الحدث

كيم جونغ أون.. الحقيقة والأسطورة (1 – 2)

مثل بلاده، يعيش في عزلة تامة، ويحيط نفسه بسياج من السرية والغموض. فلا أحد يعرف على سبيل اليقين حتى تاريخ ميلاده الحقيقي، هل في عام 1982، أو 1983، أو 1984، وهل في شهر يناير أو فبراير أو أبريل، لكن الثابت أنه ليس في 8 يناير كما تحتفل به الدولة الكورية الشمالية، وإنما جاء اختيار هذا اليوم على سبيل التيمن بتاريخ ميلاد جده، كيم إل سونغ، مؤسس كوريا الشمالية، ورمز نهضتها وازدهارها.

ربما يكون لديه ثلاثة أطفال، وربما لا، ربما يمتلك شخصية ضعيفة انطوائية حد الانعزال، وربما يتسم بتقلب المزاج حد الجنون. يروي عنه مراقبون أنه مريض بالنقرس، ويخشى عليه البعض من مؤامرات تسعى إلى الإطاحة به من سدة الحكم أو اغتياله، لا سيما أنه – في زعمهم – ضعيف ومدلل، بينما يراه آخرون ممسكا بتلابيب السلطة وقاهرا فوق معارضيه.

 في انفراجة دبلوماسية مفاجئة، التقى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نظيره الكوري الشمالي في 12 يونيو 2018، في منتجع جزيرة سنتوسا بسنغافورة، فيما وصفه البعض بالمعادلة الدبلوماسية التي ربما تمثل جسرا استراتيجيا يعبر به الديكتاتور الصغير إلى العالم.

فقد أبدى الزعيم الشاب – وفقا لتصريحات المبعوث الكوري الجنوبي الذي التقى به – استعدادا لمناقشة التخلي عن قدرات بلاده النووية، فيما يُعد تحولا دراماتيكيا عن موقفه السابق.

منذ صعوده إلى سدة القيادة العليا لجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية – وهو الاسم الرسمي لدولة كوريا الشمالية – بادر كيم باتباع سياسة جده المؤسس في العمل على مسارين، هما تحديث القوة العسكرية، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية.

على المستوى العسكري، يحرص كيم على حضور التدريبات العسكرية بصورة منتظمة، واختيار القيادات الأكثر كفاءة. كما يتفقد بانتظام القواعد العسكرية، خاصة القريبة من كوريا الجنوبية، وتتسم قيادته بالحزم والشدة، وكثيرا ما تشير الدعاية الرسمية لبلاده إلى نبوغه العسكري.

في الوقت ذاته قام كيم بتحويل دفة السلطة من المؤسسة العسكرية وأعادها مجددا إلى حزب العمال الحاكم. وفي العام الماضي، دعا كيم إلى عقد مؤتمر الحزب لأول مرة منذ 36 عاما.

أما على المستوى الاقتصادي، فتؤكد كافة المؤشرات أن كيم يدفع عجلة التنمية الاقتصادية بقوة، لا سيما في مجال المشروعات الإنشائية العملاقة. كما يبدى الزعيم الشاب اهتماما فائقا بالملف النووي، وقد حقق فيه فعليا نجاحات مبهرة تفوق بكثير ما حققه أسلافه.

وتؤكد العديد من التقارير الرسمية الصادرة عن مراكز بحثية مرموقة أن كيم كان أذكى من الجميع، وأن سياساته شهدت تحولا دراماتيكيا مع بدء هذا العام من أجل الانفتاح على دول العالم، والدفع بعجلة الاقتصاد، بعد أن انتهى من برنامجه النووي. ويخلص تقرير مصور عرضته قناة CNN الأمريكية إلى أنه: “سواء كنت تصدقه أو لا تصدقه عندما يقول أن اهتماماته تحولت من البرنامج النووي إلى الاقتصاد فإن خبراء كُثر يتفقون أن كيم جونغ أون أدار اللعبة بذكاء”.

أما عن استراتيجيته التي تتسم بقدر كبير من العدوانية فربما ترتبط هذه الاستراتيجية بالأساس بمحاولة دحر خصومه المتشككين في قدرته على قيادة دولة انعزالية، لا سيما في ضوء الدور الذي تضطلع به الآلة الإعلامية على الجانب الآخر من شبه الجزيرة الكورية بتصدير رسائل مكثفة تصور النظام الشمالي على أنه نظام هش ومنعزل وغير مستقر، وذلك عبر سيل من المعلومات والأخبار التي يدعى الجنوبيون أنها “موثوقة”، ويتبين زيفها مرة بعد مرة.

ففي عام 2015، على سبيل المثال، أشاع الجنوبيون على نطاق واسع أن كيم أمر بإعدام المعماري ما وون تشون، بسبب عدم قناعة الأول بتصميمات مطار بيونج يانج الجديد، إلا أنه تشون لم يلبث أن ظهر في وسائل الإعلام الحكومية الجنوبية بحالة جيدة.

يدفع ذلك بالعديد من الخبراء إلى التشكيك في كثير من السرديات التي تُنسج حول شخصية الزعيم الشاب، والتأكيد على أن جميع الآراء حول دوافع كيم تعتمد، في أحسن الأحوال، على التخمين، وفي أسوأها على هستيرية مقيتة، لكنها تبقى بعيدة تماما عن الموضوعية، فضلا عن الدقة.

تبدأ القصة في تسعينيات القرن الماضي عندما ذهب كيم برفقة شقيقيه إلى إحدى مدارس مدينة بيرن السويسرية، حيث درسوا اللغتينن الألمانية والفرنسية، واختلطوا بطلاب دوليين آخرين. لكن خالتهم، كو يونغ سوك، التي كانت تتولى رعايتهم في سويسرا تركتهم فجأة، ولجأت إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

في مقابلة أجرتها معها صحيفة The Washington Post، في منتصف عام 2016، بعنوان The Secret Life of Kim Jong Un’s Aunt, Who has Lived in the U.S. since 1998 (الحياة السرية لخالة كيم جونغ أون، التي تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1998)، أكدت كو أن كيم وشقيقيه قاموا بزيارة ملاهي ديزني في باريس، وبالسباحة في الريفييرا الفرنسية، وتناولوا العشاء في مطاعم إيطالية، وتسلقوا جبال الألب في سويسرا. “هذا التثقيف الدولي هو ما جعل المراقبين الغربيين يبتهجون عندما خلف كيم أباه على عرش كوريا؛ حيث كانوا يأملون أن يلج البلاد حقبة جديدة من الانفتاح مع العالم الخارجي”.

أكدت كو أيضا ما يعرفه كثيرون عن ولع كيم بكرة السلة، وحبه الشديد للاعب الأمريكي، مايكل جوردان. وعن خلفية صعوده إلى قمة السلطة، ذكرت كو أن حفلة عيد ميلاد كيم الثامن كانت نقطة الانطلاق في هذا الصعود، “فقد أُهدي بزة جنرال، كما انحنى أمامه في هذه الحفلة عدد من الجنرالات … كان من المستحيل أن يكبر كشخص عادي بينما يعامله من حوله بهذه الطريقة”.

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق