فن

فلسفة المهرجانات..العب يالا

في فرنسا، تحديدا بمدينتها الساحلية الأهم: مارسيليا، تعقد في شهر أكتوبر من كل عام الفعالية الأبرز لـ”البوب فلسفة”، وهو شكل من أشكال الفلسفة يرفض أن ينحصر دوره في نطاق الأكاديمية، ويرى منظروه أن على الفلسفة “الاستيلاء على الموضوعات التافهة، والتسلل من ثغرات الثقافة الشعبية، والحفر تحت صفحة المادة السطحية ظاهرا..”.

يستعير هذا النوع من الفلسفة تسميته من موسيقى البوب للدلالة على طابع الفلسفة الشعبي، حيث لا تترفع أن يكون موضع اهتمامها موضوعات مثل: المسلسلات التلفزيونية، الأغاني الرائجة، الألعاب الإلكترونية، مشاهدة الأفلام الإباحية..، وبذلك تبتعد “البوب فلسفة” كثيرا عن موضوعات الفلسفة التقليدية كالوجود والطبيعة والحقيقة..، وفي رأي البعض يمثل هذا التوجه إنقاذا لها من التوغل أكثر في دهاليز الشروح والتعليقات والتأويل الذي يفرضه الشكل الأكاديمي.

وفي مقابل موسيقى البوب تبرز ببلدنا “المهرجانات” كنوع من الموسيقى له نفس ظروف النشأة، حيث تبنته في البداية -كما البوب بالولايات المتحدة – الطبقات الفقيرة والمنبوذة، ويشترك النوعان في قوة الألحان وحماسيتها، وفي الاعتماد على الإيقاع أكثر من اعتمادهما على صوت المؤدي، بجانب استخدام المؤثرات الصوتية.

المهرجانات موسيقى ثورية ترفض النظام السائد، وتحارب هرمية المجتمع والسلطة، وتنتصر بانتشارها لمزاج الطبقات المهمشة. استطاعت أن تتواجد بقوة على الساحة الغنائية دون أن تسلك المسار الرسمي، عبر شركات الإنتاج الكبرى معتمدة على معدات موسيقية بسيطة.

وما يمنحه المهرجان للناس ربما لا تستطيع الأشكال الغنائية الأخرى منحه، ففي المهرجان أنت مدعو للمشاركة، لأن تكون جزءا أصيلا منه عبر الرقص بجدية لا أن تكتفي بالتمايل والحركات العفوية. الحركية والمرح والصخب الذي يمنحه المهرجان لأصحابه لا تجعلهم يقفون عند أعتاب التلقي والمحاكاة، ليكونوا العنصر الأهم في المهرجان، من ثم، فالمهرجان لا يعزز النظام السائد للتعاطي مع الموسيقى والغناء، كما أنه لم يكن نتيجة للمسار الرسمي لصناعة الأغنية، بل ما حدث أن المسار الرسمي (شركات الإنتاج الغنائي والسينمائي) هو من سعى لاحتواء ودمج هذا النوع من الموسيقى داخل منظومته.

وكموسيقى  البوب فللمهرجان قصة مصرية بسيطة وراء ظهوره استندت لحاجة المناطق الفقيرة إلى إقامة حفلات الزفاف بتكاليف متواضعة لا تتحمل استقدام مطربين -حتى الشعبي منهم- لإحيائها، وأوجد ذلك الفرصة لعمرو حاحا الذي كان يبيع نغمات التليفون المحمول في إحدى محلات منطقة السلام أن يقدم أولى حفلاته في 2007 بعد أن استعمل برامج الكمبيوتر المجانية لإبداع نغمته الخاصة ليطورها بمساعدة صديقه فيجو ويغنيها علاء فيفتي ويرقص على إيقاعها صديقهم الثالث سادات العالمي.

ورغم أن معظم الإنتاج الغنائي الموجود على الساحة حاليا ينتمي بالفعل إلى موسيقى البوب، لكن “المهرجانات” وحدها هي المقابل لهذا النوع من الموسيقى الغربية في أصالتها (مع الوضع في الاعتبار كونها مزيجا من الراب والتكنو في قالب شعبي)، فلم تكن مجرد تقليد واكب انتشار البوب في العالم كما كان الحال مع البوب المصري، الذي عرفه مجتمعنا في السبعينات بظهور التقنيات الحديثة في هندسة الصوت، مع فرق مثل: المصريين، والجيتس، والفور إم، امتدادا إلى مطربين مثل: محمد منير وعمرو دياب ومحمد فؤاد وصولا إلى جيل تامر حسني وشيرين.

هذا القدر من الأصالة جعل “المهرجانات” تنجح ليس على المستوى المصري والعربي فقط بل على المستوى العالمي كذلك، فنجد موسيقي هولندي مثل: يوست هيثويسين يعجب بها وينقلها إلى الملاهي الليلية في أوروبا، كما امتدت حفلات نجوم “المهرجانات” إلى أوروبا والولايات المتحدة، وبلغت مشاهدات أحدث أغاني اثنين من أبرز نجوم “المهرجانات” هما “أوكا وأورتيجا” على قناة اليوتيوب الخاصة بهما(أغنية “العب يا له”) ما يقرب من 132 مليون مشاهدة!.

 السؤال هنا: لماذا لا يدشن العاملون في مجال الفكر ببلدنا فرعا جديدا في الفلسفة يستلهم هذا النوع من الموسيقى، ويكون أشد اتصالا بالواقع وقضاياه واهتماماته، وأكثر رشاقة وحيوية من المواد الأكاديمية الكالحة والموضوعات الفكرية المطروقة التي يكاد ينحصر فيها الإنتاج الفكري بمجتمعنا؟!، وليكن هذا الفرع ـ على غرار “البوب فلسفة” ـ تحت مسمى “فلسفة المهرجانات”.

Mohamed.altanawy1@gmail.com

محمد السيد الطناوي

كاتب و باحث مصري Mohamed.altanawy1@Gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: