مختارات

«العقل الجمعي للجماهير».. هل يمكن التعويل دائما عليه؟

كتب: تامر الهلالي

هل “مملكة الخواتم” هو أعظم أعمال الأدب في القرن العشرين؟.. وهل فيلم “إنقاذ شاوشانج” هو أفضل فيلم أنتجته السينما العالمية على الإطلاق؟.. كلا العملين حصد هذه الألقاب عن طريق تصويت الجمهور، ولكن هل للجمهور القدرة دائما على حسم الاختيارات الصحيحة أو حتى التصويت للمرشحين السياسيين بشكل موضوعي؟.

 يطرح الكاتب فيليب بول المتخصص في الشؤون العلمية هذا التساؤل في مقال له بعنوان “حكمة الحشود.. الحقائق و الأخطاء” على موقع  (بي بي سي فيوتشر)، أحد مواقع هيئة الإذاعة البريطانية. يرصد بول أنه على الرغم من أننا نعيش في عصر يتم التنديد به بشكل روتيني على أنه فرداني ذاتي، تبدو المفارقة أن هناك قدرًا كبيرًا من الإيمان بقدرات العقل الجمعي للحشود على إصدار الأحكام الصحيحة. اللافت هنا أن ثمة حقائق تدعم فكرة أن الجماهير يمكنها إصدار أحكام جماعية أكثر دقة من الأفراد الخبراء في كثير من الأحيان.

فيليب بول

يطرح بول التساؤل الجوهري: “لماذا تكون أحكام العقل الجمعي للحشود أو الجماهير أحيانًا صائبًا وأحيانًا خاطئًة”. ويشير إلى أن فكرة أن حكم الجمهور أو اختيارات العقل الجمعي للشعوب أوالأغلبية غالبا ما تكون صحيحة إلى أكبر الحدود، تم تبنيها في كتاب جيمس سورويكي عام 2005 بعنوان “حكمة الحشود”، الذي رصد فيه كيف تقارب متوسط تقديرات الحشود واختيارات الجماهير الاختيارات الصائبة أو الحلول الصحيحة، مستندا إلى تجارب قام بها علماء الإنسان ذهبت إلى تأكيد تلك الظاهرة فيما أطلق عليه “حكمة الحشود” (Wisdom of the (Crowds)، والتي باتت قناعة راسخة لدى الكثير من التيارات السائدة في الإدارة والسياسة.

يستدرك بول هنا إلى أن هذا الأمر ليس صحيحا في كل الأحوال، فحتى سورويسكي نبه إلى أن قررات الجماهير أو اختيارات الحشود يمكن أن تكون بعيدة عن الصحة في كثير من الأحيان. وأوضح سورويسكي أن ثمة عدد من  المتطلبات لكي تصل الحشود إلى الأحكام الصحيحة أو الموضوعية، من بينها أن تكون قرارات الناس مستقلة عن بعضها البعض, بمعنى أنه إذا ترك الجميع أنفسهم ليتاثروا بتخمينات بعضهم البعض، فهناك احتمال أكبر بأن تنحرف التخمينات نحو تحيزات في غير محلها.

تخمينات متباينة

يوضح بول أن هذا الأثر السلبي للتأثير الاجتماعي على حكم الجماهير أظهرته دراسة قام بها فريق من علماء الإنسان في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا (ETH) في زيوريخ عام 2011، حيث طلبوا من مجموعات من المشاركين تقدير وتيرة جغرافيا الجريمة في نطاق مكاني محدد وهو الحدود السويسرية الإيطالية، وهي معلومات لم يكن من المتوقع  أن يكون لدى أي من أفراد المجموعات محل عينة الدراسة معرفة عنها، لذا كان على المشاركين في التجربة التخمين أو التقدير. وعلى سبيل المثال، تم توجيه السؤال عما يعتقدون أنه المعدل السنوي لجرائم القتل في سويسرا وتم تقديم مكافآت مالية متواضعة للمشاركين للحصول على تخمينات جماعية جيدة، للتأكد من أنهم أخذوا التحدي بجدية.

ويرصد بول أن الباحثين خلصوا إلى أنه بزيادة كمية المعلومات، والتي كانت خاطئة في كثير من الأحيان وصحيحة في بعض الأحيان، وحصل عليها المشاركون حول بعض التخمينات، فإن نطاق التخمينات الخاصة بهم أصبح أضيق و أكثر انحرافا عن الدقة  أو الصحة. بعبارة أخرى، اتجهت المجموعات نحو إجماع  بعيد عن الدقة، بحسب المعلومات التي منحت لهم لتساعدهم على التخمين والتفكيرقبل اتخاذ القرار.

و يرى بول أن هذه الدراسة وغيرها تمثل تحديا لقناعات راسخة في علم الإدارة والسياسة تذهب إلى أنه من الأفضل السعي للحصول على إجماع الجماهير في اتخاذ القرارات الحاسمة. ويشير بول إلى أن ما يمكن أن يحدث طبقا لنتائج هذه الدراسة الهامة أن ينتهي الأمر باختيار الجموع اختيارات تجانب الدقة والصواب بسبب عشوائية طبيعتها، التي تعتمد على نوع المعلومات التي تبدأ بها عملية مساعدة الحشود على اتخاذ القرارات.

ولاحقا توصل أحد العلماء القائمين على الدراسة، وهو فرانك شويتزر، إلى نتيجة مفادها: “إذا كان لدى المجموعة عموما حكم أولي جيد مبني على معلومات دقيقة و آراء موضوعية، يمكن للنفوذ الاجتماعي صقل قرارهم الجماعي وتوجيهه إلى الدفة الصحيحة بدلا من الانحراف نحو العشوائية والخطأ”.

في العديد من المواقف يمكن أن يكون الافتقار إلى المعرفة أمرًا خطيرًا، خاصة في المواقف التي قد تشتمل على انحيازات عاطفية، حيث توصلت دراسة قام بها في عام 2011 فريق من الباحثين بقيادة جوزيف سيمونز من كلية ييل للإدارة في الولايات المتحدة الأمريكية، أن التوقعات الجماعية حول نتائج كرة القدم الأمريكية انحرفت عن النتائج الحقيقية، بسبب الإفراط في الثقة في قرارات المشجعين، التي انحازت نحو الفرق “المفضلة” المزعومة في نتائج الألعاب.

التقليد والتنوع

يرى كثير من الباحثين أن سلوك الحشود الذي يعتمد على تقليد مجموعات أخرى يعد على نطاق واسع أحد العوامل الرئيسية التي ساهمت في خلق كثير من الأزمات المالية العالمية في الماضي. وفسر فريق بحثي سويسري ذلك بأن تأثير سلوك التقليد دون الاستناد إلى معلومات دقيقة من المرجح أن يكون له الأثر الأكبر في اتخاذ قرارات خاطئة، ما يبدو جليا في خيارات الحشود في بعض البلدان الديمقراطية، عبر انتخابات حرة تأتي في بعض الأحيان بقادة غير أكفاء لا يمتلكون العلم ولا الخبرات الكافية لإدارة تلك البلاد.

ويلفت بول إلى عامل رئيسي آخر من شأنه أن يجعل قرارات الجماهير أو العقل الجمعي أقرب إلى الدقة و الموضوعية، حيث يذهب علماء الإنسان إلى أن الحشود الأكثر حكمة هي الأكثر تنوعًا، وهذا ما توصلت إليه دراسة أجراها سكوت بيج من جامعة ميشيغان ولوه كونغ من جامعة لويولا في شيكاغو عام 2004. خلص الباحثان من خلال صياغة نموذج نظري لصنع القرار الجماعي أن مجموعة متنوعة الثقافات والخلفيات من الذين تصدوا لحل بعض المشاكل التي تم تحديهم بها خلال الدراسة، قد خمنوا تخمينًا جماعيًا أفضل من ذلك الذي قامت به مجموعة من أصحاب الحلول الأفضل أداءً وخبرة ممن تتشابه أو تتطابق خبراتهم العلمية أو العملية. وتشير كل هذه النتائج إلى أن معرفة مكونات الحشد أو الجمهور، ومدى تنوعها، هو أمر حيوي قبل أن ننسب إليهم أي حكمة حقيقية.

الأثر الإيجابي للمعارضة

ويستطرد  بول:  يبقى السؤال: هل يمكن أن تكون هناك طرق أخرى لجعل الحشود والجماهير أكثر حكمة؟. للإجابة على هذا السؤال قام فريق من الباحثين من جامعة ميسوري بتقديم بعض الدراسات في مؤتمر حول الذكاء الجماعي، طرحت بعض الإجابات المفصلية في هذا السياق، حول بعض شروط التعريف الإحصائي لما يعنيه أن يكون الحشد حكيماً. وكانت النتائج على وجه التحديد أنه لا يجب إضافة مجرد أفراد عشوائيين لا علاقة لقراراتهم بتلك الخاصة بأعضاء أي حشد، ولكن من الأفضل إضافة من تكون وجهات نظرهم “مرتبطة بشكل سلبي” (معارضة) لأفكار غالبية أعضاء الحشد.

 بعبارة أخرى، ليس فقط التنوع أو الاختلاف في خلفيات أو إيديولوجيات الحشد فحسب هو ما يعزز فرص التوصل إلى اختيارات و قرارات موضوعية، بل أيضا التعارض الواضح في الآراء. الخلاصة أنه إذا كنت تريد الحصول على حكمة من الحشود، يجب أن يتكون الحشد من أشخاص مستقلين في تفكيرهم، وأن يكون من بينهم من يختلفون بوضوح مع بعضهم البعض، كما يجب تزويدهم بمعلومات أولية موضوعية ودقيقة لمساعدتهم على التوصل إلى القرارات والاختيارات الصحيحة فيما يخص موضوع القرار أو الاختيار.

مقالة فيليب بول

الوسوم
إغلاق