ثقافة

الكوميديا الإلهية.. الشعر يحمل مشاعل التنوير

منذ نعومة أظفاره كان يحلم أن يعيش للأدب. لذا، فقد عمل جاهدًا حتى يصير صيدلانيًا، ليقضي جل وقته يتنسم من عبقها؛ ففي زمانه كانت الكتب في فلورنسا تباع في الصيدليات باعتبارها دواء للعقول.

تسجل الترجمة الإنجليزية التي أبدعها فرانسيس كاري في عام 1814، لهذا العمل الخالدأن  الجحيم كٌتب على أبوابها: ” لا أمل لك يا من يدخل هنا “. وشاع انتشار هذه العبارة، حتى بلغت منطقة ” قراصنة الكاريبي” في ديزني،وظهرت على شاشة لعبة الفيديوWorld of Warcraft، وحتى وطًأ بها الكاتب الأمريكي، بريت إيستون إليس، روايتهAmerican Psycho، وداعبتها أنغام إحدى أغنيات فرقة الروك الأمريكية،Gaslight Anthem.

لكن.. تبقى هذه العبارة مجرد سطرفي ملحمة دانتي اليغييري التي تتألف من 14233 سطرًا.

نُشرت الكوميديا الإلهيةفي عام 1320، ومنذ ذلك الحين ظلت معين إلهام لا ينضب لجميع الفنانين في جميع صنوف الفن عبر جميع العصور. فقد تمظهرت بقوة في لوحات ساندرو بوتيتشيلي ووليم بليك وأوجين ديلاكروا وسلفادور دالي، وبثت روحها في تماثيل أوغست رودان، وأجرت ماء الحياة في شخصيات جون روميتا؛ لتبقى صورة دانتي عن الجحيم أنفذ أثرا حتى من تلك التي رسمها كاتبو التوراة.

يقول عنها الكاتب الأمريكي كريستيان بلوفيلت ” تضم بين دفتيها جميع نظريات الأدب الإنجليزي”. ويراها الناقد والأديب الأرجنتيتي، خورخي لويس بورخيس، ” أفضل كتاب في الأدب على الإطلاق”. ويصف الشاعر الأمريكي الإنجليزي تي إس إليوت تأثيرها قائلا: ” لقد قسم دانتي وشكسبير العالم فيما بينهما، ولم يقبلا معهما بثالث”.

لكن قيمتها لا تكمن فقط في كونها مصدر إلهام لا ينضب على مر الزمان، وإنما في كونها الرحم الذي تولدت منه ما نعتبره اليوم اللغة الإيطالية، والأساس الذي أطر لنظرية”صوت المؤلف”، بعد أن قدم دانتي من خلالها رؤية تحاذي بالمناكب رؤى الكتاب المقدس، وتفوقها في التأثير.

لقد مهدت ملحمة دانتي الطريق أمام حلول عصر النهضة، ثم الإصلاح الديني، ثم النزعة الهيومانية ( الإنسانية ) التي لا تزال تهيمن على الخطاب الفكري حتى يومنا هذا.

يروي دانتي الكوميديا الإلهية بصيغة المتكلم باعتبارها رحلته الخاصة إلى الجحيم والمَطهر التي اصطحبه فيها فيرجيل، شاعر العصور الرومانية القديمة، ثم إلى الجنة بصحبة سيدته المثالية، بيتريس.

على مدار الرحلة يمزج دانتيبين الثيولوجيا المسيحية والأسطورة اليونانية الرومانية الوثنية، أو – وفقا للغة الخيال العلمي والفانتازيا التي نستخدمها اليوم – يضيف بعض الرتوش إلى الأسطورة اليونانية الرومانية حتى تتمكن شخصياتها، بمن فيها الآلهة، من التوافق مع نسيج العقيدة المسيحية.

فالشيطان شارون الذي كان ينقل الأرواح في الميثولوجيا اليونانية القديمة إلى العالم السفلي، يتحول في الكوميديا الإلهية إلى أحد خدم الجحيم الذي يغذيها بالنفوس المدنسة. كما يشير دانتي إلى إبليس بـ “ديس”، وهو اسم آخر لـ “بلوتو”، إله العالم السفلي.

تضع القصيدة أحداث العالم الواقعي جنبا إلى جنب مع ما يرويه الكتاب المقدس عن أحداث السماء، فالشيطان يلتهم يهوذا، الذي وشى بالمسيح،، في أحد أفواهه الثلاثة، بينما يلتهم الآخرَين بروتس وكاسيوس، اللذين ارتكبا جريمة الخيانة ضد يوليوس قيصر، في إشارة إلى أن خيانة يوليوس قيصر لا تقل أهمية عن خيانة عيسى المسيح.

كل هذه الإحالات إلى التاريخ والميثولوجيا والكتاب المقدس تتحول في نهاية المطاف إلى ذخائر خطابية يوظفها دانتي للتعليق على الأوضاع السياسية في زمنه،فيما يشبه صور GIF المتحركة التي تُستخدم اليوم للتعبير عما يجيش به عالمنا المعاصر.

لم يختر دانتي اللاتينية – لغة الكتاب المقدس وجميع الكتابات المهمة آنذاك، لنظم قصيدته، وإنما اعتمد بدلا من ذلك على لغة إقليم توسكانا،بلهجة مدينة فلورنسا. في هذا الزمان كانت إيطاليا تتشكل من خليط من المدن المدعومة من قوى إمبريالية خارجية تسعى جميعها لبسط نفوذها، وتعددت اللغات بتعدد هذه المدن وخلفياتها الثقافية.

لا شك أن إقدام دانتي على هذا التحدي السافر قد منح العامية الفلورنتينية قوة وانتشارا غير مسبوقين؛ حيث وطدت طبقة الأدباء والنقاد أنفسهم على تعلم هذه اللغة، واستخدامها في كتابة مقالاتهم النقدية عن القصيدة.

وغدت فلورنتينية توسكانا اللغة المشتركة بين الإيطاليين، وهو ما حول فلورنسا إلى مركز للإشعاع الثقافي والإبداعي إبان عصر النهضة. كما صارت اللغة التي كتب بها بعد ذلك كل من جيوفاني بوكاتشيووفرانشيسكو بتراركا،وغيرهما من أدباء وكٌتاب النهضة، حتى صارت يطلق عليها اللغة الإيطالية، وشكلت الأساس الذي قامت عليه اللغة الإيطالية المعروفة لنا اليوم.

سمحت الكتابة بالعامية المحلية، التي بُنّى عليها خلق عامية جديدة توغلت في أغلب أجزاء إيطاليا، لأفكار دانتي بالانتشار بسلاسة ويسر حتى في أوساط العامة، كما هيأت المناخ للثورات الفكرية التي أعقبتها في عصور النهضة والإصلاح والتنوير. وبعد قرنين من الزمان تشبث القادة البروتستانت بالفكرة وناضلوا من أجل تعميمها داخل الكنائس المحلية لتقويض هيمنة الكنيسة الرومانية.

يستمد دانتي فكرته عن الجحيم من تصورات أرسطو التي تعلي من شأن العقل، وتعتبره الأداة الأهم على الإطلاق التي يمكن أن يحقق بها الإنسان سعادته، وهي الفكرة ذاتها التي سيتبناها رموز الإصلاح البروتستانتي في وقت لاحق باعتبار العقل سبيل الإنسان الوحيد إلى الخلاص.

وإلى جانب ترسيخ دانتي مبدأ الخلاص عن طريق الإيمان العقلاني بالمسيح، وليس الطقوس الكنسية، تعتبر الكوميديا الإلهية عملًا رائدًا وغير مسبوق في تفنيد الكاثوليكية الرومانية، وانتقاد بعض مماراساتها، وعلى رأسها بيع صكوك الغفران. في الوقت ذاته يمتدح دانتي بقوة صلاح الدين الأيوبي، ويصوره في العالم الآخر في منزلة بين المنزلتين (الأعراف) مع أرواح الأطفال غير المعمدين.

تحقق الكوميديا الإلهية أيضا ريادة فكرية في الجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل، وعدم إغفال أحدهم لحساب الآخر، وذلك من خلال الدمج الإبداعي بين الديني والأدبي، والمسيحي والوثني، في إطار يبشر برؤى مستقبلية ويحمل الصفة الوراثية لعالم جنيني لما يخرج بعد إلى النور، بما يجعل هذا العمل نقطة ارتكاز مفصلية في التاريخ الغربي.

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق