فن

Darkest Hour.. تشرشل يكسب جيلا جديدا من المؤيدين

عُرض في إنجلترا بداية هذا العام، وعرض في الولايات المتحدة قبلها بشهرين، وما بين العرضين لم تتوقف جماهير السينما عن التصفيق الحار والهتاف المزلزل. ربما لونستون تشرشل، رئيس وزراء انجلترا الأشهر، وربما لغاري أولدمان، الذي جسد دوره في أحلك الأوقات التي شهدها تاريخ بريطانيا.

هل كان هذا التصفيق حنينا إلى الماضي؟ أم بكاء على أطلال القيادات الكاريزمية في زمن شهد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي؟ أم انبهارا بهذا العمل السينمائي الفذ؟ أم جميع ما سبق؟

يؤكد إريك فيلنر، منتج فيلم Darkest Hour ، أن الشركة المنتجة، Working Title Films، تلقت تقارير تفيد بأن “عاصفة التصفيق لم تكن هنا فقط، وإنما في أمريكا أيضا، ولم تكن في المدن الكبرى والأحياء الراقية فقط، وإنما في جميع أنحاء البلاد.. كنا نسمعها بوضوح”.

ويضيف فيلنر في تصريح لصحيفة The Telegraph: “كان الأمر مدهشا، فهذه الانفعالات الحادة والتصفيق الحار لا يحدثان عادة إلا في مدرجات كرة القدم أثناء المباريات الكبرى.. كان الأمر غريبا حقا”. ويعلل هذه العاطفة الفياضة تجاه الفيلم بأن الأمر يتعلق بـ “روح العصر.. حيث يشعر الناس بالانبهار بالقيادات الكاريزمية، وبالاحتياج الشديد إليها في حقبة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي”.

يكشف الفيلم بجلاء ما كان يدور في أروقة السلطة على الجانب الآخر من بحر المانش في الوقت الذي كان فيه الجيش البريطاني على شفا الانهيار في مايو عام 1940. ينجح مخرج الفيلم، جو رايت، في خلق إحساس غامر بالسعادة لدى المشاهدين تحاكي تلك التي اجتاحت قلوب البريطانيين على إثر نجاح جهود قائدهم في إنقاذ البلاد من شلة الانهزاميين ودعاة التهدئة، وذلك عن طريق بث روح الإيجابية والمقاومة، واستصراخ الناس لمواصلة المعركة والاستعلاء على وساوس الاستسلام.

 ساعد الأداء الرفيع للممثل الإنجليزي، غاري أولدمان، في نقل المشاهدين عبر التاريخ، ليحيي في قلوبهم مشاعرا ظنوا أنها قد ماتت، أو أنها خلقت لزمان غير زمانهم.

لا شك أن الشهية العامة لأي شيء يتعلق بتشرسل كانت قد ازدادت بصورة كبيرة في أعقاب عرض حلقات مسلسل The Crown، الذي أنتجته شركة Netflix في نوفمبر 2016. لم يكن غاري أولدمان أول من قام بهذا الدور، لكنه ألقى بنفسه – كما يشي اسم الفيلم – في الساعة الأشد ظلمة، مما يجعله أكثر تألقا وإبهارا.

تغطي أحداث الفيلم، الذي كتبه أنتوني ماكارتن، بضعة أسابيع فقط تمتد بين صعود تشرشل إلى سدة رئاسة الوزراء، في أعقاب سياسات الترضية والتهدئة التي انتهجها سلفه نيفيل تشامبرلين، وكلمة تشرشل الأيقونية “سنقاتل” التي كررها مرارا في ثنايا خطابه في البرلمان، واستطاع بها دفع الجماهير إلى الإيمان بحتمية المواجهة ضد جحافل الزحف الفاشي.

 خطاب تشرشل الذي ألهب الجماهير الآن، وقبل ثمانين عاما “سنقاتل”

وعلى عكس مسلسل The Crown الذي كان هادئا في استعراضه لردود أفعال النخبة الحاكمة البريطانية آنذاك، يكشف فيلم Darkest Hour تراتبية هذه النخبة حيث كان يهيمن عليها دعاة المصالحة مع هتلر، وعلى رأسهم تشامبرلين، والفيكونت هاليفاكس (الممثل الإنجليزي ستيفن ديلان) والملك جورج السادس (الممثل الاسترالي بن مندلسون)، الذي كان محل ازدراء تشرشل.

وعلى عكس أعمال السيًر الأخرى التي أرًخت له، يظهر تشرشل في هذا الفيلم وكأنه غير مهيأ على الإطلاق لمواجهة التهديد الوجودي الذي يتربص ببلاده؛ فهو الرجل الذي مُني بسخرية جميع السياسيين في ثلاثينيات القرن الماضي بسبب تحذيراته المستمرة من تنامي قوة الآلة العسكرية الألمانية، وخسر ثقتهم بسبب فشل حملة جاليبولي إبان الحرب العالمية الأولى.

ينضوي أسلوب كتابة المشاهد على كثير من السخرية اللاذعة والتعبيرات المباشرة، ولا يوجد مكان فيه للمواربة أو التورية. ويتفاعل أولدمان مع هذا الأسلوب بأداء صاخب، على مستوى التعبير الصوتي والجسدي، ربما لا يتناغم بدقة مع طريقة تشرشل الذي لا تزال الجماهير ترى هيئته في نشرات الأخبار القديمة وتسمع صوته في التسجيلات الصوتية، ولكنه -وهنا تكمن المفارقة – يساعد الأسد العجوز على كسب جيل جديد من المؤيدين والمعجبين.

يتم تعزيز هذا التأثير عبر مشهد جوهري، ولكنه مختلق، في الجزء الأخير من الفيلم – الذي تصل مدة عرضه إلى 125 دقيقة – يوشك فيه رئيس الوزراء أن يذعن لحزب الانهزاميين. في هذا المشهد، يستمد تشرشل التعزيز الذي يحتاج إليه من جماهير الشعب الذين يلهمونه الإصرار على المقاومة والقتال للزود عن جزيرتهم ضد جحافل النازية، وكأن هذا الإلهام يضع في فم  تشرشل مفردات وعبارات خطابه التاريخي أمام البرلمان ليغير وجه التاريخ، وليستنهض جماهير السينما للتصفيق والهتاف.

على الجانب الآخر من دور البطولة، شهد الفيلم أيضا توظيف الممثلين الداعمين على نحو رائع. فالممثل الإنجليزي، رونالد بيك اب، يصيب الهدف بدقة في أدائه لدور تشامبرلين المحتضر، بينما لا تظهر كريستين سكوت توماس، التي قامت بدور كليمي، زوجة تشرشل، سوى في مشاهد قليلة لتبين تفهمها الكامل لشخصية زوجها المعقدة، وتقديرها لعبقريته.

حصل أولدمان على جائزة Golden Globe لأفضل أداء، ومرشح للفوز بجائزة الأكاديمية البريطانية للأفلام (BAFTA)، ومن المتوقع أن يعلن اسمه ضمن قائمة المرشحين للفوز بجائز أوسكار أفضل ممثل على هذا الدور.

تريلر الفيلم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: