ثقافة

لماذا يهجر الإبداع عش الزوجية؟

قبل عشرين عامًا من عامنا هذا رجتني زميلة تتمتع بدلال فاتن الذهاب معها إلى “جزيرة بدران” بحي شبرا لكي تجري حوارًا مع حسن درويش ابن الموسيقار سيد دوريش.

كنت سأرفض مصاحبتها لعلمي أنها ستسأله عن المشهيات الصحفية من حقيقة نسبه إلى أمه “جليلة” إلى غرائب الأب الموسيقار الذي مات ميتة عجيبة وهو في صدر شبابه وفي قمة تدفقه.

تلاشت معارضتي تحت وقع دلالها الفاتن فذهبت معها. عندما صعدنا إلى الرجل العجوز كان يصلي العصر في ساحة مفتوحة على السماء تفصل بين حجرتين. ختم صلاته ثم تأمل زميلتي فلفحته نيران دلالها، تمتم بما لم أسمع، ثم طلب بأريحية تامة من الزميلة أن تذهب للمطبخ لتعد لنا أكواب شاي العصر.

أثناء وجود الزميلة في المطبخ همس لي الرجل العجوز بكل جدية: الصحفي كاتب، والكاتب فنان، وكل الذين يتعاطون الفن هم فنانون، النجار الذي يتعامل مع النجارة بوصفها فنًا هو  فنان وكذا السباك وكذا كل مهنة. مشكلة الفنان الحقيقية هي مع المرأة أولًا وأخيرًا، لا يكتمل الفنان إلا بامرأة تؤمن بفنه، عندما يجدها فإن قلبه  يصبح مهيئًا لالتقاط أدق ذبذبات الفن، ولحظتها يتدفق كما لم يتدفق من قبل.

الخيارات في الحياة  ضيقة وهى أضيق في حالة الفنان، فعليه أن يختار واحدة من اثنتين، امرأة تحبه وتؤمن بفنه، أو امرأة تحبه وتتركه وشأنه، وما أتعسه لو اختار تلك التي تناكفه أو تلك التي تريد أن تكون بطلته المطلقة وتجد صورتها في كل عمل من أعماله، أو تلك التي تستهين به وبفنه، سيكون قد قضى على فنه بل على حياته بيديه. هذه التي بالمطبخ، تبدو لي لطيفة ولكن دلالها على المشاع، وهذا يزعج الرجل، أي رجل، ففكر جيدًا. قلت له ليس بيني وبينها شيء.

الدكتور حسن البحر درويش

عادت الزميلة من المطبخ وبدأت حوارها وشردت أنا متأملًا كلمات الرجل التي قالها بيقين صاحب التجارب الحارقة.

مرت السنون وقفزت زميلتي إلى مقاعد الكاتبات وجربت الزواج ثلاث مرات، وكانت عندما ترد على أسئلة الفضوليين تقول جملة واحدة: الذي كان زوجي لا يشعر بي.

مرت السنون ودخلت البيوت وصاحبت أهل الفنون، فرأيتهم في التعاسة الزوجية سواء إلا من رحم ربي.

الذين هبطت عليهم رحمات الله كانوا من الصنف الذي تحدث عنه  الرجل العجوز ابن موسيقار الشرق،  الرجل منهم هداه الله  لحبيبة مؤمنة بفنه أو لمحبة تركته وفنه، والمرأة منهم وقع حظها مع محب مؤمن بفنها أو مع رجل محب تركها وفنها.

التعاسة كانت قدر الآخرين، تلك التعاسة التي جلبت لأحدهم نصف أمراض الكون، وذلك لأن السيدة زوجته لم تجد نفسها بطلة لقصائده، وظلت تنغص عليه معيشته إلى أن جف بحر شعره.

ثم مرت السنون واشتعل رأسي شيبًا وتكدست على صفحات دفتري السري حكايات يشيب لهولها الغراب.

بين كل عشر فنانات (كاتبات) أعرفهن هناك اثنتان فقط تنعمان بحياة زوجية مستقرة، وبين كل عشرة فنانين (كتاب) هناك واحد فقط يعيش كما يليق بفنان.

أين الخلل ومن أين يبدأ خيط النشع في ضرب أساس البنيان؟. هل الفنان هو شخص مختل خلقة لا يحسن الاختيار؟. هل هو مولع بالعذاب لكي يسيل دمه فيشتعل  فنه بتلك النيران المقدسة التي تكتب لفنه الخلود؟.

فنان كبير قال لي: لا أحد يستطيع حبنا نحن معشر الفنانين، نحن نحب المثال والمثال في السماء فقط وعندما يهبط إلى أرض البشر تلوثه أوحالها.

واصل الفنان كلامه: أفلت شيخنا نجيب محفوظ من المصيدة، تزوج  امرأة تحب الرجل نجيب محفوظ، فأنقذ بتلك الزيجة الفنان نجيب محفوظ.

قاطعته قائلًا: لكن مرسيدس زوجة ماركيز كانت أول من ينقده وكانت تقرأ مخطوطاته بل وتعاشر أفكاره وهى أجنة تتخلق في رأسه ومع ذلك دعمته حتى أصبح شيخ مشايخ الرواية العالمية.

رد قائلًا: أعرف جيدًا قصة مرسيدس وماركيز، كان الفقر قد حاصرهما وهما في باريس فتركته يكتب في الشرفة، وراحت تبيع كل ما يقع تحت يدها من الأثاث لكي تنفق علي ، ثم ذات صباح قالت له: ماركيز لم يبق تحت يدي سوى مكواة شعري، فهل أبيعها ولا تفتقد نعومة شعري؟. يومها رفض ماركيز بيعها للمكواة، وظل يكتب “مائة عام من العزلة” التي ستجلب لهما الملايين من الدولارات بعد كتابتها بسنوات قليلة.

أضاف الفنان: لا تناقض في كلامي، فزوجة ماركيز كانت محبة له وخبيرة بفنه ومؤمنة به.

 ثم مرت السنون وبقي السؤال قائمًا، هل الفنان مختل لا يحسن الاختيار؟.

وقع بين يدي كتاب “بيت حافل بالمجانين” وهو حوارات مع تسعة أدباء عالميين، من بينهم محفوظ الحبيب، أجرتها معهم مجلة “باريس رفيو” وقد ترجمها بتمكن المترجم أحمد الشافعي.

استوقفني حوار هنري ميلر الذي جاء فيه:”إن كثيرًا من الكتاب فيهم ما يمكن تسميته بالطبيعة الشيطانية، هم دائمًا في مشاكل، في جميع جوانب حياتهم، في الحب، الزواج، العمل، المال، وكل شيء”.

هنري كان حاسمًا وألقى بالمسئولية على طبيعة الفنانين الشيطانية، ولكن الذي تطمئن له نفسي بعد ما حصدته من إطلاع على أسرار هو: لا شيء بالمجان ولا شيء كامل، كل متعة يقابلها ثمن وكل كمال يقابله نقص، سيدفع الفنان من دمه مقابل تدفق فنه وستظل حياته لا تعرف الاستقرار حتى يصل إلى قبره فهناك سيعرف طعم الهدوء والراحة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: