياسية وإعلامية واسعة طالبةً تأجيل التصويت على أي عقوبات بحقّ اتحادها الكروي، واعدةً بالتفاوض مع الاتحاد الفلسطيني لإيجاد حلول بينهما. وقد قرّرت “الفيفا” أواخر العام 2016 منح الطرفين وقتاً إضافياً للوصول الى اتّفاق يجنّبها التصويت على الشكوى الفلسطينية. ويحاول الاتحاد الأوروبي لكرة القدم التوسّط في الموضوع، علماً أنه مسؤول غير مباشر عن الانتهاكات الإسرائيلية، إذ أن موازنة كرة القدم الإسرائيلية تتلقّى دعماً خاصاً منه، يوجّه الاتحاد الإسرائيلي للّعبة بعضه الى الملاعب المُقامة داخل مستوطنات الأراضي المحتلة العام 1967.

خريطة للأراضي في معاليه أدوميم حيث أحد الملاعب المُقامة على أراضٍ فلسطينية مصادرة من الاحتلال

ولعلّ التقرير الأشمل حول موضوع الانتهاكات الإسرائيلية وحول الأندية الستة القادمة من المستوطنات في الضفة هو تقرير منظمة “هيومان رايتس ووتش” (تمكن قراءته كاملاً على هذا الرابط https://www.hrw.org/ar/news/2016/09/25/294422 ). ويشير التقرير الموثّق بالمعلومات والخرائط الى مختلف الأنشطة الاستيطانية المرتبطة بالأندية الإسرائيلية المعنيّة والأنشطة الاقتصادية المرافقة لها. وتعتبر المنظّمة الحقوقية الدولية أن “الفيفا” بِصَمتها عن الأمر إنما ترعى مباريات مُقامة على “أراضٍ مغتصبة” وتتحمّل بالتالي قسطاً من مسؤولية انتهاك القانون الدولي.

أكثر من رياضة، أكثر من هواية

لا يغيّر ما ذُكر آنفاً، على بشاعة ما فيه، من أن كرة القدم كانت وما زالت اللعبة الرياضية الفنية الأكثر سحراً وجاذبية في العالم. لا بل هو يؤكّده إذ أن سحرها يجعل الاستثمار فيها والصراع عليها وعبرها أكثر “ربحاً” لأصحابه، لما يؤمّنه لهم من ظهور وحضور على صعُد جماهيرية وإعلامية وسياسية ومالية.

ولعلّ ما تخلقه هذه الرياضة كونياً من طقوس وأنبياء ومعابد وعناصر تماهٍ بين جماعات، ومن صلواتٍ وتطيّر وقلق وابتهاج جماعي تشبه الطقوس الدينية بمحرّمات أقلّ، وبالتالي بمخيّلة عبادة أغنى وأرحب، يجعل محاولات التوظيف فيها إن نجحت عالية الجدوى و”المردود”. وهذا سيستمرّ على الأرجح مستقبلاً، وسيفتح كرة القدم على المزيد من تشابك قضايا عالمنا وتشوّهاتِه، من دون أن ينال كثيراً من هيبتها وأناقتها في ذاتها، ومن كونيّة المشاعر التي يولّدها هنا أو هناك عناق طاباتها للشباك على ضفّتَي الملعب…

——————————————————————————–

*نقلا عن: مجلة الدراسات الفلسطينية،  شتاء 2017.

**باحث وكاتب لبناني. أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في باريس. أحد مؤسسي حركة اليسار الديمقراطي في لبنان. له العديد من الدراسات والكتب منها “ربيع بيروت والدولة الناقصة” 2006 و”سوريا، الثورة اليتيمة” 2014.

الهوامش

[1]  على سبيل المقارنة التي تظهر تطوّر الانفاق (المُذهل) على الرعاية والنقل المباشر بعد العام 1978، دفعت كوكا كولا مع أديداس وبطاقات الاعتماد فيزا وطيران الإمارات وهيونداي مبلغ مليار و350 مليون دولار لرعاية كأس العالم 2014، في حين بلغ المبلغ الذي سدّدته شركات النقل التلفزيوني ملياراً و700 مليون دولار.

[2]  تحضيراً لطلب التنظيم، تُنفق أندية صينية منذ العام 2016 مبالغ طائلة لضمّ نجوم كرة دوليّين تقدّموا بعض الشيء في السن الى صفوفها لتعزيز البطولة الوطنية ورفع مستواها (العاجي دروغبا والأرجنتيني تيفيز مثالَين). وكانت بعض الأندية القطرية قد فعلت الامر نفسه قبل سنوات عبر استقدامها نجوماً أوروبيّين ليلعبوا في صفوفها قُبيل تقاعدهم (راوول وشافي الإسبانيَّين أبرزهم)، بما يساهم في تحسين الأداء والحصول على اهتمام إعلامي دولي.

[3]  يمكن هنا ذكر حالة الصدام بين السلفادور وهندوراس خلال تصفيات كأس العالم 1970 التي كانت شرارة إشعال حرب بينهما، ويمكن أيضاً ذكر التوتّر بين مصر والجزائر خلال تصفيات كأس العالم 2010، وفي أغلب المباريات التي تجمع إيران بالسعودية خلال التصفيات الآسيوية. كما يمكن استعراض العديد من الصراعات التي تفرض نفسها في بطولات وطنية. فالجهوية بين الشمال والجنوب حاضرة في الكثير من المباريات الإيطالية، والتنافس التاريخي بين الناديين الأشهر في العالم برشلونة الكاتالوني وريال مدريد الكاستياني الإسباني يحوّل الكلاسيكو بينهما الى المناسبة الرياضية الأكثر إثارة دولياً. ويمكن ذكر مباريات أجاكس أمستردام وفيينورد روتردام في هولندا والعداء التاريخي بينهما، وكذلك الحديث عمّا يعبّر عنه دربي مدينة اسطنبول بين فنربخشة القومي وغلطا سراي “الأوروبي” والكثير من المباريات الكبرى الأُخرى في العالم. ويمكن أيضاً الحديث عن جماهير أولتراس النادي الأهلي المصري ومشاركتها النشطة في أحداث ثورة 25 يناير 2011.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق