رؤى

القرامطة.. أصحاب المدينة الفاضلة (2)

رأى العديد من الباحثين أن القرامطة سعوا لإقامة مجتمعهم تبعا لتصور المدينة الفاضلة لدى أفلاطون، وإن كان وفق محددات إسلامية (اعتمدت على رؤية الفارابي التوفيقية بين الدين والسياسة) فنجد السلطة في المجتمع القرمطي بيد جماعة من المستنيرين، الحاكم «السيد» فيه يتساوى مع بقية أفراد الجماعة الحاكمة «الأشيرة» فيما عرف بمجلس العقدانية، وهي هيئة شبيهة بطبقة الفلاسفة في مدينة أفلاطون، كذا فالأفراد المقاتلون بدولة القرامطة كان يجري إعدادهم لهذه المهمة منذ الطفولة، فيُجمعون في دور خاصة، ويتم تدريبهم على ركوب الخيل، وحمل السلاح، والفروسية، وهذا على غرار طبقة المحاربين بالمدينة الفاضلة لأفلاطون، أما طبقة العمال والمهنيين فكانوا ينتظمون في جماعات متخصصة، وحتى النساء والأطفال كانت لهم أعمالهم المحددة، ليتفق ذلك مع تقسيم المجتمع الأفلاطوني، وأسلوب إدارته.

وأفاد القرامطة من علم الفلك، فاستخدموه في فلسفة دعوتهم وتنظيمها، إذ جعلوا مراتب الدعوة سبعًا، تبعًا للكواكب السيارة السبع، كما قسم القرامطة مناطق الدعوة إلى اثني عشر إقليمًا، وكل إقليم تحت إمرة داعية، والداعية مسئول عن ثلاثين نقيبًا، وكل نقيب يشرف على أربع وعشرين داعية، وهذا التقسيم قائم على أساس فلكي، كالسنة التي تنقسم إلى اثنى عشر شهرًا، والشهر ثلاثون يومًا، واليوم إلى أربعة وعشرين ساعةً، كذلك كانت مراتب الدعوة سبعًا، لكل منها بلاغ طبقًا للمرتبة، وذلك بحسب فلسفتهم «السبعية».

هذه العوامل جميعها كفلت للقرامطة تمايزا سهل سبيل الطعن بل والتجني عليهم في أحيان كثيرة، وانصب اهتمام المؤرخين والمتناولين لسيرتهم على التشكيك في دينهم وتأويل أوجه اختلافهم بما يزري بهم وينفر الناس من سيرتهم.

فتحدث الغزالي في كتابه «فضائح الباطنية» عن «ترك القرامطة تأدية العبادات»، وأنه “قد اتفقت أقاويل نقلة المقالات من غير تردد أنهم قائلون بإلهين قديمين.. وهذا إلحاد لا شك فيه..»، كما ذكر الطبري أنَّ القرامطة «كانوا لا يغتسلون من الجنابة، وإنما اكتفوا بوضوء الصلاة لإزالتها».

أما أبي منصور البغدادي، فقد نسب للقرامطة: «إنهم قد أباحوا لأتباعهم نكاح البنات والأخوات وأباحوا شرب الخمر وجميع اللذات»، واتهمهم ابن حزم بأنهم يقولون بالحلول، وأنهم فرقة تقول بـ«المجوسية المحضة».

هذا بينما يورد المقريزي في الخطط أنَّ الداعي ذكرويه القرمطي «عَظُمَ قدره في أعين الناس وصارت له مرتبة في الفقه والدين»، وأنَّ حمدان بن الأشعث (قرمط) عُرف بالزهد والتعبد، وكان أنصاره يسمون أنفسهم «المؤمنون المنصورون بالله، والناصرون لدينه، والمصلحون في الأرض».

وينقل النويري في «نهاية الأرب..» عن الشريف أبو الحسين محمد بن علي صيغة العهد الذي يؤخذ ممن ينضم للدعوة: جعلت على نفسك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله (ص) وأنبيائه وملائكته ورسله.. وليكن ما تعمل عليه قبل العهد وبعده، بقولك وفعلك أن تشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، وتشهد أنَّ الجنة حق، وأنَّ الموت حق، وأنَّ البعث حق، وأنَّ الساعة حق آت لا ريب فيها.. وتقيم الصلاة لوقتها، وتؤتي الزكاة بحقها، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت الحرام، وتجاهد في سبيل الله حق جهاده على ما أقر به رسوله (ص)، وتوالي أولياء الله، وتعادي أعداء الله، وتقوم بفرائض الله، وسننه، وسنن نبيه..».

تعكس هذه اللمحات ما حملته أخبار القرامطة من تفاوت، زاده أن أغلب المصادر التي تؤرخ لحركتهم إن لم يكن جميعها  خرجت من بين صفوف خصومهم، لكن حقائق الأرض كانت لصالحهم حيث استطاعت الحركة أن تنشر دعوتها في فترة قصيرة داخل مساحة واسعة من أرض الإسلام: مصر والعراق والشام والبحرين والجزيرة العربية واليمن.

امتدت الدولة القرمطية ما يقرب من قرن ونصف وقدمت للإنسانية ولمحيطها العربي والإسلامي نموذجا متفردا ومبكرا للدولة الاشتراكية ذات الحكم الشوري، لكن هذا النموذج أقصي من المجال المعرفي العربي والإسلامي بفعل الأيديولوجية، فرغم الاهتمام الواسع بالتاريخ غير أنه لم يخرج عن إطار «الملل والنحل» تحكمه المذهبية وتسيره الطائفية، فالآخر  المذهبي أو الطائفي مدان في كل الأحوال، وغير مسموح له بالتداول، وكان عليه أن يخرج من التاريخ ويسقط من الذاكرة.

الوسوم

محمد السيد الطناوي

كاتب و باحث مصري Mohamed.altanawy1@Gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق