رياضة

محنة الزملكاوي من المهد إلى اللحد

لكل محنة منحة إلا أن تكون من ضمن مشجعي فريق الزمالك المصري، فهي محنة لا يعانيها إلا من ذاق مرارتها، وتجرع من توابعها، تستمر معه المحنة رغم أنفه من المهد حين يبدأ مشواره التشجيعي وحتى يوم وفاته، وتتمظهر تلك المحنة لدى البعض، وهم الكثرة الغالبة، في أمراضٍ تصيبهم، أكثرها شيوعا أمراض ارتفاع الضغط وزيادة نسبة السكر في الدم والاحتباس البولي وما إلى ذلك من أعراض وأمراض الشيخوخة المبكرة.


“سنظل أوفياء” .. كم أتعبت تلك العبارة قلوب الزملكاوية، فيها اعتراف بخيبة الأمل، قبل أن يكون فيها اعتراف بالحب. هو نوع من الحب الذي يقتل، وهي علاقة خاصة متعبة جداً بين الزملكاوي وناديه العريق، الذي يتقن فنون خذلان عشاقه، كما لم يتقنها معشوق من قبل.
علاقة حب من طرف واحد، تبدأ بالخذلان وتدور بين الحب والوفاء، والإخلاص، والصبر، والتضحية والدعم وقت المحن، وتعود مرة أخرى إلى الخذلان من جديد.


وعشاق الزمالك أدمنوا تلك الحالة من الإقبال والفتور، من الصد والنفور، من المحبة المفرطة إلى كره الذات وتمني الموت لكي بتخلص الزملكاوي من هذا الشيء الذي يتلبس بروحه ويمنعه من أن ينفك بعيداً عن تلك العلاقة المجنونة التي لا تنتهي إلا لتبدأ مرة أخرى أكثر شراسة وأكبر حرصاً على الخذلان المتكرر.
يعاني الزملكاوي من إدمانه لنادٍ مهارته الوحيدة تتجسد في التفنن في أن يُكرّه مشجعيه في حياتهم وينكد عليهم عيشتهم.
مرة كتبت “بوستاً” على الفيس بوك علق عليه أحد الأصدقاء وقد انتابته نوبة من الإشفاق وهو يسألني بإلتياع واضح: معقوله انت زملكاوي؟، طيب إيه اللي عمل فيك كده؟
هذا الموقف حصل مع كل زملكاوي بدون استثناء، في كثير من المواقف التي يصعب فيها الزملكاوي حتى على الكافر، ولا يصعب فيها على الأهلاوي أن يبتز زملكاوية كل فرد منا نحن المشجعين الغلابة للنادي الكبير والعريق.
كثير منا لم يختر زملكاويته، خاصة في جيلنا، حين كان الزمالك مدرسة الفن والهندسة، وحين كانت البطولات الكبيرة تدخل من باب النادي فلا تخرج منه مواسم عدة، وحيث كان ناشئ الفتيان منا ينشأ وأبواه يزملكانه أو يأهلوانه، فينشأ الولد على تشجيع فريق آبائه. أما أنا فأعترف أن ذنبي لا يقع على عاتق أهلي، فقد بدأت حب الزمالك مع اللحظة نفسها التي تعلمت فيها حبي لمصر، وكنا نقف صغاراً في طابور الصباح نهتف من أعماق قلوبنا: “عاشت الجمهورية العربية المتحدة”، وكانت أصواتنا المسرسعة تنطلق إلى عنان السماء ونحن نتسابق في رفع الصوت حين نهتف: “عاش جمال عبد الناصر”.
كانت “أبله نوال” هي المُدرسة التي زرعت فينا الحبين معاً، حب الوطن وحب الزمالك، وسقتهما لنا مع دروس الفرقة الأولى في “مدرسة عم جودة” الابتدائية المشتركة.

“عم جودة” هذا ليس علماً من أعلام الوطن، ولا هو رئيس جمهورية، ولا كان وزيراً، بل كان غفير المدرسة وفراشها الوحيد على ما أذكر، وكان رجلاً جهم الملامح طيب القلب، وكنا نعمل له ألف حساب، خاصة وهو يمسك بجريدة النخيل في يديه يجري بها جري الجمال خلف العفاريت الذين يحاولون ترقي أسوار المدرسة للخروج منها أو الدخول إليها خلسة من وراء ظهره.
كنا نسمي المدرسة باسمه، كأنه علامة عليها، ولا أكاد أذكر لها اسماً غير هذا الاسم الذي أطلقناه صغاراً على مدرستنا الأولى.
كما كان “عم جودة” هو المدرسة بالنسبة لنا، فقد كانت “أبله نوال” هي مدرسة المناهج التعليمية كلها، فقد كانت هي مُدرسة الفصل الذي استمتعت فيه بفترة التعليم الأولى، ولا زلت أتذكرها وهي تتحمس معنا وتحمسنا وهي تقرأ علينا وتُسمِّع لنا أناشيد من نوعية: دع سمائي فسمائي محرقة، والله أكبر فوق كيد المعتدي، وكنت أشعر نحوها بمشاعر محبة غير تلك التي عهدتها في حياتي في تلك الفترة، ومن ناحيتها كانت توليني اهتماماً خاصاً، وأذكر أني ذهبت معها في مرة إلى بيتها، ولست أذكر ملابسات تلك الزيارة المنزلية، غير الراحة التي شعرت بها في كنف أسرتها الصغيرة.
“أبلة نوال” كانت هي السبب وراء أن أصاب بهذا المرض الذي تحول من بعد إلى إدمان حاولت مراراً التخلص منه فلم أنجح إلا لبعض الوقت لأعاوده من جديد مع كل أمل جديد لإصلاح ما أفسده الدهر في “نادي الزمالك”.


كانت هي التي طلبت منا إحضار “لبس الألعاب”، وحددته فقالت: مطلوب فانلة بيضاء بخطين حمر، وشورت أبيض و”كاوتش” أبيض، وكان “الكاوتش” الأبيض أعلى سعراً من مثيله البني ماركة باتا، وكان الفرق قرشين ونصف، وتوفيراً لهذا المبلغ الكبير قرر الأهل شراء الكاوتش البني، فرفضت لبسه بعض الوقت، ولما استيئستُ من إمكانية أن يبدلوه بآخر أبيض اضطررت إلى لبسه، ولم يطل عمره أكثر من عدة أسابيع تقطعت بعدها أوصاله من كل جانب بفعل فاعل، ورضخ الأهل في النهاية واشتروا لي الكاوتش الأبيض الذي طلبته “أبله نوال” تلك التي كنت مستعداً لأن أرمي نفسي في الترعة لو أنها أمرتني بذلك.
من يومها صرت زملكاوياً، تخمد زملكاويتي بعض الوقت ولكنها تعود فتتجدد رغماً عني، ساعدني على إبقاء جذوة تشجيع الزمالك داخلي أن أغلبية أصدقائي المقربين زملكاوية، والقليل منهم أهلاوية، وهؤلاء يدفعونك دفعاً للامساك بزملكاويتك عنداً فيهم، والبعض الثالث يترفع عن مثل هذه الصغائر الشعبوية، لكن بقيت الأغلبية الغالبة منهم يحبون الزمالك، ويعشقون فيروز، وفصيلة دمهم كلهم o، وهي مصادفة لا أتصور أنها يمكن أن تتكرر مع رهط من الأصدقاء المقربين.

أعرف أني قد لا أكون موضوعياً إذا قلت أنني أؤمن بنظرية من اختراعي تقول بأن حال الزمالك من حال مصر، فقد شهدت الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي أكبر حركة تحول سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي في تاريخها المعاصر، ونالت مصر مكانة إقليمية ودولية كبيرة، وجرى توزيع العائد الوطني بطريقة أكثر عدلاً مما سبقها ومما تلاها من عقود، وكان حال الزمالك من حال مصر في هذه الفترة، شهد خلالها حضوراً جماهيرياً كبيراً، ونال فيها العديد من البطولات، وكان النادي يزخر بالكثير من الأسماء اللامعة في المجتمع وفي السياسة وفي عالم الكرة أيضاً.
وأزعم أن التاريخ يقدم “شهادة” تؤيد نظريتي فإذا راجعت سنوات ازدهار مدرسة الفن والهندسة، ستجد أن الزمالك حصل على بطوله الكأس سبع مرات في عقدي الخمسينيات والستينيات، وحصل على بطولة الدوري ثلاثة مرات في السنوات الست من عقد الستينيات التي جرى فيها إجراء مسابقة الدوري التي توقفت في العام 1967.
انتكست مصر في السبعينيات وما بعدها، وتدهورت أحوال الزمالك، إلا بعض الوقت، في بداية الألفية الثالثة، وكلي أمل في أننا مقبلون على مرحلة ازدهار مزدوجة، لمصر وللزمالك معاً، مرحلة تقوم فيها مصر من كبوتها، ويعود فيها الزمالك من غيبته، فانتظرونا قريباً جداً.

أكاد أسمع الأهلاوية يهتفون باستهزاء: أبقي تعالى قابلنا. !!

صديقي وأخي في الزملكاوية، حديثي هذا موجه إليك وحدك، أعرف أنك حاولت كثيراً أن تقهر إدمانك، فإذا أردت أن تتخلص من زملكاويتك فعليك بثلاث خطوات، أولاً تخلص من ذكرياتك المحببة التي تعيدك كل مرة لممارسة الإدمان، وعليك ثانياً أن تتخلص من رفقاء السوء من الزملكاوية الذين لا ينفكون يعطونك الأمل في أن ينصلح حال الزمالك، أو يفلسفون الأمور ويربطون بين إمكانية ازدهار مصر ورجوع الزمالك إلى عصر البطولات، وعليك ثالثا أن تعيد قراءة هذا المقال لتعرف كم يعاني الزملكاوي من إدمانه لنادٍ مهارته الوحيدة تتجسد في التفنن في أن يُكرّه مشجعيه في حياتهم وينكد عليهم عيشتهم.
من فضلكم، الأهلاوية يمتنعون.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. صدقنى انا احترمتك لانك زمااكاوى فقط
    لكن كل ما كتبتة خطأ
    فارقام الزمالك تدل غير ذلك….. ياريت ترجع لارقام الزمالك
    وبعدين صدقنى فى عز محنتة بنشجعة…… سهل نبقى اهلاوية
    لكن حنتخلى عن حاجات كتيرة اولها الحياة
    فالزمالك بالنسبة لنا هو الحياة
    اة بالنسبة لارقام الزمالك……. يكفى الاكثر استحواذا على البطولات فى كل الالعاب
    بالنسبة لكرة القدم…… النادى الوحيد اللى فى العالم حصد 7 بطولات فى موسم واحد
    الدورى… الكأس … دوري ابطال افريقيا… السوبر الافريقى… البطولة العربية…. السوبر المصرى السعودى … السوبر المصرى

  2. احترمك لانك زمالكاوى
    لكن ما كتبتة خطأ … الزمالك بالنسبة لمشجعية هو الحياةمشجعى الزمالك هم جمهور الصفوة….. بالنسبة لارقام الزمالك
    فالزمالك هو الاكثر استحواذا على البطولات فى كل الالعاب فى كصر
    اما بالنسبة للقدم
    فهو النادى الوحيد الموجود بالعالم حصد 7 بطولات فى موسم واحد ( السوبر المحلى /الدورى / الكأس / دورى ابطال افريقيا / السوبر الافريقى / السوبر السعودى / البطولة العربية
    لو عايز ارقام تانى ابقى كلمنى وانا ابعتلك ارقام تانى
    الزمالك هو الحياة

إغلاق