ثقافة

رسالة مفتوحة لبطل رواية «عازفة الكمان»

عزيزي المهندس طارق أبو النور

تحية طيبة وبعد،،

أرجوك أخي الكريم ألا تعكر صفو اللحظة  وتعترض قائلًا: كيف لعاقل مخاطبة شخصية في رواية؟.. يا أخي ليس لمثلي يقال هذا الكلام!.. أعرف أنك بطل رواية الكاتب أسامة غريب “عازفة الكمان” كما أعرف أمك وأباك وشقيقتك وأولادها وزوجها، وأعرف صديقك الدبلوماسي مدحت الطوبي، وأعرف أن الرواية صدرت مطلع عامنا هذا عن دار الشروق.

الذي لا تعرفه أنت عن نفسك هو أنك لست فكرة طرأت على رأس كاتب أو شخصية اخترعها استثمارًا لمزاج طيب أو هربًا من ملل قاتل، أنت آدمي من لحم ودم وعظام طحنتها الأيام، أنت مثلنا تمامًا ولست صفحات من ورق أصم، لك قلب (وهذه هى المصيبة) ولك عينان وشفتان ولسان وأنف، حواسك الآدمية مكتملة أخي طارق (وهذه مصيبة ثانية).

عزيزي طارق، دعني أبدأ معك من الآهة الأولى من موال الأحزان، أنت يا طارق ابن لرجل طيب مات مبكرًا وأنت ما تزال في طفولتك المتلعثمة وترك لك ثروة تكفيك وأمك الأرملة الشابة لمواصلة الحياة بصورة تبدو كريمة.

أنت تعلمت حتى حصدت شهادة الهندسة من الجامعة المصرية، ووضعت قدميك على أولى درجات سلم الصعود، حتى اللحظة لا مشاكل هناك.

تمهل يا سيد طارق، المشاكل موجودة بل أنت تعاني من أم المشاكل، أنت يتيم يا طارق، واليتامى مصابون بحساسية خاصة تجاه الكون ذاته، إنهم يشعرون بظلم ما وقع على قلوبهم، اليتامى مثلك ينفقون أعمارهم وهم يبحثون عن الدفء، قد يجدونه، وقد يتسرب من بين أصابعهم في لحظة قبضهم عليه، ثم هم يكرهون الظلم لشعورهم بأنهم قد ذاقوا مرارته، بغضهم للظلم سيجعلهم يقعون في فخ مصيبة العدل وفي شراك كارثة الحب.

عزيزي طارق أنا الآن لا أهاجمك ولا أنتقدك، أنا أحاول بنية صافية محبة تفسير أسباب ما حدث لك.كانت حياتك ستمضي كما تمضي حياة الآخرين، ولكنك في اللحظة الحاسمة، لحظة اختيار القرار لم تدرك أن الحياة كل الحياة هي كما قال أجدادنا ثلاث سكك: سكة السلامة، وهذه معروفة، وسكة الندامة وهي معروفة أيضًا، وسكة الذي يذهب فلا يعود، وتلك هيسكة الفن. لقد بدأت أنت الشوط عندما ذهبت بقدميك وبكامل حريتك إلى رجل يعلمك العزف على العود، أنت الذي اخترت، ومن هنا كانت ضربة البداية الخاسرة، لقد أحرزت بقدمك هدفًا في  مرماك في أولى دقائق مباراتك مع الحياة.

أعرف والله أن سكة الفن كانت بحثًا عن الدفء الذي غاب عنك منذ غاب أبوك في التراب، قد تكابر أو تجادل ولكن هذه هى الحقيقة يا عزيزي.. ثم قادتك غواية الفن إلى عشق العدل، حدثت بينك وبين أحدهم حادثة مرور تافهة، مجرد خدش في سيارة أحدكما، كبرت كرة اللهب وتدحرجت حتى وصلت إلى الوقوف أمام حضرة ضابط الشرطة، وهناك لطمك الضابط، لأنك حدثته حديث الند للند، ووقفت في وجهه كما يقف الرجل للرجل، عندما هوت كف الضابط على خدك، تهاوت معاني العدل وماتت في عينيك قيم المساواة والرجولة والشرف والمروءة.

إنها مجرد لطمة يا عم طارق، غيرك تنزل عليه مطارق جهنمية ويواصل حياته.لأنك مريض بالعدل فقد فررت، تركت كل شيء وذهبت لأبعد نقطة عن عالمك، تركت عزف العود وأمك وشقيقتك، وذهبت إلى أمريكا.هل كنت تبحث عن الدفء أم عن العدل أم عن المساواة، أم كنت تفر من كابوس كف الضابط.

عزيزي طارق، هذه الدنيا لا تعرف العدل، إنها صراع شرس متواصل بين المرضى بالعدل وبين هؤلاء الطواغيت، هل وجدت العدل في صقيع أمريكا يا طارق؟.

قبل مغادرتك لمصر كانت حبيبتك قد هجرتك بزعم مواصلة دراستها في المانيا، هي لم تذهب للدراسة، لقد فرت منك وتزوجت بغيرك لأنك لا تصلح لها، هى تأملتك جيدًا فعرفت أنك مريض بالعدل والحب والدفء، هي صارحت نفسها قائلة: هذا لن يكون المصباح السحري الذي سيجلب لي مباهج الحياة، إنه جلاب مشاكل ولن يكف عن جلبه للمشاكل. لقد قرأت هي داخلك جيدًا ففرت، لقد عرفت أنك مثل شاعرك أمل دنقل تنشد فرسًا نافرًا في الغمام أو جوهرة مخبأة في الوحل.

أنت من هؤلاء الذين دينياهم هناك في السماء بينما قضى الله عليهم أن يمضوا أعمارهم وهم يتعثرون في أوساخ الأرض.

في أمريكا سيبرز بغضك للظلم، لقد جاءت لك فرصة على طبق من ذهب، فثمة مصري ملياردير ينفق بسفه على كل الذين لهم أدني علاقة بنظام حكم الرئيس مبارك، فلو زعمت كاذبًا لهذا الملياردير أنك قريب لفلان أو علان من رجالات النظام لكان قد أنفق عليك وجنبك وعثاء البداية، لكنك تريد العدل والتنافس القائم على أساس متين من التكافؤ.

لن تصاحب في أمريكا سوى الدبلوماسي مدحت الذي يكرهه زملاؤه  رجال السفارة لأنه يعامل الناس بلطف وذوق ولا يشمخ عليهم بعمله الدبلوماسي.

تزوجت أمريكية يا طارق، فلم تسأل نفسك لماذا كان خراب البيت سريعًا؟

أنا أقول لك لماذا فرت منك الأمريكية، لأنك لست المصباح السحري، أنت بدأت العمل في أمريكا سائق تاكسي، ثم بعد جهاد أصبحت مالكًا لمطعم لطيف صغير، هؤلاء النسوة يا صديقي نافدات الصبر دائمًا لا طاقة لهن على العمل الجاد الشاق، هن يشتهين الثروة، ولا يسألن أبدًا عن مصدرها.

بعد الطلاق ستسقط في براثن التدخين وتجرع الخمور ومحبة القمار، بإرادة فذة ستتخلص من غواية المقامرة، وبأمر الطبيب ستتخلص من التدخين، وستبقى الخمور، كأس بعد العشاء وليس إدمان الحثالة الذين يذهب بهم الإدمان إلى المصحات.

الملياردير السفيه سيجلب فنانين مصريين لحفل في أمريكا، ستكون “أمل شوقي” وصاحبتها ليلى ضمن أبرز المشاركين في الوفد.ستقع في حب ليلى من النظرة الأولى. لو تمهلت يا طارق ما وقعت في تلك الكارثة، لقد كنت راضيًا بحياتك وقانعًا بها، الدفء الذي تبحث عنه كان ينبع من داخلك أنت، ولكنك كنت تشتهي دفئًا من خارج ذاتك.

أمل عازفة كمان متفردة، شاغب عزفها الفنان الذي بداخلك، فتركت لجام قلبك فركض كحصان جانح إلى حضنها، فماذا فعلت هى بقلبك؟.أمل تجاوزت سن الزواج المتعارف عليه، ألم يلفت هذا نظرك؟. لقد لفت فصدقت كلامها، قالت: إنا مستقلة ولا أريد رجلًا لا يحترم فني.

ثم بعد شهور من علاقتك  بها ستكتشف أنها قد خطبت ثلاث مرات، وواحد من خطابها كان  مدمن مخدرات!.. وفي كل مرة كانت تقول لك سببًا ملفقًا لفسخ الخطوبة!. أنت طيب جدًا يا طارق، على نياتك يعني، فلو تبصرت ما كنت قد وقعت في براثن أمل.

أنت كريم سخي اليد والنفس بينما أمل شحيحة لا تعرف العطاء فهى لا تتصل بك تلفونيًا لخوفها من دفع فاتورة اتصال مع بلد أجنبي!. أنت ضاحك مبتهج بالحياة رغم صعوبتها، أمل مكتئبة دائمًا وتتعاطى عقاقير تملأ بها حقيبة يدها.

أنت تلوم نفسك لو تجاوزت معدلك من الكحول، أمل حشاشة يا طارق وأنت رأيتها تلقف سيجارة حشيش من بين أصابع صديق لها، بل لعلها عملت على أن تراها تحشش لكي تكشف لك حقيقتها وتفرض شروطها من البداية.

أنت عدت إلى مصر بعد غربة دامت خمسة عشرة سنة لكي تخطب أمل فتملصت منك حتى أنها لم تكن تسعى لرؤيتك وأنت الذي قطع آلاف الكيلومترات لكي يراها. وعندما كانت ترفق بك وتراك كانت تنكد عليك الجلسة، ولكن فور أن ترى أحدًا من  المعجبين بها  تكنس عن وجهها النكد وتتسع ابتسامتها من الأذن إلى الأذن وتقوم منشرحة لكي تلتقط صورة مع المعجب!.

عندما كتبت لأملك قصيدة شعر تفيض بالمحبة الصافية، تركت كل أبياتها ووقفت عند بيت واحد تقول فيه إنك خائف من البوح، وراحت تحاكمك لأنك لم تحبها!.

يا راجل أين كان عقلك، بل أين كان حبك للعدل، أنت هكذا ظلمت قلبك وكدت تدمر حياتك، لقد أهملت مشروعك وعدت تقامر وتسرف في شرب الخمور. أمل شخصية هيسترية يا سيد طارق، فلو كان لك أدنى بصر بكتب علم النفس لكشفت حقيقتها بعد دقائق.

لا شيء حقيقي في حياة هؤلاء، إنها مجرد نوبات تضربهم فيستجيبون لها، أمل تضربها صباحًا نوبة الحب فتغرقك في وعود الوفاء الأبدية، ظهرًا تضربها نوبة الاكتئاب فتفر منك، ليلًا تضربها نوبة الشح فلا تتصل بك.

أمل  يا سيد طارق، كما يقول علماء النفس، مثل كل هيستيرية لديها شخصية اجتماعية وعندها مهارات تواصل عالية تستخدمها ببراعة للحصول على إعجاب الآخرين.ثم هي جذابة جدًا على الصعيد الجنسي، وهي تدخل في مغامرات حادة لشعورها الدائم بافتقاد الإثارة في حياتها.

ثم كل الهيستيريات لا يعطين شيئًا سوى الوعود وقبلات محدودة، هل فزت من أمل بأكثر من ثلاث قبلات وألف وعد؟.لقد نزفت أنت مشاعرك ومالك وراحة قلبك ولم تربح شيئًا، بينما هي ربحت محبًا سخيًا ينفق ماله ووقته ويبعثر عليها مشاعره.

كل أحداث الرواية أنت قصصتها على كاتبها أسامة غريب الذي سطرها كما ذكرتها أنت له، أسامة برئ من تهمة الاختراع ومن عيب الاختلاق، هو فقط رفق بك وبقرائه وبيّض وجه أمل وجمّل سيرتها عندما ختم قصتك معها بموتها المباغت لكي تظل حرارة  قبلاتها تعذب قلبك لا جسدك.

عزيزي طارق أعزيك في مشاعرك المراق دمها هدرًا.. واعلم يا عزيزي أن في كل منع منح، وقد منحك الله أسامة غريب الذي خلّد حرقة قلبك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق