فن

The Looming Tower.. يفضح دور مؤسسات أمريكية في أحداث 11 سبتمبر

يقول مايك هيل، الناقد الفني في صحيفة The New York Times: “عندما يتحول جزء من التاريخ الحديث إلى دراما تليفزيونية، فاعلم أن ثمة كتابا مهما يعرض لهذا التاريخ”.

ينطبق هذا فعليا على “حصار واكو”، واغتيال المصمم الإيطالي الشهير “جياني فرساتشي”، وجرائم قتل المغني الأمريكي “توباك شاكور” ومغني الراب ” نوتوريوس بي أي جي” التي قيدت ضد مجهولين. لكنه ينطبق بصورة أعمق وأكثر إثارة للجدل على مسلسل The Looming Tower “البروج المشيدة”، الذي يتكون من 10 حلقات تليفزيونية، عُرضت على شبكة تليفزيون Hulu مطلع هذا العام.

لا تكمن أهمية المسلسل فقط في الأحداث التي يؤطر لها، والتي مر عليها ما يقرب من 17 عاما؛ وإنما أيضا في أهمية الكتاب الذي ألهمه ويستند إليه، وهو كتاب The Looming Tower: Al Qaeda and the Road to 11/9 (البروج المشيدة: القاعدة والطريق إلى 11 سبتمبر)، للصحافي الأمريكي المتخصص في شئون تنظيم القاعدة، لروانس رايت، الذي نشر في عام 2006، وحصل على لقب الكتاب “الأكثر مبيعا”، إضافة إلى فوز مؤلفه بجائزة “بوليتزر” الأمريكية.

يروي المسلسل قصة فشل وكالة الاستخبارات وأجهزة إنفاذ القانون الأمريكية في اتخاذ إجراءات استباقية تحول دون وقوع أحداث 11 سبتمبر المروعة، وهو ما يصفه هيل بأنه: “ذلك العجز المهين الذي أبداه جهاز الاستخبارات الأمريكية C.I.A.)) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (F.B.I) في تبادل المعلومات لتجميع الصورة كاملة قبل وقوع الفاجعة”.

من ناحية، هناك جون أونيل (جيف دانيلز) الذي يجسد شخصية رئيس شعبة مكافحة الإرهاب في مكتب التحقيقات الفيدرالي، ويتصدى للتهديدات المتزايدة التي يفرضها تنظيم القاعدة. ومن ناحية أخرى، هناك مارتن شميت (بيتر سارسجارد)، النسخة المطابقة لأونيل داخل جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية.

لا يتمحور الصراع الدرامي في الصراع بين الأجهزة الأمريكية وتنظيم القاعدة، وإنما في العلاقة المضطربة بين أونيل وشميت لأسباب يصعب فهمها. من الوهلة الأولى، لا يقف المسلسل على الحياد إزاء هذا الصراع؛ إذ سرعان ما يكشف عن وجهته. ربما يكون أونيل زير نساء، لكن إخلاصه لعمله ولمساعيه النبيلة من أجل إحباط محاولات استهداف أمريكا يضعه على طرف النقيض من شميت، المتسلق الذي لا يصبو إلا نحو مزيد من السلطة.

في الحلقات الثلاث الأولى من المسلسل، يبرز تنظيم القاعدة كخطر داهم يتهدد الوجود الأمريكي، فقد ارتكب التنظيم جريمة تفجير السفاراتين الأمريكيتين في دار السلام ونيروبي عام 1998. وبينما يميل شميت إلى عمل عسكري راديكالي على أرض أفغانستان لاجتثاث جذور الإرهاب، يرى أونيل أن هذا من شأنه أن يجذب للتنظيم مزيدا من المؤيدين.

يتحول هذا الخلاف بين المؤسستين إلى صراع على الأرض يدفع بهما إلى حجب المعلومات، بدلا من مشاركتها، ما يبدد جهود ملاحقة التنظيم.

رغم ذلك، لا تعرض أقوى مشاهد المسلسل لهذا الصراع المؤسساتي، وإنما  للخدع الجاسوسية التي جسدها روبرت تشيسني (الممثل الأمريكي بيل كامب)، عميل التحقيقات الفيدرالية الذي تم إيفاده إلى نيروبي لجمع معلومات عن تنظيم القاعدة، بدءا من مشهد ظهوره في الحلقة الأولى، ثم في مشهد التحقيق الذي أجراه مع أحد المواطنين في الحلقة الثانية، وامتدادا إلى سائر المشاهد.

يقدم الممثل الفرنسي طاهر رحيم، الذي جسد الشخصية الحقيقية لعميل مكتب التحقيقات الفيدرالي علي صوفان، أيضا مشاهد تنطوي على قدر كبير من الإثارة، لا سيما أنه كان الضابط الأقرب للكشف عن أحداث 11 سبتمبر قبل وقوعها لولا عدم تعاون وكالة الاستخبارات المركزية المعلومات معه (ما دفعه إلى الاستقالة عقب وقوع الأحداث، ومهاجمة الوكالة بشدة في كتاب بعنوانThe Black Banners: The Inside Story of 11/9 and the War against Al-Qaeda “اللافتات السوداء: القصة الداخلية لأحداث 11 سبتمبر والحرب ضد تنظيم القاعدة”).

تأتي الأحداث في الحلقات الأولى على خلفية فضيحة مونيكا لوينيسكي، التي تحولت أيضا إلى عمل درامي يحمل اسم American Crime Story (قصة جريمة أمريكية)، للمخرج ريان ميرفي، قبل أقل من عام ، وهو ما يطرح تساؤلا مهما حول جدوى ما يمكن أن نطلق عليه ’ظاهرة الأعمال الفنية التي تعيد تأطير التاريخ الأمريكي الحديث‘.

لكن، إذا كان مسلسل American Crime Story يعمد إلى تقديم تفسير جديد لفضيحة مونيكا لوينيسكي باعتبارها حدث جلل اجتاحت تداعياته الفضاءين السياسي والاجتماعي الأمريكي، فإن مسلسل The Looming Tower لا يهدف إلى استغلال الحدث لتحقيق الإثارة، وإنما إلى إلقاء مزيد من الضوء على معلومات استمدها رايت من إجراء أكثر من 600 مقابلة شخصية، ومن المعلومات (المحدودة) التي تقاطرت لاحقا بعد نشر الكتاب.

في عام 2018، قد تبدو أحداث مسلسل The Looming Tower غير مألوفة، أو آتية من زمن بعيد قد طواه النسيان؛ إذ أعقبتها أحداث كثيرة ومتشعبة. لكن المسلسل يؤكد أن هذه الأحداث التي أعقبتها، والتي لا تزال تتوالى، ربما تنبثق عن حدث أصلي واحد، بحيث تبدو جميعها كأنها توابع له؛ وهو ما يجعل الكتاب ينوء بمهمته؛ ومن ثم يصبح تحويله إلى عمل درامي هو المقاربة الأصلح للوفاء بهذه المهمة.

*هذه المادة مترجمة من عدة مصادر.

تريلر المسلسل على موقع يوتيوب

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: