رؤى

المستكاوي.. أديب الرياضة النجيب ومؤرخ المونديال

لكل صنعة شيخ، يشد إليه أهل “الكار” الرحال لتعلم أسرار المهنة ومعرفة دروبها، ولا يمكن أن تمر منافسات بطولة كأس العالم لكرة القدم دون الوقوف على سيرة شيخ الصحافة الرياضية ومؤسس مهنة النقد الرياضي في مصر والوطن العربي، عمنا نجيب المستكاوي رحمه الله “1918-1993”.

لم يكن نجيب ناقدا على هيئة نجوم ستوديهات التحليل الذين يطلون علينا هذه الأيام، فالرجل الذي حول أخبار الرياضة فى مصر من مربع صغير فى صفحة داخلية فى جريدة “الأهرام” إلى فرع مهم من فروع “صاحبة الجلالة”، كان موسوعيا عمل مترجما وناقدا أدبيا وسياسيا وفنيا، يتطرق في تحليلاته الرشيقة عن المنافسات الرياضية إلى التاريخ والجغرافيا والأدب والسياسة والقانون والحرية والفن والجمال والحب والزواج والجنس.

ابن بطوطة

في كتابه “ابن بطوطة الرياضي” الصادر عن دار الشروق في ثمانينيات القرن الماضي، كتب عم نجيب عن رحلاته إلي أكثر من 30 دولة، من إندونسيا واليابان شرقا إلى إنجلتر وأمريكا وفرنسا غربا. في فصول الكتاب قدم المستكاوي سردا ووصفا ممتعا عن مدن وأحياء هذه الدول، استدعى تاريخها وعاداتها، قوانينها وأنظمتها، وعلى الهامش تطرق إلى المنافسات الرياضية الدولية التي كان يذهب إلى تغطيتها.

ذهب المستكاوي إلى إنجلترا عام 1966 لتغطية منافسات كأس العالم لكرة القدم، ووصف حصول الإنجليز على كأس البطولة بـ”المؤامرة”، وقدم بين دفتي الكتاب خلطته المتنوعة التي انفرد بها.

كتب نجيب في “ابن بطوطة”: “في طريقي إلى إنجلترا لحضور مباريات كأس العالم تزاحمت في رأسي الأفكار.. “شكسبير” الذي قرأت زمان بحثا يحاول تعريبه ويقول أن أسمه الأصلي “الشيخ زبير”.. حاجة تضحك.. والقراصنة وعلى رأسهم مورجان وبلاك والملكة أليصابات وكروميل أول وآخر رئيس جمهورية في بريطانيا وهنري الثامن وزوجاته وجيمس الثاني الذي حرم كرة القدم لأنها تلهي الشباب عن واجباته، ونيلسون ولوك وديكنز وأوسكار وايلد وبرنارد شو وغيرهم من أعلام الفلسفة والحرب والاستكشاف والشعر والعلم والأدب.. برج لندن، وقصر باكنجهام، والهايد بارك ومتحف الشمع ونهر التايمز ومترو الأنفاق، ومناجم الفحم وثورة، بولدوين رئيس الوزراء الإمبريالي على إدوارد الثامن حيث أنتقد أوضاع عمال المناجم ثم تخليه عن العرش من أجل مسز سمبسون”.

وتابع: “أفكار لا حصر لها لأن إنجلترا تاريخ، وأصارحك بأني كنت مشحونا بأفكار مبتسرة عن الإنجليز الطغاة المستعمرين، وكل ما عرفناه عنهم من صلف وبرود، إلى جانب كراهية خاصة لبلفور صاحب الوعد المشؤوم للصهاينة، وربما كنت حاقدا عليهم لأنهم أحتلو بلادي، ولأني كنت قد قرأت في شبابي عبارة تقول أن التاريخ يكتب على هوى الإنجليز لدرجة، أنهم كسبوا معارك وهمية لم يكسبوها مثل موقعة جوتلند البحرية ووترلو ضد نابليون مع أن الفضل كان للقائد الألماني بلوخر وانهيار التل بجنود نابليون. إلا أن كل الأفكار الحاقدة تلاشت من نفسي منذ أن وطأت قدماي أرض مطار هيثرو العظيم، بكل الأدب والبسمة الحلوة المريحة استقبلنا رجال الجوازات، كنا مجموعة تضم يوسف الشريعي مدير الفريق القومي لكرة القدم ومحمد حسن حلمي رئيس نادي الزمالك وعلى زيوار وحسين مدكور من معلقي التلفزيون والمذيع فهمي عمر وأنا”.

ويكمل: “أستأجرنا شقة كبيرة في ريجنت بارك، ووزعنا الاختصاصات، حسين مدكور للتدبير المنزلي والمشتريات، وحلمي للطبيخ، وزيوار للغسيل، وعمر للقهوة والشاي، والشريعي يتولى الإشراف على الشغالة التي تقوم بتنظيف الشقة.. كثر الزوار، الفريق عبد العزيز مصطفى وكيل الاتحاد الدولي للكرة والمرحوم جلال قريطم رئيس رعاية الشباب ومحمد عبده صالح الوحش المدرب المشهور ومجدي النحاس الصحفي ومسلك البالوعات وصالح سليم رئيس النادي الأهلي وغيرهم.. ذات يوم عاد حسين مدكور بالمشتريات بصفته مسئول التديبر المنزلي وكان من بينها معلبات لحم محفوظ وبالصدفة جلست أطالع ما هو مكتوب عليها فإذا بها “للكلاب فقط”.

مؤامرة كأس العالم 1966

عاد الحكاء ابن بطوطة الرياضي لمنافسات البطولة، فقال: “كانت مجموعة إنجلترا ضعيفة، وتضم أورجواي وفرنسا والمكسيك، أما المجموعة القوية فكانت تضم البرازيل والمجر وبلغاريا والبرتغال وتلعب في ليفربول ومانشستر، بينما تلعب المجموعتان الآخريان في برمنجهام وشيفلد، تنقلت بين المدن الثلاث وشاهدت مع محمد لطيف تصفية فريق البرازيل بالعنف وظهور فريقي البرتغال وكوريا الشمالية ونكسة أسبانيا وأيطاليا، إلا أن الأهم فيما لاحظناه أن هذه المدن لا ينقصها شيئ، ففيها كل المرافق ومحال الاستبضاع والترويح بنفس جودة العاصمة، وهكذا يكون الحكم المحلي دون شعارات ترف ولا تطبق”.

ولم تخل الكتابة من الكوميديا التي عود نجيب عليها قراءه، فقال “عدنا إلى لندن بعد انتهاء الدور الأول ودعوت كابتن لطيف لكي يقيم معنا لكنه اعتذر وقبل دعوة الغداء فقط، وعندما اقتربنا من المنزل سمعت نباحا وحبكت النكتة فقلت للطيف: يبدو أن حسين مدكور أشترى لحما محفوظا مرة أخرى.

وبين مباريات الدول الأول والثاني تجول صاحبنا في لندن وكتب قائلا: بدأنا بحديقة هايد بارك وركن الخطابة عند الماربل حيث سمعنا خطيبا زنجيا يسب الحكومة وشرذمة قليلة تتفرج عليه أكثر مما هي تستمع له، وزرنا متحف الشمع وتذكرنا فيلم متحف الشمع لليوينل أنويل المرعب الذي كان يقتل ضحاياه ويغلفهم بالشمع ويضعهم في المتحف إلى أن أنكشف أمره.. تفرجنا على سيولة المرور والالتزام من المارة والأدب من قادة السيارات ثم هيبة العسكري الإنجليزي وقوة شخصيته ومدى احترام الناس للقانون مع أن إنجلترا هي بلاد القانون الغير مكتوب لا دستور غير مدون إلا في الآذهان والقلوب حيث حفره التاريخ بأحرف من نور.

في اليوم التالي كانت زيارتنا لبرج لندن الرهيب العتيق، أقدم قلعة وقصر وسجن في أوربا، وهو عدة أبراج شيدها وليم الفاتح في نفس المكان الذي أقام فيه الأمبراطور الروماني كلوديوس ثكنات لحاميته عندما غزا بلاد الإنجليز منذ آلاف السنين.. ومن أشهر سجنائه سيرتوماس مور عام 1534 والأميرة اليزابيث التي أصبحت الملكة أليزابيث الأولى فيما بعد.

وبعد وجبة دسمة عن تاريخ إنجلترا ومعالمها، جذب فيها ابن بطوطة الرياضي قراءه بكتاباته وتعليقاته الساخرة، وانتقد فيها القبح والفساد وانعدام دولة القانون في بلاده، عاد إلى التعليق على منافسات المونديال فكتب: كان الإنجليزي السير ستانلي راوس رئيسا للاتحاد الدولي لكرة القدم وهو شخصية فذة محبوبة، جامله المنظمون والحكام على حساب الفرق الأخرى والعدل حتى فازت إنجلترا بكأس العالم لأول مرة.. وصدقوني، كانت النية مبيتة على فوز الإنجليز، كان يجب أن تقام مبارة دور الثمانية بين إنجلترا والأرجنتين في ليفربول وفقا للبرنامج المقرر لكن اللجنة المنظمة اجتمعت ونقلتها إلى لندن ليلعب الفريق الإنجليزي في ويمبلي ملعبه المفضل و”المبارك”، وتم الاتفاق على تصفية البرازيل والأرجنتين وأورجواي في الدور الأول، ترك الحكم لاعب البرتغال مواريز يضرب بيليه العظيم ويخرجه من المباراة مصابا لتفوز البرتغال 3-1، وفي لندن تعهد الحكم الألماني “الجلاد” كريتلاين بطرد رايتن كابتن الأرجنتين لتكسب إنجلترا 1-0، وفي برمنجهام تعهد الحكم الإنجليزي فيني بطرد نجمين من فريق أوراجواي لتكسب ألمانيا ولولا هذه المؤامرة ما فازت إنجلترا بالبطولة.

بنفس الحالة وبذات العمق استرسل أبن بطوطة الرياضي في الحديث عن أكثر من 32 دولة زارها كناقد رياضي، وعاد منها بسرد ممتع وشيق لحكايات عن كل شيئ.

معظم الزملاء الذي كتبوا عن الرجل ظلموه وحصروه في مساحة “العناتيل والعتاويل والدروايش والشواكيش” دون أن يتطرقوا إلى آفاق آخرى حلق إليها “صانيعي” الصحافة الرياضية على حد تعبير زميلنا عمر طاهر.

شهادة عميد الأدب العربي

طاهر قال في كتابه “صانيعية مصر” الصادر عن دار الكرمة عام 2017: قبل ظهور نجيب المستكاوى فى الخمسينيات كان النقد الرياضى فى مصر عبارة عن مربع صغير شبه مهجور فى صفحة داخلية فى جريدة الأهرام.

وعن علاقة المستكاوي بعميد الأدب العربي طه حسين قال طاهر: “كان الدكتور طه حسين مستشارا لدار الكتاب العربى للنشر، هاتفهم فى مرة يسألهم عن الكتاب الذى يعملون عليه فى المطابع حاليا، فقالوا له كتاب مترجم لجان جاك روسو اسمه «أزمة الضمير الأوروبى»، كان العميد قد سبق له قراءة الكتاب فى لغته الأصلية، فطلب منهم أن يراجع الترجمة قبل النشر. وقبل أن يدخل الكتاب إلى المطبعة هاتف طه حسين مترجم الكتاب نجيب المستكاوي يطلب مقابلته بعد أن راجع الترجمة.

 بعدها، أصبح المستكاوى ضيفا ثابتا فى صالون العميد، وقبلها صدر الكتاب بتقديم العميد قائلا: « تعالوا إلى لذة المعرفة، ومتعة الفهم، وسمو التذوق». ونقل عن طه حسين إنه قال عن المستكاوي “أديب ضل طريقه نحو الرياضة”.‏

ولد المستكاوي في قرية الشين بطنطا والتحق بمدرسة طنطا الثانوية، مارس فيها كرة القدم، ولعب لمنتخب محافظة الغربية في الكرة عام 1935 وانتقل إلي القاهرة للالتحاق بكلية الحقوق، وانضم لنادي الترسانة ومارس فيه ألعاب القوي وكرة القدم، وانتقل لصفوف النادي الأهلي في ألعاب القوي واعتزل عام1943.

بعد التخرج تم تعيينه مفتشا ماليا وإداريا بوزارة الشئون الاجتماعية عام1944 وظل بها حتي قيام الثورة ومع قيام ثورة يوليو1952، ووقع الاختيار عليه ضمن لجنة التفتيش المالي والاداري علي اللجنة الأوليمبية لتصفية اللجنة من الباشوات والبكوات.

عرض عليه كمال نجيب المسؤول عن كتابة مربع الرياضة في “الأهرام” العمل معه، وشكل المستكاوي فريق عمل رياضي ضم كامل المنياوى “حكم ملاكمة”، وحسن عفيفى “حكم كرة قدم”، وحسن فضل “حكم رجبى”.

تحولت الصفحة الرياضية بـ”الأهرام” إلى حالة أثارت غيرة باقي الإصدارات الصحفية، فاستنسخت الجرائد التجربة، وتفرغ المستكاوي للعمل الصحفي بعد أن استقال من عمله بالوازارة.

بعد أن علا نجمه في سماء صاحبة الجلالة بذل المستكاوي جهدا كبيرا لتوسيع قاعدة المنافسة في كرة القدم، ودعم عدد من فرق الأقاليم مثل المحلة والإسماعيلي والأوليمبي والترسانة.

تخصص المستكاوي في نحت ألقاب الفرق واللاعبين من “العناتيل” و”العتاويل” إلى “الدراويش” ومن “بازوكا” و”النفاثة” إلى “فاكهة الكرة المصرية”.

توفى “صاحب الجلالة” المستكاوى عام 1993، وكان آخر ما قاله فى حوار صحفى أجري معه فى مقر إقامته بقسم القلب بأحد مستشفيات المعادى: «الكورة هى حياتى.. ده أنا حتى عندي 11 حفيد بافكر أعمل بيهم فريق ينافس على الدورى».

جرافيكس: عبد الله محمد

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: