منوعات

محمود عزمي .. أستاذ الأستاذ والأب الروحي لـ«السلطة الرابعة»

يقولون إن الإنسان يفضي إلى ما قدم، وكل منا يكتب نهايته عبر المسارات التي اجتازها خلال سنوات حياته، فخاتمة الفرد هي مشهد النهاية لفصول دنياه، وكما عاش بطل هذه القصة حياته يبشر بالحق والحرية والعدالة لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يدافع عن تلك المبادئ من على منبر الأمم المتحدة.

محمود عزمي رائد الصحافة المصرية

تولى رائد الصحافة المصرية محمود عزمي (1889- 1954) رئاسة وفد مصر الدائم في الأمم المتحدة في سبتمبر عام 1954، وأبى الرجل أن ينهي حياته إلا وهو يدافع عن قضايا وطنه وعن المبادئ التي عاش من أجلها، وودع الحياة في نوفمبر من ذات العام وهو يرد علي كلمة مندوب إسرائيل في مجلس الأمن حول احتجاج تل أبيب علي احتجاز مصر السفينة “بات جاليم” بعد أن اعتدت على نقطة حراسة مصرية في ساحل البحر الأحمر.

وقف عزمي على منبر مجلس الأمن يرد على مزاعم مندوب الكيان الصهيوني قائلا:” إن مصر علي حق وإنها كانت ولاتزال تؤثر روح التسامح، وعلي استعداد دائم لتحقيق العدالة”، ليصاب إثر إنفعاله بأزمة قلبية ويسقط وتصعد روحه، وحدادا على وفاته قررت الأمم المتحدة تنكيس أعلامها لمدة أسبوع، وأوقفت جميع لجان المنظمة أعمالها لدقيقة واحدة، وألغت الوفود العربية جميع حفلاتها لمدة أسبوعين، وخصصت الجمعية العمومية جلسة رثاء لـ”المدافع الأول عن حرية الصحافة” استمعت فيها إلى كلمات 33 مندوبا أشادوا فيها بجهوده.

من الصحافة إلى الأمم المتحدة

كان عزمي، وبعد مشوار طويل في شارع الصحافة، محررا ومندوبا ورئيسا لتحرير العديد من الإصدارات الصحفية، وواضعا اللبنة الأولى لمشروع نقابة الصحفيين، ومؤسسا لمعهد الصحافة والترجمة، ورقيبا على المطبوعات في وقت الحرب العالمية الثانية، قد استقر به الحال كمدير للتشريع في مصلحة الضرائب حيث مثل مصر في لجنة الضرائب الدولية التابعة لعصبة الأمم في يونية سنة 1939م واستمرت هذه اللجنة بعد إنشاء الأمم المتحدة، وفقا لزميلنا الصحفي والباحث هاني نسيرة صاحب كتاب “محمود عزمي.. رائد حقوق الإنسان في مصر”.

اختارت وزارة الخارجية المصرية عزمي ليمثل مصر بصفته الشخصية في لجنة حرية تداول الأنباء الفرعية التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة عام 1949م، وقدم في يونيو من ذات العام مشروعا لتنظيم حرية تداول الأنباء يقضي بحماية المراسلين الأجانب.

ويرجع الفضل في الوصول إلى عهد الشرف الدولي للصحفيين لمحررنا الصحفي محمود عزمي الذي قدم إلى لجنة حرية الأنباء نصوص مشروعه عام 1950، كقانون للسلوك المهني للعاملين بالصحافة.

وفي يوليو عام 1951 قدم عزمي مع مندوبي فرنسا وكوبا وهولندا مشروعا للجنة الاجتماعية يقضي بإنشاء لجنة من خبراء 15 دولة لوضع شروط اتفاق دولي لحرية الأنباء، وشارك في مؤتمر الشئون الصحفية بمدينة إيفيان الفرنسية ممثلا عن مصر وتحدث عن حق الصحفيين في حرية البحث والتعبير في كل مكان.

المدافع الأول عن حرية الصحافة

أدت مواقف عزمي في لجنة حرية الأنباء إلى اعتباره المدافع الأول عن حرية الصحافة في الأمم المتحدة وكان لهذا أثرا في انتخابه رئيسا للجنة عام 1952، وأقرت اللجنة فور ترأس عزمي لها عهد الشرف الدولي للصحفيين، ورفعته إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي ليقره في نوفمبر عام 1952، ووافقت عليه الجمعية العامة رغم محاولات إجهاضه من بعض الدول الكبرى.

وانتخب محمود عزمي رئيساً للجنة حقوق الإنسان في مارس سنة 1953م كما أُعيد انتخابه كذلك في مارس سنة 1954م، وفي مايو سنة 1954 صدر مرسوم بتعيينه رئيساً لوفد مصر الدائم في الأمم المتحدة.

ومن المواقف المذكورة لعزمي في لجان الأمم المتحدة كما أوردها الباحث هاني نسيرة، إنه وقف أمام مناورات الدول الكبرى لمحاولة إضافة فقرة جديدة إلى ميثاق حقوق الإنسان، تجعلها غير مُلزمة بتطبيق أحكام الميثاق في المستعمرات في البلاد غير المتمتعة بالحكم الذاتي، ورفض عزمي ذلك وأكد أنه استعادة لنظرية هتلر عن الاحتلال.

كما شارك في صياغة مشروع العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأكد على حق الشعوب في تقرير مصيرها.

ودعا عزمي إلى أن تتلقى الأمم المتحدة شكاوى المواطنين المنتهكة حقوقهم بمشروع اتفاقية عن حق المواطن في شكوى حكومته إلى الأمم المتحدة فيما يصيبه من مظالم وانتهاكات حقوق الإنسان.

وعن موقفه من ثورة يوليو 1952، ذكرت د. نجوى كامل صاحبة كتاب “محمود عزمي بين الصحافة والسياسة” أن عزمي أيد قرارت حل الأحزاب ووضع دستور جديد للبلاد، فحاز على تقدير قادة الثورة، وتم اختياره عضوا في لجنة الخمسين التي تشكلت عام 1953 لوضع الدستور الجديد، وشارك في لجنة الحريات والحقوق والواجبات التي ترأسها محمد علوبة باشا.

في منزل عبد الناصر

وعن علاقته بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ذكر الأستاذ محمد حسنين هيكل في أحدى حلقات برنامجه على قناة الجزيرة “مع هيكل” عام 2006 إنه اصطحب معه عزمي إلي منزل عبد الناصر يوم 12 فبراير 1953م، وأثناء اللقاء طرح عزمي نظرية حياد مصر في مفاوضاتها من أجل الاستقلال مع الانجليز، وأن تدخل مصر إلي هذه المفاوضات لا من أجل الحديث عن الاستقلال، ولا الجلاء، وإنما من أجل مسألة قناة السويس.

ورأي عزمي أن تعلن مصر حيادها مثل حياد سويسرا، وبدأ عبد الناصر يناقش عزمي في نفس مساره الفكري مما أدهش كلاً من هيكل وعزمي، وبعدما خرجا من منزل عبد الناصر، أخبر عزمي هيكل أنه كان “أمام رجل يفكر وعنده حاجات”.

هيكل في منزل عبد الناصر

كان هيكل شديد الأعجاب بمحمود عزمي، ووصف فى كتابه “من نيويورك إلى كابول” بأنه “المرشد والمعلم”، واعتبره واحدا من أهم العقول المصرية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين “كان رائدا من رواد الكتابة الصحفية المتعمقة في قضايا الشرعية والديمقراطية والتجديد”.

وقال الأستاذ عن معلمه “تعرفت عليه في أواخر الأربعينيات وأصبحت مدعوا كل خميس إذا كنت في مصر إلى بيته حيث يسكن مع زوجته الروسية يوشكا كما كان يحلو له أن يدللها، وكان بيته حافلا بثلاثة مواقع قريبة من العقل والقلب: أولها كتب التراث العالمى، وثانيها الموسيقى الكلاسيكية، أما الثالث فهو تلك المدفأة التى تتحاور مع ألسنة النار فى ليالى الشتاء الباردة”.

وفى العام 1951م كان محمود عزمي عضواً فى الوفد المصري لدى الأمم المتحدة وكان ناقماً أشد النقمة وبلغ به الحنق كثيراً من تصرفات السلطات الأمريكية معه عندما رفضت منح تأشيرة دخول له ولزوجته، رغم كونه عضواً فى وفد مصر، لأن زوجته روسية الأصل وكانت تلك السلطات تتعامل مع مواطنى روسيا وقتئذ على أنهم شيوعيون.

ويضيف هيكل مؤكداً أن السيدة يوشكا لم تكن كذلك بالطبع “شيوعية” رغم تعامل القصر الملكي في مصر معها باعتبارها كذلك، فهى سيدة تنحدر من أصول روسية بيضاء هاجرت إلى باريس عقب الثورة البلشفية التى قامت فى روسيا فى أكتوبر 1917م، ووقتها إلتقت يوشكا مع محمود عزمى الذى كان يدرس فى السوربون  وتزوجا.

ويذكر هيكل أنه عند زيارته لنيويورك لأول مرة فى أوائل الخمسينيات إلتقى مع محمود عزمى الذى كان يقطن وقتها فى أحد الفنادق المطلة على “سنترال بارك” وسارا معا وأمتدت بهما الخطوات حتى وصلا إلى ميدان “التيمس” الشهير ثم توقف الدكتور عزمي أمام واجهة زجاجية لمتجر يبيع ربطات العنق.ـ وأخذت ابتسامته الساخرة ترتسم فوق وجهه وهو يشير مؤكداً لهيكل أن تلك الواجهة تعد شبيهة وصورة ناطقة ومعبرة عن الدور الأمريكي بما تحمله من ألوان صاخبة وأشكال غريبة وماتنطوي عليه من رسوم مثيرة للدهشة.

ولفت عزمي نظر هيكل إلى رابطة عنق بعينها، وكانت ذات لون أصفر فى وسطها رسم لعين سوداء فقأها دبوس حاد فأسال بطولها نقطاً حمراء كأنها قطرات دم، ثم نظر لهيكل وهو يقول بمزيج من السخرية والإشمئزاز: تفضل ياسيدى، هذه هى القيم الجمالية للحضارة الجديدة التى يتعين علينا أن نتعامل معها!!. ثم أضاف بلهجته الساخرة المعروفة عنه: ياسيدى على الحضارة الجديدة.

“معلمة الأمم”

آمن صاحبنا على مدار حياته بالصحافة ودروها واعتبرها “معلمة الأمم” ووسيلة لتعريف الشعب بحقوقه وواجباته ولتربية الخلق ونشر الحميد من الصفات بين الجمهور، واعتبر الصحفي “مربيا للخق العام ومعلما للرأي العام ومحاميا عن المصلحة العامة”، وآمن أن حالة الصحافة في بلد ما ميزان صحيح لحالة البلد ذاته من جميع جوانبه الثقافية والخلقية والسياسة.

دعا عزمي الحكومات المصرية المتعاقبة إلى التعامل مع الصحافة باعتبارها “سلطة رابعة”، إلى جانب السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، “عليها تبعاتها في توجيه الراي العام ومراقبة ونقد ما يصدر عن السلطات الثلاث من أعمال وأن تنبه الناس إلى أوجه النقص في تلك الأعمال”.

رحم الله المدافع الأول عن حرية الصحافة، خاض معاركه من أجل الحرية ومات مدافعا عن حقوق بلاده.

جرافيك: عبد الله محمد

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: