فن

The Death of Stalin .. كوميديا سوداء عن حقبة الحكم الستالينية

لم تكن روسيا في هذا الوقت مكانا يبعث على السعادة. فتحت أعين النظام السلطوي الذي كان يتربع على عرشها وفي ظل رقابة بوليسية صارمة، تفشت بين أبناء الشعب الروسي حالة من جنون الشك والاضطهاد. وفي بداية عام 1953 أصيب جوزيف ستالين بنوبة قلبية مات على إثرها؛ لتدخل البلاد في غياهب أزمة فراغ في أعلى مستويات السلطة، واكبها سلسلة من المؤامرات والصراعات بين حفنة من المهرجين اعتبروا أنفسهم قيادات الصف الثاني من أجل تولي سدة القيادة الشاغرة.

رغم أن المناخ العام في هذه الحقبة التاريخية لا يصلح بحال لنسج عمل كوميدي، إلا أن المخرج الاسكتلندي، أرماندو يانوتشي، يثبت دائما قدرته على انتزاع الضحك من أحلك فصول التاريخ.

ينتمي فيلم The Death of Stalin إلى أعمال السخرية السياسية “Political Satire”، ويمكنك أن ترى الفيلم عملا تهكميا عميقا وعاصفا ضمن منظومة يانوتشي المعتادة في السخرية من العبث السياسي، كما يمكنك أن تراه محاولة خبيثة لزعزعة الدولة الروسية عبر التهكم من ثوابتها.

ويعبر الرأي الثاني عن وجهة نظر مسئول رفيع المستوى في وزارة الثقافة الروسية، كان قد طالب بمنع عرض الفيلم. فحتى بعد 64 عاما من موت ستالين، لا يصح أن يتحول هذا الأمر – حتى على المستوى الظاهري – مادة للتندر والسخرية.

بأي حال من الأحوال، يبدأ الفيلم بداية جادة وكئيبة، تعالج اللحظات العصيبة التي أعقبت موت ستالين (الممثل أدريان ماكلولين). من شأن الاستمرار على هذا الوضع لدقائق معدودات أن يصيب المشاهد الذي يتحدث الإنجليزية بالإحباط، لكنه سيجعل التحول إلى الضحك تحولا رائعا.

نجح الكاتبان، فابيان بيري وثيري روبين، في معالجة الرواية الفرنسية المصورة، التي ارتكز إليها هذا العمل، وتمكنوا تحت قيادة يانوتشي من الهروب بهذه الفترة من دهاليز التاريخ الكئيبة إلى آفاق السخرية الهادفة، وذلك عبر حيل فنية عميقة ومتنوعة، ليس أقلها إعطاء أدوار المقربين من ستالين، الذين كانوا يتخبطون آنذاك كالدجاجات المذبوحة، إلى مجموعة ممثلين يتحدثون الإنجليزية بلهجات متباينة، بدءا من الأمريكية المتحررة ومرورا بالبريطانية المحافظة ووصولا إلى لهجة جنوب يوركشاير المتمردة؛ وهو ما أضاف كثيرا إلى متعة العمل.

على سبيل المثال، لا يمكنك بحال مقاومة الضحك وأنت تشاهد الممثل البريطاني، جايسون إيزاك، وهو يعيد صياغة المارشال غيورغي جوكوف – قائد الجيش الأحمر، الذي أصابه الهلع – على نسق شخصيته الجافة باعتباره أحد ابناء مدينة شيفيلد، إحدى مدن جنوب يوركشاير المتمردة.

يخطو الفيلم خطوات سريعة نحو هدفه. ففي دقائقه الأولى يعرض لحفل موسيقي يتحول إلى معسكر لاتخاذ رهائن، عندما يهاتف ستالين – الذي كان لا يزال على قيد الحياة – المحطة الإذاعية لطلب تسجيل لهذا الحفل. لكن مدير راديو موسكو (الممثل بدي كونسيداين) يصاب بحالة من الذعر الشديد لعدم تسجيل الحفل. ورغم أنه يؤكد لنفسه أنه “لا أحد سيقتل.. إنها مجرد حالة موسيقية طارئة”، يبدو الرجل غير واثق من ذلك، فيلجأ إلى حيلة مضحكة تفاديا لغضب الزعيم. ورغم أن المشهد لا يستغرق وقتا طويلا إلا أنه يؤسس لكوميديا “الفارس” ذات الطابع الهزلي الهادف.

في مسلسل Veep ، الذي أخرجه يوناتشي عام 2012، كان اللاعبون الرئيسيون يحاولون التقدم ويتنافسون في ذلك لتعزيز سمعتهم من أجل تحقيق مزيد من المكاسب والامتيازات.

 لكن في فيلم The Death of Stalin فإن غاية ما تحلم به الشخصيات الرئيسية – في فترة حياة ستالين – كان البقاء على قيد الحياة، في ظل نظام لا يتردد في ضرب الرقاب إذا قال أحدهم ’نكتة سمجة‘ أو نطق اسما بطريقة خاطئة.

فقط اللاعبون السياسيون الأكثر خبثا هم من يستطيعون التقدم في بيئة خلفها هذا المناخ الاستبدادي، وحتى بمقاييس يوناتشي، فإن هؤلاء لا يتعدون حفنة من الأنذال الذين يبيعون أنفسهم. فشخصية ميلانكوف (الممثل جيفري تامبور) لا تتعدى أن تكون لمهرج متأنق لا يهتم إلا بصورته ومظهره الخارجي. ونيكيتا خروشوف (الممثل ستيف بوسيمي) شخص أجوف لا يمتلك أي طموح سوى تملق الزعيم، إلى حد جعله يطلب من زوجته عمل سجل لدعاباته التي انتزعت ضحكات ستالين.

أما بيريا (سيمون راسيل)، مسئول الأجهزة الأمنية في نظام ستالين، فهو الأسوأ على الإطلاق؛ لأنه القاتل الذي تخضبت يداه بدماء الملايين من أبناء الشعب. ويجسد الممثل، جيفري تمبور، الشرير جورجي مالينكوف – النائب الذي كان يطلق عليه ’خليفة ستالين‘ – بصورة هزلية وهو يرتدي بزته ذات اللون الأبيض المائل إلى الصفرة، والشعر المستعار، محاولا أن يشق طريقه إلى سدة الحكم ببلاهة.

يقدم الفيلم برمته حالة من الهرج التي يمكن النظر إليها من زوايا مختلفة، إلى درجة تجعلنا نظن أنه من غير المرجح أن يكون هذا الفيلم هو الفيلم المفضل لدى ستيف بانون، كبير مستشاري الرئيس ترامب للشئون الاستراتيجية.

 لقد أثبت يوناتشي أكثر من مرة من خلال المسلسلات السياسية الهزلية التي أخرجها، مثل The Thick of It، التي تسلط الضوء على دوائر الحكم في بريطانيا، ومسلسل Veep، الذي يتناول الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة الأمريكية، قدرته على الكشف عن عبثية القائمين على السلطة وعدم قدرتهم على ممارسة الإدارة السياسية.

 

*هذه المادة مترجمة من موضوعين على الرابطين:

http://www.telegraph.co.uk/films/2017/10/19/death-stalin-review-armando-iannucci-makes-delicious-mockery/

https://www.empireonline.com/movies/death-stalin/review/

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: